أحمد الزناتى يكتب : أوراق فلاديمير نابوكوف

أحمد الزناتى يكتب : أوراق فلاديمير نابوكوف
أحمد الزناتى يكتب : أوراق فلاديمير نابوكوف

فى مطلع السنة الماضية صـدر كتاب جديد يضمّ مجموعة مقالات ومراجعات أدبية وحوارات ونصوص للكاتب الروسى الأصل، الأميركى الجنسية فلاديمير نابوكوف بعنوان «Think, Write, Speak )للكتاب طبعات عدة، اعتمدنا على طبعة كندل الصادرة عن Penguin Classics ) وقد عُـنى بجمعها وتحريرها برايان بويد وأنستاسيا تولستوي. ليست هذه المرة الأولى التى تُنشر فيها نصوص مختارة بالمعنى الأعم للكلمة، ففى سنة ١٩٧٣

صدر كتاب Strong Opinions (آراء حاسمة) فى حوالى ٣٣٥ صفحة وضمّ مقالات ومراجعات أدبية وحوارات، أما هذا الكتاب فهو الأكبر حجماً حيث صدر فى ٥٢٧ ورقة حرّرها بريان بويد، أستاذ اللغة الإنجليزية فى جامعة أكولاند وأنستاسيا تولستوي، سليلة أحد الكُتاب المفضلين لدى نابوكوف. عنوان الكتاب مستمدّ من افتتاحية كتاب آراء حاسمة التى تقول: «أفكّرُ» مثل رجل عبقري، و«أكتب» مثل كاتب متفرّد و«أتكلّم» مثل طـفل.
فى المقدمة الثرية التى صدّر بها د. بويد الكتاب يقول: « ليس كتاب «أفكر أكتب أتكلم» لوناً من ألوان السيرة الذاتية وحسب، بل هـو واجهة جديدة لعرض تنوع أعمال نابوكوف.

 المقال الأول من الكتاب ممهور بتوقيع سيرين وهو اسم مستعار، تُرسم فى المقال صورة لـنابوكوف فى سنوات التلمذة الجامعية، والمقال يلقى الضوء على حقيقة وقوع نابوكوف الشاب بين العالم الروسى والعالم الناطق بالإنجليزية، مستحضراً أيام إقامته فى كامبريدج والحنين الذى كان يشعر به إلى الروح الروسية التى افتقدها فى معارفه وأصدقائه الإنجليز.
 
فى مقالته الثانية يتأرجح قلم نابوكوف بين العالمين الروسى والإنجليزي، فبينما كان الشاب نابوكوف متداخلاً بين العالمين قدَّم إلى الجمهور الروسى أشدّ ما أثار حماسته فى الأدب الإنجليزى الحديث، وهو شعر روبرت بروك (شاعر غنائى بريطانى توفى سنة ١٩١٥)، وشدّد على أنه مهتم بهذا الشاعر لأنه احتفى بالحياة اليومية من منظور الحياة الآخرة المتخيلة، وهنا نلاحظ اهتمام نابوكوف بالجوانب الميتافيزيقية فى الأدب. طالما لمستُ هذا الجانب الميتافيزيقي/الروحانى فى شخصية نابوكوف وأدبه، ولاسيما فى أكثر الأحداث مأساوية فى حياته، الحادث الذى خيّم على وجوده خيمة سوداء، أقصد مقتل والده على يد أحد المتطرفين فى مارس ١٩٢٢ فى برلين. قال نابوكوف إنه رأى حُلم مقتل والده قبل فترة وجيزة وقصّ طرفاً من هذا الحُلم فى كتاب صدر من سنوات قليلة بعنوان Insomniac Dreams:، كنت قد ناقشته فى أحد كتبى السابقة.
 
يضيف المحرر أن العنوان يبرز الغطرسة الواضحة فى افتتاحية نابوكوف لكتاب آراء حاسمة، يقصد عبارته الشهيرة: «أعتقد أننى أفكر مثل رجل عبقري، إلخ. وبالتالى فهو يُبرز كذلك ملامح شخصيته الطافحة بالتناقض كما سأشيرُ لاحقاً، التى تبدّت بوضوح فى آرائه الصادمة حول جماليات الكتابة عند دوستويفسكى وتوماس مان وبلزاك، مُعلياً من قيمة تولستوى ومحقراً من شأن دوستويفسكى (مستـثنياً رواية القرين = The Double)، ومن المهم هنا الوقوف عند رؤيته لدوستويفسكي.

رأَى نابوكوف أن دوستويفسكى كتب رواياته تحت وطأة الضغط النفسى وتحت لسعات سوط الناشر للوفاء بالـ”ديدلاين» ولم يكن لديه وقت لإعادة قراءة أو تنقيح ما كتبَه وأنه كان يعمد إلى المبالغة غير الفنية فى إظهار العواطف (ولم يُشر كما فعل أندريه جيد عن الكتابة تحت وطأة نوبات الصرع وإن عابَ عليه الطابع اللا عقلانى المتردد). حلّل نابوكوف شخصيات دوستويفسكى وقال إنها جميعها عصابية، هيستيرية، مخبولة ومدمنة على الجنس أو الكحول أو القمار وهم كذلك (وكأن فِعل إغواء قاصرٍ ومضاجـعتها بعد تنويمها فى لوليتا أو حماقات د. «بنين» لا تلعب على الوتر نفسه) ثم يأتى ويقول إن مبرر قتل راسكولينكوف للمرابية العجوز مشوّش وغير مُقنع. ومتى كان الشر يحتاج إلى مبرر منطقي؟ 

من أسبوعين كنتُ أتصفح كتاب عن الشر لتيرى إيجلتون وقال:» للفن جذوره غير المحببة لأنه فى الجزء المُلوث من القلب.» إبليس ملاك مطرود من الفردوس مرجوم ويائس إلى الأبد، لذلك فهو يخلق وجوده عبر إفناء كل ما حوله.
 
يضيف نابوكوف إلى كلامه هيمنة المشهد الفكري/الأخلاقي، فالرجل يميّز الناس من خلال ردود أفعالهم الأخلاقية والنفسية وهذه ليست طريقة الفنان كما يقول تولستوى الذى يرى شخصيته فى ذهنه طوال الوقت ويعرف بالضبط الإيماءة المحددة التى سيستخدمها البطل الروائى فى هذه اللحظة أو تلك. يقول نابكوف لطالما بدت له رواية الأخوة كارامازوف أشبه بخبط عشواء، نافذة زجاجها مطلوّ باللون الأصفر لجعل الأمر يبدو كما لو كانت هناك شمس ساطعة بالخارج (للمزيد أنصح هنا بمراجعة كتاب نابوكوف:Lectures on Russian Literature, Mariner Books ٢٠٠٢, P.١١٨-١٢٢).

أقول وما الضير؟ دوستويفسكى نفسه اعترف بذلك (فى كتاب لباختين على ما أذكر) إذ قال: «هناك أشياء كثيرة فى روايتى مكتوبة على عجل وتبدو غير موفقة، أنا لا أقف إلى جانب الرواية، لكنى أنتصر فى النهاية لفكرتي”
. الرجل مقتنع تماماً بقيمة أفكاره التى تمتزج بقيمته كإنسان وتذوب فيها ولم يطلب مكافأة ولا مديحاً من أحد.
 
المسألة كلها انتصار للفكرة والكاتب الصنايعى الذى يكتب بالشوكة والسكين أو الذى يحوّل الأدب إلى مرآة اجتماعية أو سياسية لقضايا عصره لا يختلف كثيراً – فى رأيي- عن أغلب كُتاب الدرجة التاسعة فى الاتحاد السوفيتى السابق أو خردواتية الكتابة من أمثال سارتر ودى بوفوار. الأدب رصاصة طائشة فى القلب، قلب دوستويفسكى النازف و”الفن كله مرض واستثناء» على رأى مصطفى ذكري، وإلا بِمَ نفسّر تطرّف أسلوب نيتشه وصراخ لويس ف. سيلين فى موت بالتقسيط أو هذيانات مسرحيات أوجست ستريندبيرج أو قصص روبرت فالزر الأخيرة فى مرحلة الجنون لو لم نفهم من البداية أننا أصلاً فى حضرة عقول وأرواح مضطربة متألمة. ولئن كان دوستويفسكى لم يخلق عالماً مستقلاً من العدم كما فعل جوجول وكافكا على حد كلامكَ ومعكَ حق طبعاً، لكن تكفيني– كقاريء عادي- الطلقات الانفعالية الطائشة غير الموزونة التى كانت تخرج منه فى غمرة الكتابة. يلاحظ أندريه جيد أن مؤلفات دوستويفسكى كلها لا تُولد عن فكرة مسبقة، بل هى ثمرة ملاحظة الواقع وتلقيح الحدث بالفكرة.

 مهما تكن رؤية نابوكوف لا يساوى الأدب كله فى (ذوقى الشخصي) منذ هوميروس إلى اليوم شيئاً مقارنة بآخر مشهد فى كارامازوف، مشهد الصخرة، صخرة الإيمان، ودفن الأولاد صديقَهم الفقير الشجاع أبو حذاء مخروم إيليوشا، فباتوا يهتفون له بعد أن كانوا يقذفونه بالحجارة وباتوا يعدّونه «صخرة خلاصهم» بعد أن كان محط ازدرائهم.
يحكى ج.إم. كوتسى فى مقال قديم أنه كان ينفجر بالبكاء فى كل مرة يعيد فيها قراءة الجزء الثانى من كارامازوف، المشهد الذى يرفضُ فيه إيفان الكونَ الذى خلقه الله، بل إن أهم مشهد فى آخر روايات كوتسى الصادرة من سنة وهو موت الطفل ديفيد (ابن كوتسى المتوفَى شاباً وابن دوستويفسكى المتوفى طفلاً؟) ومعنى ديفيد هو المحبوب فى العبرية والمعنى فى بطن الكاتب، أقول أهم مشهد هو إعادة محاكاة مشهد دفن إيليوشا على يـد أصحابه الجِدعان. «إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماوات» (متى ١٨: ٣).  هناك أشياء كثيرة بين السماء والأرض يا سيد نابوكوف تفوق حُلم جمالياتك، ولا أسوق ذلك كقرينة تعزّز رؤيتى (هى لا تهم أحداً غيري)، بل كتدليل على ذوق وشعور معيّن.
 
من السهل بقليل من الخبرة والوقت أن تتأنّق فنياً، أن تخلق قوالب سردية مشدودة بحُقَن بوتوكس، والروائيون المتأنقون البارعون حائزو نوبل على قفا من يشيل، أن تزهد فى الدنيا وتهجرها وترعى الفقراء والمساكين قبل رحيلك فعلها آلاف قبلك، ولكن من الصعب أن تكون لص اليمين، Ecce Homo ، هذا هو الإنسان.

 

إلا أن آراء نابوكوف الصادمة المتعجرفة لا تسلبه حقّه فى أنه محلل أدبى واعٍ ومتذوق حقيقى للأدب. فى أحد الحوارات سُئل هل التقى صمويل بيكيت فى باريس فأجاب أنه لم يلتق بيكيت، مؤكداً أن الأخير كاتب عظيم وأنه يحب الثلاثية، وعلى الأخص مولوي، مشيراً إلى مشهد غير عادى يزحف فيه البطل عبر غابة موحشة عن طريق دفع نفسه من خلال إمساك عصاه وعكازه، ولا يتوقف مولوى عن دفع نفسه إلى الأمام بمشقة بالغة وألمٍ مكتوم، مواصلاً رحلته وسط أجمة الأشجار الشائكة، مرتدياً ثلاثة معاطف ثقيلة، ولا ينسى أن يتأبط الصحيفة، وهى لقطة عبقرية لا تخرج إلا من تحت يـد واحد بيفهم، لقطة تخفّف عندى من وطأة كلامه عن دوستويفسكي.
 
>>>
فى إحدى المقابلات يقول نابوكوف: «أنا رجل خجول منعزل،أشعر بارتباك بالغ لأنْ تثير كتبى مثل هذا الاهتمام وأن يجرى ورائها هذا العدد من القُراء.» وفى حوار آخر يقول:» أكـنُّ إعجاباً شديداً إلى الأشخاص القادرين على الحديث فى جُمل مرتبة منمقة رشيقة، لكنى أعجز عن ذلك، لا أستطيع الكلام بمثل هذه الطريقة. أنا أرعن عندما أتكلم، لستُ متحدثاً مملاً لكنى متحدث رديء، يختلف كلامى المُرسل غير المُعد مسبقاً عن نثرى المكتوب اختلاف الدودة على الحشرة الكاملة.

وأعتقد أن هذا يفسّر لنا سبب وصف نفسه بالطفل حين يتكلم، وبالعبقرى حين يفكّر، وبالكاتب المتفرد حين يكتب. تذكرنى هذه الجملة بعبارة قيلت على لسان ت.إس. إليوت حينما سُئل عن رأيه فى جيمس جويس فقال: «صحيح أنه رجل مهذب، مهذب إلى أبعد الحدود، لكنه بالغ الصلف والغرور فى أعماقه، لأنه يعرف أنه كاتب حقيقى وهذا هو السبب أنه مهذب إلى هذا الحد. كنت سأصير أكثر سروراً لو كان جويس أقل تهذيباً (المختار من نقد ت.إس. إليوت، ماهر شفيق فريد، ج ٣ - المركز القومى للترجمة).
 
وبينما حافظَ جويس على غروره الدفين طوال حياته، مستبدلاً إياه بغلالة التواضع الزائفة أمام الكُتاب الأقزام من مجايليه، لم يستطع نابوكوف مداراة الأمر طوال الوقت لأنه يتحدث كطفل وفق تعبيره، والطفل لا يستطيع إخفاء مشاعره، ولعل نهاية تصدير الكتاب تؤكد وجهة نظري، أقصد فيما يخص مسألة التناقض عند نابوكوف وربما عند الفنان عموماً فى أعماله.
 
 ففى نهاية تصدير المحرر يقول: «فى النهاية لى تعليق واحد أخير. كنت قد أشرتُ إلى أن ما يقرب من ثلثى الموضوعات المُختارة فى هذا الكتاب (أفكر أكتب أتكلم) هى مقابلات وحوارات صحفية أُجريت مع نابوكوف بعد نشر رواية لوليتا، وكانت لدى نابوكوف وقتها «آراء حاسمة» [يقصد حاسمة الدلالة بالمعنى المباشر للكلمة لا عنوان كتاب المقالات آنف الذكر]، وكانت فى الأغلب متسقة متماسكة على مدار ستين سنة أو أكثر، إلا أن نابوكوف كان يناقض نفسَه من حين إلى آخر فى حواراته. وكان من دواعى سرورى فى أثناء تحرير هذا الكتاب أن أكتشفَ مدى دقة وروعة تناقض نابوكوف مع نفسه فيما يتعلق بثيمة روايته الأشهر [لوليتا]. أيها القاريء: فلتستمتع باكتشاف هذه التناقضات ولتسعَ إلى فهمها بنفسك، فلتسمتع بالكثير والكثير. 
وطالما أننى فى معرض اختيار فقرات معينة ربما تهمّ القاريء المهتم بالكتابة الإبداعية فقد انتقيت السطور التالية التى توجز رؤية نابوكوف إلى الفن والأدب:
رواياتى كلها اختراعات خالصة وبسيطة. لا أعير أدنى اهتمام إلى شخوصى الروائية، إنها مجرد لعبة، تُعاد لتوضع داخل صندوقها حالما أنتهى من اللعب.
لكى تكون قارئاً حقيقياً عليك أن تعيد قراءة الكتاب الذى بين يديك. ففى القراءة الأولى يكون الكتاب جديداً بل غريباً عليك كـل الغرابة، المحكّ عندى هو القراءة الثانية للكتاب.
وأنا أدرّس إلى طلابى أنصحهم دوماً بعدم التماهى مع الشخوص الروائية، فأوصيهم بأن يقفوا بمعزل عن الآخرين حتى يشعروا بالميزة الجوهرية للفنان. وإن اقتضت الضرورة التماهى فعليهم أن يتماهوا مع الفن لا مع الشخوص الروائية. 
لم أكن يوماً مهتماً بالنجاح التجاري، بعبارة أخرى: لم أسعَ مطلقًا إلى الترويج لكتبي. لم أكتب كلمةً إلا لقاريء واحدة فقطـ اسمه: فلاديمير نابوكوف.
>>>
سبق وأن تُرجِــمـــت عديد من حوارات نابوكوف على يد مترجمين مصريين وعرب، بينما لم تُترجم من مقالاته شيئاً فيما أعلم، لذلك أود أن أختم بترجمة فقرة من مقالة مهمة بعنوان الأسلوب، وهى جزء من محاضرة ألقاها نابوكوف فى جامعة ستانفورد سنة ١٩٤١، أظن أنها شائقة للمهتمّين بالأدب وبالكتابة الإبداعية، والحقيقة أننى رأيت قيمتها فى ربط نابوكوف الذكى بين امتلاك ناصية الأسلوب الأدبى وبين رؤية العالَم أو Die Weltanschauung كما يسمّيها الفلاسفة الألمان.
يقول نابوكوف:
لا يمكن للكاتب أن يُــكـــوَّن أسلوباً شخصياً فى الكتابة من دون امتلاك صورة ذهنية شخصية للعالم. إن قدرتك على رؤية أو استشعار علاقة معينة تربط بين تفاصيل الحياة المتنافرة، بينما تمرّ العلاقة نفسها على الآخرين مرور الكرام، سينعكس بالطبع على انتقائكَ الشخصى للكلمات. وكلما كانت قوّتك على الاكتشاف أعمق شعرتَ بـأن العالم من حولك أكثر جِــدّة وطزاجة، وكلما كنت أكثر اقترباً من روح «حواء» وابتعاداً عن روح «الأفعى»، زاد نفورك من التقيّد بربط كل شيء بالمنفعة أو العادة، حينذاك يغدو نثرك أشد فردية وخصوصية. فالعالمَ سابق التجهيز من شأنه أن يفضى بكَ حتماً إلى استخدام كلمات جاهزة، بل والأسوأ من ذلك من شأنه أن يسفر عن طغيان النبرة السردية الجاهزة، لأنه فى بعض السياقات (الظروف) تتوهّج أشد الألفاظ ابتذالاً وأكثرها تفاهة بحياة جديدة، أو ربما تتوهّج بالحياة التى كانت تمتلكها فيما مضى.
ولما كانت العملية الأولى للتطور الفنى فى ذهن الكاتب تستلزم أولاً تفكيك العالم الراهن تفكيكاً كاملاً ثم إعادة تركيبه من جديد عـبر ربط أجزائه غير المتصلة، وبما أن هذه العملية تتوافق تماماً مع عملية التى ينطوى عليها التكوين الأدبى الفعلي، فإنى أرى طريقة رؤية العالم وطريقة الكتابة وجهيْن لعملة واحدة. 
بعبارة أخرى: تتكون العملية الإبداعية من مرحلتين: مرحلّة تحليل الأشياء أو تفكيكها، ثم تأتى مرحلة التأليف بينها فى علاقة متناغمة جديدة. تستلزم المرحلة الأولى مسبقاً قدرة الفنان على جعل أى شيء [موضوع] ينحرف عن مساره التقليدي،كالنظر مثلاً إلى صندوق بريد من دون أن تخطر ببالك فكرة إرسال خطاب أو النظر إلى وجه شخص تعرفه حق المعرفة نظرةً مفعمة بروح جديدة كلياً منبتة الصلة عن معرفتك السابقة به.
يمتلك الأطفال شيئًا من هذه المقدرة، على الأقل الطفل الحالم، الطفل الذى ينغمس بكل كيانه فى لعبة شائقة تتمثل فى التلاعب بكلمة عادية مثل كلمة «كرسي» ويظلّ يلاطفها حتى تفقد الكلمة تدريجياً كل اتصال مع المدلول الذى تشير إليه، وحتى «يتقشر» معناها ولا يبقى فى الذهن إلا لـبُّ الكلمة، يتبقى شيء أكثر رشاقة وحيوية من أى كرسي. 

سيتذكر عديد ممن يتحلّون بموهبة الانتباه الحاد تجاربَ «تفكّكك المعنى» المماثلة التى تحدث فى حالة ما قبل النوم أو عندما يحلمون بالفعل. يعرف جميعنا تلك العبارات المذهلة التى نصوغها فى أثناء نومنا ولكننا نتبيّن أنها مجرد هراء فور استيقاظنا، تماماً كما تتحول الجواهر الشفافة اللامعة فى قاع البِرَك إلى حُصِىّ عادية بعد التقاطها.

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي