بعد إعلان واشنطن التحالف الثلاثى «أوكوس» .. أوروبا تبحر وحدها

الرئيســــان بايدن وماكرون فى قمـــة الناتــــو
الرئيســــان بايدن وماكرون فى قمـــة الناتــــو

دينا‭ ‬توفيق

صدمة‭ ‬هزت‭ ‬قصر‭ ‬الإليزيه،‭ ‬غضب‭ ‬فرنسى‭ ‬ورد‭ ‬فعل‭ ‬يعلن‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬حسابات‭ ‬ومحاولة‭ ‬للتوازن‭ ‬من‭ ‬جديد‭.. ‬اتفاقات‭ ‬خلف‭ ‬الكواليس‭ ‬واستبعاد‭ ‬شركاء‭.. ‬حلفاء‭ ‬أمس‭ ‬وفقدان‭ ‬للثقة‭ ‬اليوم‭.. ‬ضرب‭ ‬وتجاهل‭ ‬للمصالح‭.. ‬استدعاء‭ ‬للسفراء‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭

. ‬تداعيات‭ ‬خطيرة‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬فرنسا‭ ‬وحدها‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬بأكمله،‭ ‬عقب‭ ‬إعلان‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبريطانيا‭ ‬فى‭ ‬منتصف‭ ‬الشهر‭ ‬الماضى‭ ‬عن‭ ‬الشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة‭ ‬مع‭ ‬أستراليا‭ ‬باتفاقية‭ ‬دفاعية‭ "‬أوكوس‭" ‬لبناء‭ ‬غواصات‭ ‬تعمل‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬وانسحبت‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬إثرها‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬كبير‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬لتصنيع‭ ‬غواصات‭ ‬تقليدية‭ ‬تعمل‭ ‬بالديزل‭ ‬والكهرباء‭.‬

 

الخلاف‭ ‬كبير،‭ ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬من‭ ‬قرار‭ ‬باريس‭ ‬سحب‭ ‬سفيرها‭ ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬وكانبيرا،‭ ‬وتصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الفرنسي،‭ ‬جان‭ ‬إيف‭ ‬لودريان،‭ ‬الذى‭ ‬وصف‭ ‬الصفقة‭ ‬بـاطعنة‭ ‬فى‭ ‬الظهرب،‭ ‬وتشكل‭ ‬اسلوكًا‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يعدون‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬حلفاء‭ ‬وشركاء‭. ‬أدت‭ ‬أوكوس‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬مفاجئ‭ ‬لصفقة‭ ‬الغواصات‭ ‬التى‭ ‬وقعتها‭ ‬أستراليا‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬بقيمة‭ ‬65.6‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬ما‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الارتباك‭ ‬بإبعاد‭ ‬فرنسا‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬عن‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندى‭ ‬والهادي‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬هى‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التى‭ ‬تكلف‭ ‬فيها‭ ‬المكائد‭ ‬الأمريكية‭ ‬باريس‭ ‬ثمناً‭ ‬باهظاً‭ ‬بحسب‭ ‬كلام‭ ‬لودريان،‭ ‬ففى‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬اضطرت‭ ‬فرنسا‭ ‬إلى‭ ‬تعويض‭ ‬روسيا‭ ‬عندما‭ ‬أخفقت‭ ‬فى‭ ‬تسليم‭ ‬سفينتين‭ ‬هجوميتين‭ ‬برمائيتين‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬ميسترال‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ضغطت‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬باريس‭ ‬لإلغاء‭ ‬الصفقة‭.‬

والآن‭ ‬هناك‭ ‬محاولات‭ ‬أمريكية‭ ‬أسترالية‭ ‬لامتصاص‭ ‬الغضب‭ ‬الفرنسى‭ ‬ومساعٍ‭ ‬لتهدئة‭ ‬الموقف،‭ ‬حيث‭ ‬أجرى‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكى‭ ‬اجو‭ ‬بايدنب‭ ‬اتصالًا‭ ‬هاتفيًا‭ ‬مع‭ ‬نظيره‭ ‬الفرنسى‭ ‬اإيمانويل‭ ‬ماكرونب،‭ ‬على‭ ‬إثره‭ ‬أعادت‭ ‬باريس‭ ‬سفيرها‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن‭. ‬كما‭ ‬أعلن‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الفرنسى‭ ‬عن‭ ‬لقاء‭ ‬مرتقب‭ ‬مع‭ ‬نظيره‭ ‬الأمريكى‭ ‬اأنتونى‭ ‬بلينكنب‭. ‬فى‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن،‭ ‬تهدف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬تأمين‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندى‭ ‬والهادى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التوافق‭ ‬مع‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬ذات‭ ‬التفكير‭ ‬المتشابه‭ ‬والتجمعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الاتفاقية‭ ‬تمثل‭ ‬خطوة‭ ‬أخرى‭ ‬فى‭ ‬تقليص‭ ‬واشنطن‭ ‬لمشاركتها‭ ‬فى‭ ‬شئون‭ ‬الأمن‭ ‬والدفاع‭ ‬الأوروبية،‭ ‬التى‭ ‬بدأت‭ ‬أثناء‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ادونالد‭ ‬ترامبب‭ ‬مع‭ ‬تركيزها‭ ‬على‭ ‬اأمريكا‭ ‬أولاًب‭ ‬وتقليل‭ ‬الالتزام‭ ‬تجاه‭ ‬الناتو؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬أيضًا‭ ‬ملاحظة‭ ‬بوادر‭ ‬تحول‭ ‬أوسع‭ ‬نحو‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندى‭ ‬والهادى‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬أوروبا‭ ‬خلال‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬اباراك‭ ‬أوباماب،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬أوكوس‭ ‬ما‭ ‬هى‭ ‬إلا‭ ‬استمرار‭ ‬لهذه‭ ‬السياسة‭.‬

وتحاول‭ ‬فرنسا‭ ‬حشد‭ ‬حلفاء‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬وراء‭ ‬مساعيها‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬السيادة‭ ‬الأوروبية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعرضت‭ ‬للإذلال‭ ‬بسبب‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الدفاعية‭. ‬يريد‭ ‬الأوروبيون‭- ‬وخاصة‭ ‬الفرنسيين‭- ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬توضح‭ ‬قرارها‭ ‬بالتحالف‭ ‬مع‭ ‬أستراليا‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬فالاتفاقية‭ ‬تعد‭ ‬شراكة‭ ‬عميقة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬التقنية‭ ‬الرائدة‭ ‬التى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬القرن‭ ‬الحادى‭ ‬والعشرين‭ ‬وتكون‭ ‬بمثابة‭ ‬نموذج‭ ‬لتحالفات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فى‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندى‭ ‬والهادي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬التعاون‭ ‬فى‭ ‬المجالات‭ ‬الناشئة‭ ‬الجديدة‭ ‬مثل‭ ‬الفضاء‭ ‬الإلكترونى‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعى‭ ‬وتقنيات‭ ‬الكم،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬مكانة‭ ‬أستراليا‭ ‬فى‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬لردع‭ ‬توسع‭ ‬الصين؛‭ ‬ولهذا‭ ‬على‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬أن‭ ‬يقرر‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المنطقة‭.‬

فيما‭ ‬ظهر‭ ‬عدم‭ ‬ارتياح‭ ‬القوى‭ ‬الأوروبية‭ ‬بشأن‭ ‬التحالف‭ ‬بعد‭ ‬خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬القوى‭ ‬الأنجلو‭-‬إمبريالية‭. ‬كانت‭ ‬فرنسا‭ ‬وألمانيا‭ ‬تتألم‭ ‬بالفعل‭ ‬بشأن‭ ‬انسحاب‭ ‬الناتو‭ ‬المتسرع‭ ‬من‭ ‬أفغانستان‭ ‬وتضخيم‭ ‬الدعوات‭ ‬لتشكيل‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬أوروبية‭ ‬يمكنها‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬مستقل‭ ‬عن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ويتضح‭ ‬الآن‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬فقط‭ ‬إجراء‭ ‬أى‭ ‬محاولة‭ ‬لإدراج‭ ‬فرنسا‭ ‬فى‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الأمنية،‭ ‬بل‭ ‬تآمر‭ ‬المحور‭ ‬الأنجلو‭ ‬القديم‭ ‬لإبقاء‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسى‭ ‬فى‭ ‬الظلام‭

. ‬ذكرت‭ ‬صحيفة‭ ‬التلجراف‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬اأوكوسب‭ ‬خلال‭ ‬قمة‭ ‬مجموعة‭ ‬السبع‭ ‬G7‭ ‬فى‭ ‬يونيو‭ ‬الماضى‭ ‬فى‭ ‬اكورنوالب‭ ‬البريطانية،‭ ‬لكن‭ ‬ماكرون‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬حاضرًا‭ ‬أيضًا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬خلف‭ ‬ظهره،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬المناقشات‭ ‬السرية‭ ‬بشأنها‭ ‬استمرت‭ ‬فى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لأشهر‭ ‬قبل‭ ‬الإعلان‭ ‬عنها،‭ ‬دون‭ ‬علم‭ ‬باريس‭. ‬

وتعتبر‭ ‬فرنسا‭ ‬قوة‭ ‬فى‭ ‬المحيط‭ ‬الهادي،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬بريطانيا،‭ ‬وأقرب‭ ‬جار‭ ‬شرقى‭ ‬هام‭ ‬لكانبيرا‭ ‬بوجود‭ ‬أرخبيل‭ ‬كاليدونيا‭ ‬الجديد‭ ‬الواقع‭ ‬فى‭ ‬جنوب‭ ‬المحيط‭ ‬وتحت‭ ‬السيادة‭ ‬الفرنسية‭. ‬وأستراليا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الفرنسيين‭ ‬لتأمين‭ ‬اتفاقية‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي؛‭ ‬الاتفاقية‭ ‬التى‭ ‬لديها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬سوق‭ ‬للمصدرين‭ ‬الأستراليين‭ ‬لما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬450‭ ‬مليون‭ ‬شخص،‭ ‬بإجمالى‭ ‬ناتج‭ ‬محلى‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬15‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭

. ‬وفى‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ضغطت‭ ‬فرنسا‭ ‬بشدة‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬للاستثمار‭ ‬فى‭ ‬أستراليا؛‭ ‬حيث‭ ‬اختار‭ ‬ماكرون‭ ‬سيدنى‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬كموقع‭ ‬لإطلاق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الفرنسية‭ ‬لمنطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندى‭ ‬والهادي‭. ‬وقال‭ ‬مسئولون‭ ‬فى‭ ‬بروكسل‭ ‬لشبكة‭ ‬CNN‭ ‬الإخبارية‭ ‬الأمريكية‭ ‬إن‭ ‬توقيت‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬التحالف‭ ‬الدفاعى‭ ‬الجديد‭ ‬كان‭ ‬سيئا،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬الممثل‭ ‬الأعلى‭ ‬للشئون‭ ‬الخارجية‭ ‬والسياسة‭ ‬الأمنية‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬استراتيجيته‭ ‬الخاصة‭ ‬لمنطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬وقت‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬أوكوس،‭ ‬مما‭ ‬أعطى‭ ‬انطباعا‭ ‬بأن‭ ‬الاتحاد‭ ‬لا‭ ‬يؤخذ‭ ‬على‭ ‬محمل‭ ‬الجد‭ ‬باعتباره‭ ‬لاعبا‭ ‬جيوسياسيا‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فهذه‭ ‬أيضًا‭ ‬لحظة‭ ‬مخاطرة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للفرنسيين‭ ‬قبل‭ ‬توليهم‭ ‬رئاسة‭ ‬الاتحاد‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬والتى‭ ‬كانوا‭ ‬يرغبون‭ ‬فى‭ ‬استخدامها‭ ‬لتعزيز‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتى‭ ‬الاستراتيجى‭ ‬الأوروبى‭ ‬وتعزيز‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭. ‬وأعرب‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬الأوروبى‭ ‬اتشارلز‭ ‬ميشيلب‭ ‬عن‭ ‬إحباطه‭ ‬من‭ ‬حليف‭ ‬أوروبا‭ ‬الأمريكى‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الحالية‭ ‬فى‭ ‬نيويورك‭. ‬فيما‭ ‬يجادل‭ ‬البعض‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يمثل‭ ‬نهاية‭ ‬جهود‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتى‭ ‬الاستراتيجى‭ ‬الأوروبي،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تعنى‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وفقًا‭ ‬لرئيسة‭ ‬مكتب‭ ‬المجلس‭ ‬الأوروبى‭ ‬للعلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬تارا‭ ‬فارما‭.‬

وقد‭ ‬دفع‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكى‭ ‬من‭ ‬أفغانستان‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬المطالبة‭ ‬بتنفيذ‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتى‭ ‬الاستراتيجى‭ ‬الأوروبي،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يتشاور‭ ‬الرئيس‭ ‬بايدن‭ ‬مع‭ ‬الحلفاء‭ ‬الأوروبيين‭ ‬بشأن‭ ‬قراره‭ ‬فى‭ ‬أبريل‭ ‬الماضى‭ ‬بسحب‭ ‬القوات‭. ‬والآن‭ ‬مع‭ ‬استراتيجية‭ ‬الهند‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادى‭ ‬التى‭ ‬تم‭ ‬إطلاقها‭ ‬حديثًا،‭ ‬ينظر‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬فى‭ ‬إطلاق‭ ‬االبوابة‭ ‬العالميةب‭ ‬لمواجهة‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬الصينية‭ (‬BRI‭). ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬سبب‭ ‬قول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬فى‭ ‬باريس‭ ‬إن‭ ‬الأحداث‭ ‬الأخيرة‭ ‬ستمهد‭ ‬الطريق‭ ‬الآن‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتى‭ ‬الاستراتيجى‭ ‬الأوروبي‭. ‬

فإن‭ ‬إعلانا‭ ‬عن‭ ‬الاتفاقية‭ ‬مع‭ ‬أستراليا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الإليزيه‭ ‬بأن‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحه‭ ‬فى‭ ‬منطقة‭ ‬الهند‭ ‬والهادي‭.‬

وتختلف‭ ‬استراتيجية‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬فى‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬عن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فى‭ ‬اتجاه‭ ‬رئيسى‭ ‬واحد؛‭ ‬حيث‭ ‬يسعى‭ ‬الاتحاد‭ ‬إلى‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬العملاق‭ ‬الآسيوي،‭ ‬ويعتبره‭ ‬شريكًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬واستراتيجيًا‭. ‬ويعتقد‭ ‬مسئولو‭ ‬بروكسل‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التجارة‭ ‬والعمل‭ ‬معه،‭ ‬لا‭ ‬يمكنهم‭ ‬فقط‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬بكين‭ ‬لإصلاح‭ ‬سياساتهم‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالطاقة،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬لمنح‭ ‬الاتحاد‭ ‬فرصة‭ ‬للعب‭ ‬دور‭ ‬جيوسياسى‭ ‬واضح‭ ‬ومهم‭. ‬وإن‭ ‬حققت‭ ‬أوروبا‭ ‬هذا،‭ ‬فسوف‭ ‬تنظر‭ ‬إليها‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬أكثر‭ ‬محورية‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والدفاعية،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يسفر‭ ‬شراكة‭ ‬جديدة‭ ‬أعمق‭. ‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬ستهدف‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أساس‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭ ‬وأوسع‭ ‬لاستراتيجيتها‭ ‬فى‭ ‬المحيطين‭ ‬مع‭ ‬اكتمال‭ ‬اتفاقية‭ ‬اأوكوسب‭ ‬بقمة‭ ‬اكوادب،‭ ‬التى‭ ‬تجمع‭ ‬أمريكا‭ ‬وأستراليا‭ ‬واليابان‭ ‬والهند‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬قدرة‭ ‬أستراليا‭ ‬على‭ ‬تشغيل‭ ‬هذه‭ ‬الأصول‭ ‬الدفاعية‭ ‬القوية‭ ‬والمكلفة‭ ‬ستخضع‭ ‬دائمًا‭ ‬لحق‭ ‬النقض‭ ‬الأمريكي،‭ ‬مما‭ ‬يعنى‭ ‬أن‭ ‬البرنامج‭ ‬بأكمله‭ ‬سيؤدى‭ ‬حتمًا‭ ‬إلى‭ ‬تكامل‭ ‬تشغيلى‭ ‬أعمق‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬كانبيرا‭ ‬تتنازل‭ ‬عن‭ ‬درجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬سيادتها‭. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬تعد‭ ‬أوكوس‭ ‬رهانًا‭ ‬أستراليًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬والأهم،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬الباحث‭ ‬الأسترالى‭ ‬اهيو‭ ‬وايتب،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التحالف‭ ‬امليء‭ ‬بالمخاطرب،‭ ‬لأنه‭ ‬يغير‭ ‬الطريقة‭ ‬التى‭ ‬تقترب‭ ‬بها‭ ‬أستراليا‭ ‬من‭ ‬المنطقة؛‭ ‬ففى‭ ‬التنافس‭ ‬المتصاعد‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وبكين،‭ ‬تقف‭ ‬كانبيرا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وتراهن‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ستفوز‭ ‬بهذه‭ ‬المنافسة،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬هى‭ ‬أنه‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬10‭ ‬أو‭ ‬20‭ ‬عامًا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬توقع‭ ‬نجاح‭ ‬الأمريكيين‭ ‬فى‭ ‬تحجيم‭ ‬النفوذ‭ ‬الصين‭.‬

وتدعو‭ ‬استراتيجية‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬تعاون‭ ‬الاتحاد‭ ‬مع‭ ‬الشركاء‭ ‬فى‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندى‭ ‬والهادى‭ ‬للاستجابة‭ ‬للديناميكيات‭ ‬الناشئة‭ ‬التى‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬الصعوبة،‭ ‬وفقًا‭ ‬لرئيسة‭ ‬مكتب‭ ‬المجلس‭ ‬الأوروبى‭ ‬للعلاقات‭ ‬الخارجية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أوروبا‭ ‬لديها‭ ‬انهج‭ ‬متناقضب‭ ‬تجاه‭ ‬بكين‭ ‬يأتى‭ ‬من‭ ‬الاختلافات‭ ‬العميقة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الصين‭. ‬ويشجع‭ ‬المجلس‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬الشركاء‭ ‬الرئيسيين‭ ‬فى‭ ‬المنطقة،‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية؛‭ ‬البلدان‭ ‬التى‭ ‬رحبت‭ ‬بأوكوس‭ ‬فور‭ ‬الإعلان‭ ‬عنها؛‭ ‬وكأنها‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭ ‬ترحيبًا‭ ‬بعودة‭ ‬واشنطن‭. ‬لذا‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الأوروبيين‭ ‬مناقشة‭ ‬تنفيذ‭ ‬استراتيجيتهم‭ ‬فى‭ ‬المحيطين‭ ‬مع‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشركاء‭ ‬الإقليميين،‭ ‬لأنهم‭ ‬أكثر‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬وأقرب‭ ‬جغرافيًا‭.‬

ومرة‭ ‬أخرى،‭ ‬يجد‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬نفسه‭ ‬فى‭ ‬خيار؛‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬القادة‭ ‬الفرنسيون‭ ‬غاضبين،‭ ‬لكن‭ ‬باريس‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أيضًا‭ ‬العاصمة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الأكثر‭ ‬طموحًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أجندة‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية‭. ‬لقد‭ ‬دفعت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أجندة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬للمحيطين‭ ‬فى‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬وتعتبر‭ ‬نفسها‭ ‬لاعباً‭ ‬فى‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهى‭ ‬تتفهم‭ ‬المخاوف‭ ‬التى‭ ‬يراها‭ ‬الشركاء‭ ‬الآخرون‭ ‬فى‭ ‬المنطقة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأنشطة‭ ‬الصين،‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭. ‬ولكى‭ ‬تمضى‭ ‬الأمور‭ ‬قدمًا،‭ ‬ينتظر‭ ‬الفرنسيون‭ ‬تفسيرًا‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حول‭ ‬نهجها‭. ‬لكن‭ ‬يبقى‭ ‬الأوروبيون‭ ‬على‭ ‬الاستعداد‭ ‬لمواجهة‭ ‬الصين‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الشراكة‭ ‬عبر‭ ‬الأطلسي؛‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ستصبح‭ ‬أساسًا‭ ‬لنظام‭ ‬عالمى‭ ‬جديد‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬تنحنى‭ ‬للخلف‭ ‬لوجود‭ ‬قدرٍ‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬القواسم‭ ‬المشتركة‭ ‬مع‭ ‬الأوروبيين‭ ‬وللحفاظ‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬الرابطة‭ ‬عبر‭ ‬الأطلسى‭ ‬وتشكيل‭ ‬جبهة‭ ‬موحدة‭ ‬من‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬الصين‭.‬

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي

 

 

ترشيحاتنا