مصطفي عبادة يكتب عن: ثنائية الوجود

مصطفي عبادة يكتب عن : ثنائية الوجود
مصطفي عبادة يكتب عن : ثنائية الوجود

(1)
ثم يبقى أن نموت راضين عن أنفسنا وساخطين على العالم، ساخطين حد الاحتقار والإحساس بالفخ الذى عشناه بإرادتنا وشاركنا فى صنعه، راضين لأننا قاومنا الرثاثة، والفقر قدر ما استطعنا، وقدر ما سمحت به ظروفنا، كبتنا أنفسنا، وكبتنا ما نعرف، ولم تكن كتاباتنا هى الشهادة، وجودنا فى ذاته هو الشهادة، شهادة على فساد الفاسد، وعلى تواطؤ الطاهر وصمته، عرفنا عدونا وحددناه بدقة، جعلناه طوال الوقت هدفا


 للتصويب، كأننى حى، كأننى أنا، كأننى عشت، كل شىء فى حياتنا كأنه، ولأنه كذلك. يحاول محسن عبدالعزيز بناءه وخلقه خلقا جديدا، فيأتى هذا البناء على هيئة رواية مرة، وأخرى على هيئة قصص قصيرة، وثالثة على هيئة أقاصيص أو ومضات وشذور، ومرة يضرب كأنه ينتحر بالاستبداد من الخلافة إلى الرئاسة، ويلتمسه حينا فى دراسة حيوات آخرين من رجال حول الوطن، 
ويلمحه فى مسيرة زعمائه «عبدالناصر والسادات”، وكتابه ومفكريه أو فى أساطير زعمائه ،العالم عند محسن عبدالعزيز ليس مكتملا وليس ثابتا، العالم لدى محسن متشظٍ فهو لا يملك تصورا كاملا عنه ولا رؤية مكتملة والعالم ليس مفهوما، فيركب الأجزاء ويبنى ليفهم، ويكتب ليفهم، إنه يفهم العالم بالكتابة وليس قبلها، 
ولن يكتمل الفهم إلا بوضع نقطة الختام، فنموت راضين عن أنفسنا، وساخطين على هذا العالم..
صورة العالم هذه المرة تجلت لدى محسن عبد العزيز فى مجموعة من القصص القصيرة،جدا، والتى جاءت على هيئة أحلام قصيرة خاطفة، تتذكرها فور الاستيقاظ فتغير يومك، وتبدل حالك لأنك اشتركت برغمك فى الحكاية وصرت جزءا منها، يمسكها الكاتب ويقبض عليها، 
ويرى موقعها من روحه،ويعرف تأثيرها عليك، ثم يقدمها فى ومضة جارحة تباغتك لأنها باغتت الكاتب نفسه قبلك، فالكلب الأحمر مثلا ليس واقعة جرت لطفل وطواها تراب القرى وسنوات الاغتراب إنها جزء من حكاية وجود، انتهى واقعا، ظل ينمو فى القلب والروح ظل يخلق دورة حياة خاصة، إنه وجود آخر يرافق حياتنا، ويظل معنا مشاعر طازجة، وجديدة، مع أن القصة مكررة، وكل شخص لديه ذاكرة، فأنت تحب وتحزن وتأسى وتفترق ويغمرك الشجن، كل هذا جديد حقا فى ذاته، لكن القصة مكررة، فقد فعل ذلك ملايين البشر من قبل، على مدى تاريخ
 البشرية منذ خلق الله لآدم قلبا، وهذا مأزق الحياة وجمالها، فكيف تتعامل معه أنت؟ كيف تترك أثر أصابعك عليه وبعض روحك؟ وهل تركت أثرك فى الحكاية الإنسانية؟ تلك هى المهمة التى حاولت تلك القصص القصيرة القيام بها.

وليس أدل على هذا العالم الافتراضى، الذى شكل وعينا باللحظة وبالحياة، من قصة «الكلب الأحمر»، وبعد أن بدا أن الكارثة واقعة، 
وأن الذئب سيفترس الأغنام، استفاق الكلب فجأة،
 وظل الرعب والخوف كندبة فى القلب، يمكن استحضارها فى لحظات الصمت والتذكر
 «بعد ثلاثين عاما، كبرت وسافرت وغربت وشرقت، عدت لقريتى أمشى فى الشوارع والدروب، باحثا عن وجوه البشر، وما فعل الزمن بالناس والذكريات، لاحظت بجانبى كلبا أحمر يمشى فى كل مكان أذهب إليه، لم أكن رأيته من قبل، فسألت أصحابى: كلب مَنْ هذا؟ ضحكوا وقالوا: بتاعكو وماشى وراك، فى كل مكان يحرسك، لحظتها تذكرت كلبى الأحمر الذى حمانى من الذئب، وتلفت حولى أبحث عن «السماوى» و”الشاويش» ثم مددت يدى أسلم عليه وآخذه فى حضنى كصديق قديم أكثر وفاء»
(2)
« فى الحياة فاجعتان: إحداهما أن تفقد أمنية قلبك، والأخرى أن تظفر بها، وفاجعة محسن فى الحياة هى فاجعة «فقد الأمنية”، وليس الظفر بها، ومنذ الجملة الأولى فى المجموعة: ما أقسى أن تمشى فى جنازة من تحب» تتجاوز المسألة موت الأم إلى فقد كل رغبة فى الحياة،  
فظلت همة البطل فى القصص كلها، 
وستظل معالجة المشاعر المتولدة عن الأمنيات الضائعة والأحلام المفقودة، وظل كأنه يقف على أطراف الحياة يراقبها ولا يندمج فيها، ظل كأنه يحيا، وليس يحيا، وكأن تعنى الشىء نفسه إلا قليلا، حتى اللحظة التى كان ينبغى أن يكون بطلها، تحولت إلى لحظة فرجة، لحظة مراقبة، مراقبة الحدث لا المشاركة فيه، فى قصة «كأننى حى”، هو الذى فقد أمه وليس أحدا آخر لكنه انفصل عن المشهد وصار مراقبا، يراقب أحزانه ومشاعر الآخرين تجاهه، وردود فعلهم على الحدث، سيصبح بعد ذلك ولبقية عمره مصابا بمرض المراقب لا المشارك، ومراقبة الحياة مرض لذيذ، إدمان غير قابل للشفاء: 
«كنت أستند إلى حائط البيت المجاور، حين طلعت أمى من البيت محمولة على النعش، فانخلع قلبى وارتفع صوت النساء بالصراخ والعويل، ولم أعرف ماذا أفعل ولا كيف؟
نراقب الحياة، ولا نشارك فيها، كأننا نملك وجودين، وجودا نراقبه، ووجودا نحياه، حتى إن ختام القصة يكون هكذا:

من قال إننى حى.. هل العمر الذى تسلل للطفل فجعل له شاربا ولحية؟ أم الأولاد الذين يقولون: «أبى، أنا لا أعرف الشىء الذى يجعل الجميع يتكلمون معى بثقة هكذا كأننى حى، حقيقة لا أعرف رغم أننى مت منذ ثلاثين عاما تقريبا».

وتمتد ثنائية الوجود فى عالم محسن عبدالعزيز، حتى فى قصة «عجل الطلوقة»، تسهم فاتنة الرجال فى تكاثر الحيوانات، تسهم فى إنجاح ما بينها من حاجات طبيعية على أكمل وجه، تسهم فى أن تأخذ الطبيعة البيولوجية حقها، 
وتظل هى متفرجة لا رجل يقترن بها كما تقرن هى بين الذكر والأنثى فى الحيوانات، هى العامل المساعد فى نشوء حياة اخرى، لكن لا حياة لها ولا حاجات، يخاف الرجال جمالها: وغضبت فاتنة الرجال من العجل وقالت له: «إيه مالك؟ تعبان ولا إيه. وضربته بكفها على جسده، ثم دارت حوله وهى تنظر له بغضب أنثى  إلى ذكر فاشل، لم تكن منكسرة.. كانت غاضبة جدا”.
وتبقى قصة «ضوء قمر”، القصة الاخيرة فى المجموعة،هى التأكيد النهائى على افتراضية العالم، على مراقبته دون الاشتراك أو التورط 
فيه، فالبطل يلمح ولدا وبنتا يتناجيان، ثم يختفيان وراء صخرة والبحر أمامهما، البطل يراقب حالة الحب ولا يشارك فيها، لا بل هو يشارك افتراضيا عبر الخيالات التى قفزت إلى ذهنه  ولا شىء آخر..
«ولأننى سيىء النية، فقد خمنت الباقى، وحسدتهما على المتعة، وأردت أن أرى، صعدت إلى صخرة أعلى ورحت أنظر، كانت البنت جالسة والولد ينام فى حجرها، ودمع سخين ينزل من عينيهما، والبحر يبتلع الدموع، والموج يزأر، ولا شىء آخر.

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي

 

 

ترشيحاتنا