عبد الرازق قرنح : إذا كان لديك «أرض صلبة» ستفقد القدرة على السؤال

عبد الرازق قرنح
عبد الرازق قرنح

حوار‭: ‬تينا‭ ‬ستينر - ترجمة‭: ‬بسمة‭ ‬ناجى

‭ ‬فى‭ ‬أى‭ ‬مرحلة‭ ‬تعليمية‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬وصلت‭ ‬حين‭ ‬غادرت‭ ‬زنجبار؟

‭- ‬أنهيت‭ ‬دراستى‭ ‬الثانوية‭ ‬عام‭ ‬1966،‭ ‬ثم‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬أواصل‭ ‬التعليم‭ ‬العالي،‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬عامين‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬فى‭ ‬زنجبار‭ ‬أُرسل‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬أكملوا‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يسمى‭ ‬آنذاك‭ ‬بـ»الخدمة‭ ‬الوطنية‮»‬‭. ‬جرى‭ ‬تشغيل‭ ‬الكثير‭ ‬منا‭ ‬كمعلمين‭ ‬مساعدين‭ ‬فى‭ ‬المدارس،‭ ‬والبعض‭ ‬فى‭ ‬وظائف‭ ‬حكومية،‭ ‬وككَتبة‭ ‬مبتدئين‭ ‬فى‭ ‬الخدمة‭ ‬المدنية،‭ ‬وفى‭ ‬مواقع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭. ‬أردت‭ ‬فى‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬هذا،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى،‭ ‬فى‭ ‬روايتى‭ ‬الجديدة‭. ‬ليست‭ ‬مسألة‭ ‬كبيرة،‭ ‬لكنى‭ ‬أذكرها‭. ‬جرى‭ ‬تشغيلنا‭ ‬جميعًا‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬وجرى‭ ‬توظيفى‭ ‬فى‭ ‬مدرسة‭ ‬ريفية‭.‬

‭ ‬هل‭ ‬اختير‭ ‬البعض‭ ‬لاستكمال‭ ‬التعليم‭ ‬العالي،‭ ‬مثل‭ ‬لطيف‭ ‬فى‭ ‬روايتك‭ ‬‮«‬على‭ ‬شاطئ‭ ‬البحر‮»‬‭ ‬والذي‭ ‬يسافر‭ ‬إلى‭ ‬ألمانيا‭ ‬الشرقية؟‭ ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬هى‭ ‬الإمكانية‭ ‬الوحيدة‭ ‬للدراسة؟

‭- ‬نعم،‭ ‬وفى‭ ‬الواقع،‭ ‬كانت‭ ‬الأماكن‭ ‬الوحيدة‭ ‬التى‭ ‬يمكنك‭ ‬الذهاب‭ ‬إليها‭ ‬هى‭ ‬تشيكوسلوفاكيا‭ ‬وألمانيا‭ ‬الشرقية‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬قدّمت‭ ‬تلك‭ ‬البلدان‭ ‬منحًا‭ ‬دراسية‭ ‬للحكومة،‭ ‬واختار‭ ‬قسم‭ ‬التعليم‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬الذهاب،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يرغب‭ ‬الجميع‭ ‬فى‭ ‬السفر‭ ‬إلىهناك‭ ‬عمومًا،‭ ‬سواء‭ ‬لضعف‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم،‭ ‬أو‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬كما‭ ‬فى‭ ‬روايتى‭ ‬‮«‬على‭ ‬شاطئ‭ ‬البحر‮»‬،‭ ‬لقلقهم‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬الشيوعيين‭ ‬لمعتقداتهم‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭. ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬بُعِثوا‭ ‬للخارج‭ ‬كانوا‭ ‬أشخاصًا‭ ‬تثق‭ ‬بهم‭ ‬السلطات،‭ ‬أو‭ ‬أبناء‭ ‬لأشخاص‭ ‬تثق‭ ‬بهم‭ ‬السلطات‭.‬

‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬لينطبق‭ ‬عليك‭ ‬وعلى‭ ‬أخيك؟

‭- ‬حسنًا،‭ ‬كان‭ ‬احتمالًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬مستحيلًا،‭ ‬إذا‭ ‬أبدينا‭ ‬بعض‭ ‬الحماس‭. ‬أعتقد‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬طريقة‭ ‬لإظهار‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الانتماء‭ ‬والولاء‭. ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬تريد‭ ‬الذهاب‭ ‬بالفعل‭ ‬لإكمال‭ ‬تعليمك،‭ ‬فهذه‭ ‬هى‭ ‬الطريقة‭ ‬التى‭ ‬تعبّر‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬انتمائك‭ ‬لهذا‭ ‬الجانب‭.‬غادرنا‭ ‬بعدها،‭ ‬فى‭ ‬عام‭ ‬1967،‭ ‬إلى‭ ‬لندن،‭ ‬وبدون‭ ‬تأشيرة‭. ‬ذهبنا‭ ‬إلى‭ ‬المفوضية‭ ‬البريطانية‭ ‬العليا‭ ‬فى‭ ‬دار‭ ‬السلام‭ ‬فقيل‭ ‬لنا‭: ‬لا،‭ ‬لن‭ ‬نمنحكم‭ ‬تأشيرات‭ ‬دراسة‭ ‬أو‭ ‬عمل،‭ ‬لكن‭ ‬يمكنكم‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تأشيرة‭ ‬سياحية،‭ ‬ستسمح‭ ‬لكم‭ ‬بالبقاء‭ ‬هناك‭ ‬لمدة‭ ‬شهر‭ ‬أو‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭.‬

‭ ‬وكيف‭ ‬بدأت‭ ‬دراستك‭ ‬الجامعية‭ ‬بلندن؟

‭- ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬أننا‭ ‬حين‭ ‬وصلنا،‭ ‬أنا‭ ‬وأخي،‭ ‬إلى‭ ‬لندن،‭ ‬أقنعنا‭ ‬ابن‭ ‬عمنا،‭ ‬وكان‭ ‬يعمل‭ ‬بالزراعة،‭ ‬بوجوب‭ ‬الالتحاق‭ ‬بالتعليم‭ ‬العالي‭. ‬درس‭ ‬أحمد‭ ‬العلوم‭ ‬البيولوجية‭ ‬وقرر‭ ‬أنه‭ ‬التخصص‭ ‬الذى‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬به،‭ ‬ودرست‭ ‬أنا‭ ‬الفيزياء‭ ‬والرياضيات‭ ‬والكيمياء‭ ‬ناويًا‭ ‬مواصلة‭ ‬دراسة‭ ‬الهندسة‭. ‬وكان‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يسير‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬فى‭ ‬الواقع،‭ ‬حتى‭ ‬لقد‭ ‬عُرض‭ ‬عليَ‭ ‬مكانان‭ ‬للدراسة‭. ‬كنا‭ ‬فقراء‭ ‬حين‭ ‬أتينا‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭. ‬كافحنا،‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬بالضبط‭ ‬كيف‭ ‬نجونا،‭ ‬لكننا‭ ‬نجونا‭. ‬استمر‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1971،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أعتقد،‭ ‬وكان‭ ‬عمرى‭ ‬22‭ ‬عامًا،‭ ‬وكنت‭ ‬أعمل‭ ‬فى‭ ‬مستشفى،‭ ‬حين‭ ‬قررت‭ ‬أننى‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أصير‭ ‬مهندسًا،‭ ‬فدرَّستُ‭ ‬فى‭ ‬فصول‭ ‬مسائية،‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬متقدمة‭ ‬فى‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬لأننى‭ ‬أردت‭ ‬دراسة‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭.‬

‭  ‬شكرًا‭ ‬لك‭ ‬على‭ ‬توضيح‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬سيرتك‭ ‬الذاتية‭. ‬ننتقل‭ ‬إلى‭ ‬عملك؟‭ ‬اعتقدت‭ ‬أنه‭ ‬يمكننا‭ ‬البدء‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬الحرفة‭ ‬نفسها‭. ‬هل‭ ‬لديك‭ ‬روتين‭ ‬معين؟

‭- ‬أكتب‭ ‬على‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬فى‭ ‬المنزل،‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬فى‭ ‬المكتب،‭ ‬أكتب‭ ‬دائمًا‭ ‬فى‭ ‬المنزل‭. ‬هذه‭ ‬إحدى‭ ‬الحيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬التى‭ ‬ألعبها،‭ ‬عندما‭ ‬أكون‭ ‬فى‭ ‬المكتب،‭ ‬أقوم‭ ‬بعملى‭ ‬الجامعى‭ ‬محاولًا‭ ‬عدم‭ ‬أخذه‭ ‬معى‭ ‬إلى‭ ‬المنزل،‭ ‬وعندما‭ ‬أكون‭ ‬فى‭ ‬المنزل‭ ‬أكتب‭ ‬محاولًا‭ ‬عدم‭ ‬إحضار‭ ‬كتابتى‭ ‬للجامعة‭. ‬قد‭ ‬أقرأ‭ ‬قصة‭ ‬أو‭ ‬مقالًا‭ ‬بشكل‭ ‬متعمق‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لدى‭ ‬شيء‭ ‬محدد‭ ‬أقوم‭ ‬به،‭ ‬قد‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬فى‭ ‬المكتب‭ ‬لتوفير‭ ‬بضع‭ ‬ساعات،‭ ‬لكننى‭ ‬أحاول‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬الأمرين‭. ‬لذلك‭ ‬أعمل‭ ‬على‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬الخاص‭ ‬بى‭ ‬فى‭ ‬المنزل،‭ ‬ولكنى‭ ‬أكتب‭ ‬ملاحظات‭ ‬بخط‭ ‬اليد‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.‬

‭ ‬لنفترض‭ ‬أن‭ ‬لديك‭ ‬فكرة‭ ‬عن‭ ‬رواية،‭ ‬هل‭ ‬تصمّم‭ ‬خرائط‭ ‬ذهنية‭ ‬أم‭ ‬مخططات‭ ‬قصصية؟

‭- ‬لا،‭ ‬لا‭ ‬أعتمد‭ ‬على‭ ‬المخططات‭. ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬يفعلون‭ ‬ذلك‭ ‬ويجدون‭ ‬أنه‭ ‬مفيد‭ ‬جدًا‭. ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فلا‭. ‬بسبب‭ ‬التدريس‭ ‬والكتابة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الأخرى‭ ‬التى‭ ‬أمارسها،‭ ‬وحاليًا،‭ ‬بسبب‭ ‬السفر،‭ ‬فغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يستغرق‭ ‬الأمر‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬حتى‭ ‬أبدأ‭. ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬أكتب‭ ‬فى‭ ‬وقت‭ ‬الإجازة،‭ ‬هذا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لى‭ ‬هو‭ ‬الوقت‭ ‬الذى‭ ‬أستطيع‭ ‬خلاله‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭. ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬خلال‭ ‬الفصل‭ ‬الدراسي‭. ‬تكون‭ ‬الإجازة‭ ‬شهرًاأو‭ ‬شهرين،‭ ‬ربما‭ ‬أكمل‭ ‬خلالها‭ ‬المسودة‭ ‬الأولى‭ ‬لرواية،‭ ‬أو‭ ‬أنهى‭ ‬عملًا‭ ‬كنت‭ ‬بدأته‭. ‬هذه‭ ‬هى‭ ‬الطريقة‭ ‬المثالية‭ ‬للعمل‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭.‬

‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬لديك‭ ‬فكرة‭ ‬ما‭ ‬وبدأت‭ ‬فى‭ ‬كتابتها،‭ ‬هل‭ ‬يمكنك‭ ‬العمل‭ ‬عليها‭ ‬طوال‭ ‬اليوم؟

‭- ‬أود‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬نعم،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬حقًا‭. ‬فى‭ ‬العام‭ ‬الماضى‭ ‬كنت‭ ‬أتحدث‭ ‬إلى‭ ‬كاتبة‭ ‬معروفة‭ ‬وناجحة‭ ‬للغاية،‭ ‬وقالت‭ ‬إنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬العمل‭ ‬بعد‭ ‬الساعة‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬ظهرًا‭. ‬أحدد‭ ‬لنفسى‭ ‬سلسلة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬الأهداف‭ ‬أيًا‭ ‬كانت‭. ‬ليس‭ ‬الوقت‭ ‬فقط،‭ ‬لكن‭ ‬أحيانًا‭ ‬حجم‭ ‬ما‭ ‬أكتب‭.‬

‭ ‬تقصد‭ ‬عدد‭ ‬الكلمات؟

‭- ‬لا،‭ ‬ليس‭ ‬بالضبط‭. ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بسير‭ ‬الأمور‭. ‬هل‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بجِد‭ ‬أكثر؟‭ ‬هل‭ ‬عملت‭ ‬بما‭ ‬يكفى‭ ‬اليوم؟‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬أتعثر‭ ‬فى‭ ‬شيء‭ ‬ما،‭ ‬ويكون‭ ‬لزامًا‭ ‬على‭ ‬المضى‭ ‬قدمًا‭ ‬لتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬العثرة‭. ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنها‭ ‬فكرة‭ ‬جيدة‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬الأمور‭ ‬كما‭ ‬تريد‭ ‬أثناء‭ ‬الكتابة‭. ‬أتوقف‭ ‬فقط‭ ‬حين‭ ‬أشعر‭ ‬أننى‭ ‬أريد‭ ‬نقطة‭ ‬تبدأ‭ ‬عندها‭ ‬الأمور‭ ‬فى‭ ‬التدفق‭ ‬بشكل‭ ‬أسلس‭. ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬ينجح‭ ‬دائمًا،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬طريقة‭ ‬ثابتة‭.‬

‭ ‬هل‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬عملك‭ ‬كأكاديمى‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬عملك‭ ‬ككاتب؟‭ ‬أو‭ ‬هل‭ ‬تؤثر‭ ‬كتابتك‭ ‬الأكاديميةبشكل‭ ‬ما‭ ‬على‭ ‬كتابتك‭ ‬الإبداعية؟

‭- ‬حسنًا،‭ ‬تتحدثين‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬الكتابة،‭ ‬سواء‭ ‬الأكاديمية‭ ‬أو‭ ‬الأدبية‭. ‬فى‭ ‬البداية‭ ‬شكّل‭ ‬الأمر‭ ‬عناءًحقيقيًا؛‭ ‬كان‭ ‬أبنائى‭ ‬صغارًا،‭ ‬وتوجب‭ ‬عليّ‭ ‬العمل‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الدخل،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستحيلًا،‭ ‬وإنما‭ ‬استلزم‭ ‬فقط‭ ‬بعض‭ ‬العمل‭ ‬الشاق‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متاحًا‭ ‬لى‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬لكننى‭ ‬الآن‭ ‬أكثر‭ ‬التزامًا‭ ‬بكونى‭ ‬أديبًا‭. ‬صرنا‭ ‬أكثر‭ ‬ارتياحًا‭ ‬حيال‭ ‬ذلك،‭ ‬لأن‭ ‬أبنائى‭ ‬قد‭ ‬كبروا‭.  ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لدى‭ ‬نفس‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الذنب‭ ‬والمسؤوليات‭. ‬ولكن‭ ‬ليست‭ ‬هذه‭ ‬هى‭ ‬المسألة‭ ‬حقًا،‭ ‬أو‭ ‬ليست‭ ‬تمامًا،‭ ‬فالمسألة‭ ‬أيضًا‭ ‬هى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تعارضًا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بما‭ ‬يشغلك‭. ‬دائمًا‭ ‬ما‭ ‬كانا‭ ‬منفصلين‭ ‬تمامًا،‭ ‬لكنهما‭ ‬نوعًا‭ ‬ما‭ ‬متداخلان‭ ‬بطريقة‭ ‬مثيرة‭ ‬للاهتمام‭. ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬قراءاتى‭ ‬تغذى‭ ‬كتاباتي‭ ‬وتنبئ‭ ‬عنها،أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬تغذى‭ ‬كتابتى‭ ‬قراءاتي‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬تحدثت‭ ‬فى‭ ‬‮«‬الكتابة‭ ‬والمكان‮»‬‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬تقديم‭ ‬السرد‭ ‬طرقًا‭ ‬أعقد‭ ‬للمعرفة،‭ ‬ماذا‭ ‬تقصد بذلك؟

‭- ‬أشرتُ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬السرديات‭ ‬المعقدة‭ ‬تتحدى‭ ‬فى‭ ‬الواقع‭ ‬السردية‭ ‬المهيمنة،‭ ‬الأوروبية‭ ‬أو‭ ‬الإمبريالية،‭ ‬لأنها‭ ‬تقدّم‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التفاصيل،‭ ‬بل‭ ‬وتبدو،‭ ‬ولعدم‭ ‬اتساقها‭ ‬مع‭ ‬السردية‭ ‬الأقوى،‭ ‬وكأنها‭ ‬تناقض‭ ‬نفسها‭ ‬أحيانًا‭. ‬وبالتالى‭ ‬فهي‭ ‬فى‭ ‬موقف‭ ‬ضعف،لأنك‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬السرد‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬تعجز‭ ‬فى‭ ‬الواقع‭ ‬عن‭ ‬دحض‭ ‬السردية‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬بشكل‭ ‬نهائي‭. ‬لذلك،‭ ‬توافق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬قصة‭ ‬صغيرة‭ ‬ومجزأة‭ ‬وغير‭ ‬مكتملة،‭ ‬يسهُل‭ ‬على‭ ‬أى‭ ‬شخص‭ ‬معارضتها‭.‬

‭ ‬أتساءل‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬يُترجَم‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬الأوضاع‭ ‬التى‭ ‬تتخذها‭ ‬شخصياتك‭ ‬فى‭ ‬المشاهد؟‭ ‬تُختتم‭ ‬‮«‬ذاكرة‭ ‬المغادرة‮»‬‭ ‬بوقوف‭ ‬حسن‭ ‬على‭ ‬القارب،‭ ‬وعندما‭ ‬ينظر‭ ‬للوراء‭ ‬يتمنى‭ ‬رؤية‭ ‬أرض‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭. ‬هل‭ ‬الرغبة‭ ‬فى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أرضية‭ ‬صلبة‭ ‬تحت‭ ‬أقدامه‭ ‬هى‭ ‬استعارة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬شخصياتك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬ادعاء‭ ‬الشعور‭ ‬بالوصول،‭ ‬أو‭ ‬بمعرفة‭ ‬المكان‭ ‬الذى‭ ‬يقفون‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد؟

‭- ‬نعم‭. ‬ويمكننى‭ ‬القول‭ ‬أنه‭ ‬أيضًا‭ ‬موقف‭ ‬شخصي‭. ‬يبدو‭ ‬لى‭ ‬أنك‭ ‬تقدّم‭ ‬نفسك‭ ‬كشخص‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬التحدث‭ ‬بشكل‭ ‬موثوق‭ ‬منه‭. ‬هذا‭ ‬أيضًا‭ ‬موقف‭ ‬ضعف‭. ‬هذا‭ ‬الوعى‭ ‬الذاتى‭ ‬والرغبة‭ ‬فى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أرضية‭ ‬صلبة،‭ ‬الرغبة‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬أمنية‭ ‬حقيقية،‭ ‬لأنه‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬لديك‭ ‬أرضية‭ ‬صلبة،‭ ‬ستفقد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التساؤل‭.‬

هناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفجوات‭ ‬والصمت‭ ‬والأسرار‭ ‬فى‭ ‬رواياتك‭. ‬قد‭ ‬يُفرض‭ ‬الصمت،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬للشخصيات‭ ‬التحدث،‭ ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬هى‭ ‬فى‭ ‬التحدث،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬كلاهما‭. ‬يخلق‭ ‬هذا‭ ‬صعوبة،‭ ‬حيث‭ ‬يتوجب‭ ‬عليك‭ ‬كتابة‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قوله‭. ‬كيف‭ ‬تكتب‭ ‬عن‭ ‬الطريقة‭ ‬التى‭ ‬يتعيّن‭ ‬على‭ ‬الشخصيات‭ ‬التعامل‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬فجوات‭ ‬المعرفة‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬قول‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬فى‭ ‬السرد؟

‭- ‬حسنًا،‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يمثل‭ ‬تحديًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬لتحقيقه‭ ‬أو‭ ‬التطلع‭ ‬إليه‭. ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬تتردد‭ ‬فى‭ ‬قول‭ ‬أشياء،‭ ‬لأنها‭ ‬مهينة‭ ‬أو‭ ‬مؤذية،‭ ‬أو‭ ‬لأنك‭ ‬ستكشف‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تريد‭. ‬طوال‭ ‬الوقت‭ ‬يوجد‭ ‬هذا‭ ‬التحدي،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬زادت‭ ‬ثقتك،‭ ‬كلما‭ ‬زاد‭ ‬ارتياحك‭ ‬لقول‭ ‬ما‭ ‬تريد‭.‬

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي