الفائز بجائزة نوبل : أكتب بمزيج من لغات

عبد الرازق قرنح
عبد الرازق قرنح

حوار‭: ‬شين‭ ‬كريفي - ترجمة‭ : ‬رفيدة‭ ‬جمال‭ ‬ثابت

 

•‭ ‬رُشحت‭ ‬رواياتك‭ ‬للقوائم‭ ‬الطويلة‭ ‬والقصيرة‭ ‬لجائزة‭ ‬البوكر،‭ ‬وكذلك‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الجوائز‭ ‬المرموقة‭ ‬الأخرى‭. ‬هل‭ ‬تجد‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬الترشيحات‭ ‬الإطراء‭ ‬والثناء‭ ‬أم‭ ‬تفضل‭ ‬تجنبها؟

•‭ ‬كلا،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الترشيحات‭ ‬مهمة‭ ‬للغاية،‭ ‬لأنها‭ ‬تضمن‭ ‬لك‭ ‬قراء‭ ‬جددًا،‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يعرفك‭ ‬سابقاً‭ ‬سيسمع‭ ‬بك‭ ‬وربما‭ ‬يحثه‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬أعمالك‭. ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الجوائز‭ ‬أحداث‭ ‬عامة‭ ‬تدفع‭ ‬الناس‭ ‬للاهتمام‭ ‬بقراءة‭ ‬كتب‭ ‬مشوقة‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬ليسمعوا‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

•‭ ‬هذا‭ ‬يقودنى‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬التالى‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬الروائي‭. ‬يفضل‭ ‬بعض‭ ‬الكُتّاب‭ ‬العزلة،‭ ‬وآخرون‭ ‬يتمتعون‭ ‬بشخصية‭ ‬عامة‭ ‬بارزة‭. ‬برأيك‭ ‬أين‭ ‬تكمن‭ ‬مكانة‭ ‬الكاتب‭ ‬فى‭ ‬الحياة‭ ‬العامة؟

•‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬للروائى‭ ‬عدة‭ ‬أدوار،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬دور‭ ‬بعينه‭. ‬وأنا‭ ‬سعيد‭ ‬لأن‭ ‬فى‭ ‬مقدور‭ ‬الروائيين‭ ‬اختيار‭ ‬ما‭ ‬ينفعهم‭ ‬وما‭ ‬يناسبهم،‭ ‬وما‭ ‬يفكرون‭ ‬فيه‭ ‬ونوع‭ ‬الكتابة‭ ‬التى‭ ‬يكتبونها‭. ‬

•‭ ‬بصفتك‭ ‬أستاذاً‭ ‬فى‭ ‬جامعة‭ ‬كينت،‭ ‬هل‭ ‬تجد‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬تعارض‭ ‬بين‭ ‬عملك‭ ‬الأكاديمى‭ ‬والأدبي،‭ ‬أم‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬لهما‭ ‬التواجد‭ ‬جنباً‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬فى‭ ‬سهولة؟‭ ‬

•‭ ‬لا‭ ‬أجد‭ ‬تضارباً‭ ‬بشأن‭ ‬كونى‭ ‬أكاديمياً‭ ‬وكاتباً‭ ‬فى‭ ‬مجال‭ ‬الأدب‭. ‬بل‭ ‬فى‭ ‬الواقع‭ ‬كل‭ ‬مجال‭ ‬يفضى‭ ‬إلى‭ ‬الآخر،‭ ‬فحينما‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬أحد‭ ‬الكتب‭ ‬أو‭ ‬أقرأه‭ ‬واستعد‭ ‬لمناقشته‭ ‬مع‭ ‬الطلاب،‭ ‬أفكر‭ ‬أيضاً‭ ‬فى‭ ‬عملية‭ ‬كتاباته‭ ‬وإبداعه،‭ ‬واسترجع‭ ‬ذلك‭ ‬أحياناً‭ ‬حينما‭ ‬أعكف‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭. ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬يحدث‭ ‬حينما‭ ‬تتدرج‭ ‬فى‭ ‬وظيفتك،‭ ‬وتضطر‭ ‬إلى‭ ‬تحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأعباء‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬التى‭ ‬ليست‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بمهنة‭ ‬التدريس‭ ‬أو‭ ‬الكتابة‭ ‬الإبداعية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بالمؤسسات‭. ‬فالعمل‭ ‬الأكاديمى‭ ‬يتطلب‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬المسئولية‭ ‬تطغى‭ ‬أحياناً‭ ‬على‭ ‬الذهن‭ ‬فلا‭ ‬يترك‭ ‬مجالاً‭ ‬للتفكير‭ ‬فى‭ ‬الأمور‭ ‬التى‭ ‬تهتم‭ ‬بها‭ ‬كالكتابة‭.‬

•‭ ‬حينما‭ ‬تكتب‭ ‬رواية‭ ‬هل‭ ‬تخطط‭ ‬كل‭ ‬حبكة‭ ‬وكل‭ ‬تطور‭ ‬فيها‭ ‬بشكل‭ ‬منهجي؟‭ ‬أم‭ ‬تدون‭ ‬وتدع‭ ‬الكتابة‭ ‬تحكى‭ ‬القصة؟

•‭ ‬أعتقد‭ ‬أنك‭ ‬حينما‭ ‬تكتب‭ ‬عن‭ ‬الحبكة‭ ‬عليك‭ ‬التخطيط‭ ‬لها‭ ‬وإلا‭ ‬سيصيبك‭ ‬الارتباك‭ ‬أو‭ ‬تفقد‭ ‬القصة‭. ‬وحيث‭ ‬أننى‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬نصاً‭ ‬تسيره‭ ‬الحبكة‭ ‬أحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التخطيط،‭ ‬ما‭ ‬يأخذ‭ ‬بعض‭ ‬الوقت،‭ ‬ويحدث‭ ‬ذلك‭ ‬وأنا‭ ‬أقوم‭ ‬بأشياء‭ ‬أخرى،‭ ‬وتزداد‭ ‬الأشياء‭ ‬التى‭ ‬أفكر‭ ‬فيها،‭ ‬ثم‭ ‬تحين‭ ‬لحظة‭ ‬أقول‭ ‬لنفسى‭ ‬إنه‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬وقت‭ ‬كتابة‭ ‬الأشياء،‭ ‬فيصير‭ ‬الأمر‭ ‬كأنه‭ ‬تدوين‭ ‬ملحوظات،‭ ‬وتتراكم‭ ‬هذه‭ ‬الملحوظات،‭ ‬وأبدأ‭ ‬فى‭ ‬الكتابة،‭ ‬وهكذا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتراكم‭ ‬فأقوم‭ ‬بكتابة‭ ‬المسودة‭ ‬الأولى‭ ‬ثم‭ ‬الثانية‭. ‬ثم‭ ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬أضيف‭ ‬بعض‭ ‬المعلومات‭ ‬والتفاصيل‭ ‬أو‭ ‬تطرأ‭ ‬على‭ ‬ذهنى‭ ‬اتجاهات‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬أرها‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬لذا‭ ‬ينبغى‭ ‬وجود‭ ‬درجة‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬التخطيط،‭ ‬لكن‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يجب‭ ‬إفساح‭ ‬المجال‭ ‬لاختيارات‭ ‬أخرى‭.‬

•‭ ‬يقول‭ ‬الراوى‭ ‬المجهول‭ ‬فى‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬حب‭ ‬الصمت‮»‬‭: ‬‮«‬أحب‭ ‬تأمل‭ ‬الفوارق‮»‬‭. ‬هل‭ ‬الفوارق‭ ‬تيمة‭ ‬متكررة‭ ‬فى‭ ‬كتاباتك؟‭ ‬هل‭ ‬توجد‭ ‬مؤثرات‭ ‬أخرى‭ ‬تخللت‭ ‬أعمالك‭ ‬وظلت‭ ‬معك‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬حتى‭ ‬الآن؟‭ ‬

•‭ ‬أجل‭. ‬ثمة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المؤثرات‭ ‬مثل‭ ‬النشأة،‭ ‬والوطن،‭ ‬والدين،‭ ‬والقصص‭ ‬التى‭ ‬تربيت‭ ‬عليها،‭ ‬وكذلك‭ ‬التجارب،‭ ‬ولا‭ ‬أعنى‭ ‬بذلك‭ ‬تجاربى‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬وكذلك‭ ‬تجارب‭ ‬الآخرين،‭ ‬والتى‭ ‬قد‭ ‬تلامس‭ ‬تجاربى‭ ‬أو‭ ‬تختلف‭ ‬عنها‭. ‬ومقصدى‭ ‬من‭ ‬عبارة‭ ‬الراوى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المرء‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬التمييز،‭ ‬ورؤية‭ ‬مكمن‭ ‬الاختلافات،‭ ‬وفهمها‭ ‬وسردها،‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬رفضها،‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ماهيتها‭.‬

•‭ ‬فى‭ ‬الرواية‭ ‬السابقة‭ ‬الراوى‭ ‬شخصية‭ ‬لا‭ ‬يعول‭ ‬عليها‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما؛‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬يسرد‭ ‬قصصاً‭ ‬للسيد‭ ‬ويلوبى‭ ‬وإيما‭ ‬تتسم‭ ‬بالفانتازية‭ ‬والمغالاة‭. ‬فى‭ ‬‮«‬الهجران‮»‬‭ ‬يُنتزع‭ ‬القارئ‭ ‬من‭ ‬منطقته‭ ‬الآمنة‭ ‬حينما‭ ‬يتبين‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬رشيد‭ ‬كان‭ ‬يقص‭ ‬نصف‭ ‬الكتاب‭ ‬تقريباً‭. ‬هل‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬زعزعة‭ ‬ثقة‭ ‬القارئ‭ ‬فى‭ ‬القصص‭ ‬التى‭ ‬يختار‭ ‬تصديقها؟‭ ‬

•‭ ‬أجل‭ ‬بالطبع‭. ‬حينما‭ ‬نستمع‭ ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬من‭ ‬يكتبها؟‭ ‬وماذا‭ ‬يقول؟‭ ‬ولماذا؟‭ ‬هل‭ ‬نصدقها؟‭ ‬وهل‭ ‬هى‭ ‬مهمة؟‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬طريقة‭ ‬تقييمنا‭ ‬للقصة‭ ‬وتحليلها‭ ‬وفهمها‭. ‬حكمة‭ ‬القصة‭ ‬تكمن‭ ‬فى‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭. ‬لا‭ ‬أقصد‭ ‬أن‭ ‬نحل‭ ‬شفرات‭ ‬القصة‭ ‬أو‭ ‬نكتشف‭ ‬الخدعة‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬هل‭ ‬نصدق‭ ‬ذلك؟‭ ‬من‭ ‬يفعل‭ ‬هذا؟‭ ‬ولماذا؟‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬طريقة‭ ‬أخرى‭ ‬للتفكير‭ ‬فيها؟‭ ‬هل‭ ‬نجدها‭ ‬قصة‭ ‬مثيرة‭ ‬للانتباه‭ ‬لو‭ ‬ساورتنا‭ ‬الشكوك‭ ‬نحوها؟‭ ‬تعجبنى‭ ‬عملية‭ ‬الانخراط‭ ‬فى‭ ‬الحبكة‭ ‬والابتعاد‭ ‬عنها‭ ‬فى‭ ‬ذات‭ ‬الوقت،‭ ‬فالقصة‭ ‬تتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬القارئ‭ ‬لأنه‭ ‬مهتم‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬آخر،‭ ‬لكن‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬عليه‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬المسافة‭ ‬عنها‭. ‬

•‭ ‬فى‭ ‬روايتك‭ ‬‮«‬على‭ ‬شاطئ‭ ‬البحر‮»‬‭ ‬يقول‭ ‬لطيف‭ ‬محمود‭: ‬‮«‬هذا‭ ‬هو‭ ‬البيت‭ ‬الذى‭ ‬أقطنه‭... ‬لغة‭ ‬تصرخ‭ ‬فى‭ ‬وجهى‭ ‬وتسخر‭ ‬منى‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭ ‬ثالثة‮»‬‭. ‬اخترت‭ ‬الكتابة‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬لكنك‭ ‬ترصع‭ ‬رواياتك‭ ‬بشذرات‭ ‬من‭ ‬اللغات‭ ‬الأخرى،‭ ‬مثل‭ ‬السواحيلية‭. ‬هل‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬أنك‭ ‬تنحاز‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تشينوا‭ ‬أتشيبى‭ ‬أمام‭ ‬نجوجى‭ ‬واثيونجو‭ ‬فى‭ ‬جدالهما‭ ‬بشأن‭ ‬مسألة‭ ‬اللغة،‭ ‬وأنه‭ ‬ينبغى‭ ‬انتزاع‭ ‬لغة‭ ‬المستعمر‭ ‬من‭ ‬الداخل؟

•‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنى‭ ‬أنحاز‭ ‬إلى‭ ‬أيهما‭. ‬يزعم‭ ‬أتشيبى‭ ‬أن‭ ‬الإنجليزية‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفها‭ ‬فى‭ ‬مناهضة‭ ‬الاستعمار‭. ‬لكن‭ ‬نجوجى‭ ‬يعارضه‭ ‬قائلاً‭ ‬بأن‭ ‬اللغة‭ ‬متغلغلة‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬نفعله؛‭ ‬فى‭ ‬طريقة‭ ‬التفسير‭ ‬والتأويل،‭ ‬وفى‭ ‬القيم‭ ‬والمعايير،‭ ‬وفى‭ ‬السيطرة‭ ‬فى‭ ‬الأشياء‭. ‬لكنى‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة،‭ ‬لاسيما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للكاتب‭. ‬وينبغى‭ ‬أن‭ ‬أعترف‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأسباب‭ ‬التى‭ ‬دفعتنى‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬بالإنجليزية‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بالطبع‭ ‬بالاستعمار،‭ ‬وأيضاً‭ ‬بما‭ ‬قرأته،‭ ‬والذى‭ ‬كان‭ ‬معظمه‭ ‬مكتوباً‭ ‬بالإنجليزية‭. ‬ومتعلق‭ ‬كذلك‭ ‬بمكان‭ ‬وجودى‭ ‬حينما‭ ‬بدأت‭ ‬الكتابة‭ ‬آنذاك‭. ‬أحب‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إننى‭ ‬شخص‭ ‬تعثر‭ ‬بالكتابة‭. ‬حينما‭ ‬كنت‭ ‬طفلاً‭ ‬لم‭ ‬أقل‭ ‬إننى‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬كاتباً‭. ‬وجدت‭ ‬نفسى‭ ‬أكتب‭ ‬فى‭ ‬العشرينيات‭ ‬حينما‭ ‬كنت‭ ‬فى‭ ‬إنجلترا،‭ ‬ولم‭ ‬يخيل‭ ‬لى‭ ‬آنذاك‭ ‬أن‭ ‬أتساءل‭: ‬‮«‬ما‭ ‬اللغة‭ ‬التى‭ ‬عليّ‭ ‬استخدامها؟‮»‬‭. ‬اللغة‭ ‬التى‭ ‬أعرف‭ ‬استخدامها‭ ‬فى‭ ‬الكتابة‭ ‬كانت‭ ‬الانجليزية‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬اللغة‭ ‬المتاحة‭ ‬للقراءة‭. ‬لكن‭ ‬عندى‭ ‬علم‭ ‬بأشياء‭ ‬أخرى‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بالكتابة‭. ‬لذا‭ ‬فأنا‭ ‬اكتب‭ ‬بلغة‭ ‬واحدة،‭ ‬وهى‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬وأرصعها‭ ‬بأمور‭ ‬إبداعية‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬ولغات‭ ‬أخرى،‭ ‬وينتج‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬مزيجاً‭ ‬حيوياً‭ ‬فريداً‭.‬

•‭ ‬يناجى‭ ‬صالح‭ ‬عمر‭ ‬نفسه‭: ‬‮«‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتطلع‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬لكنى‭ ‬دائماً‭ ‬أجد‭ ‬نفسى‭ ‬انظر‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‮»‬‭. ‬تتأرجح‭ ‬حبكات‭ ‬رواياتك‭ ‬بين‭ ‬الماضى‭ ‬والحاضر‭. ‬هل‭ ‬الماضى‭ ‬بالنسبة‭ ‬لك‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬عالماً‭ ‬مفقوداً‮»‬‭ ‬مثلما‭ ‬يتصوره‭ ‬رشدي؟

•‭ ‬فى‭ ‬ظنى‭ ‬أن‭ ‬رشدى‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬أن‭ ‬الماضى‭ ‬عالم‭ ‬مفقود‭ ‬بالكامل‭. ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يقصد‭ ‬أنها‭ ‬عملية‭ ‬مؤلمة‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬التى‭ ‬أستخدمها‭ ‬حول‭ ‬المشى‭ ‬عبر‭ ‬المرآة‭ ‬والتشظي‭. ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬مقصده‭ ‬أن‭ ‬الماضى‭ ‬ليس‭ ‬مفقوداً‭ ‬بل‭ ‬شيئاً‭ ‬يستدعى‭ ‬الحزن‭ ‬والرثاء‭. ‬وفى‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬لم‭ ‬أبتعد‭. ‬آنيتا‭ ‬ديساى‭ ‬تقول‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬شخصياتها‭ ‬جملة‭ ‬رائعة‭ ‬أظن‭ ‬أنها‭ ‬موجودة‭ ‬فى‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬ضوء‭ ‬النهار‭ ‬المشرق‮»‬‭ ‬وقد‭ ‬استعرت‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬فى‭ ‬‮«‬حب‭ ‬الصمت‮»‬‭ ‬وهى‭ ‬‮«‬لا‭ ‬شيء‭ ‬ينتهى‭ ‬أبداً‮»‬‭. ‬أرى‭ ‬الماضى‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭. ‬لا‭ ‬ينتهى‭ ‬أبداً،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬انتهى‭.‬

•‭ ‬أتقصد‭ ‬أن‭ ‬الماضى‭ ‬يسكن‭ ‬الحاضر؟

•‭ ‬بالطبع‭. ‬الماضى‭ ‬حاضر،‭ ‬لأننا‭ ‬نعيش‭ ‬فى‭ ‬خيالنا‭ ‬ونعيش‭ ‬كذلك‭ ‬فى‭ ‬الواقع،‭ ‬لذا‭ ‬الماضي،‭ ‬وهو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مخيلتنا،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬حياً‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا،‭ ‬ولا‭ ‬ينتهى‭ ‬قط‭.‬

نُشر‭ ‬فى‭ ‬مجلة‭ (‬Magill‭)‬

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي

 

 

ترشيحاتنا