حكاية ولد كان جدع!! 

الكاتب الصحفي ممدوح الصغير
الكاتب الصحفي ممدوح الصغير

فجأة استرجع ذكرياته، يوم أن قدم للعاصمة منذ ثلاثة عقودٍ، وصلها حالمًا بغدٍ أفضل، طموحاته كبيرة بأن يكون واحدًا من سكَّانها المميزين.. هو فى قريته واحدٌ من الذين يشهد الناس له بالخُلق، ترك بلاده  الجنوبية الشهيرة بدماثة خُلق أهلها، كانت ثروتهم الحقيقية كلمة الشرف، أخرجت نماذج لها أيادٍ بيضاء على البشرية؛ منهم الطبيب، والمهندس والقاضى، والمدرس،   وصلوا لأعلى قمم المناصب، لكنهم مع كل صعودٍ، نفوسهم تُلاصق التواضع، تسعى لحُب الناس. 


 وطأت قدماه العاصمة محمَّلاً بالقيم والمبادئ، ثروته الحقيقية فى مدينة الملايين عالمه الجديد، يعرف أنه وصل للعاصمة وليس معه سوى دعاء والديه ومبلغٌ زهيدٌ من المال، استقر فى حىٍّ شعبىٍّ  يعيش فيه معظم أبناء قريته، لم يشعر بالغربة، عندما خرج لمجتمع العاصمة، سلوكياته  صاحبت الرُقى، يحترم المرأة، يحنو على من هو أصغر منه، يُقدِّر الكبير، ويُوقِّر الصغير، جزءٌ من سلوكياته القيم التى عاش عليها، تظهر فى وسائل المواصلات، يترك مقعده   لأى امرأةٍ يراها واقفةً، يرى ذلك أمرًا لا يجوز، فعلها كثيرًا، وكان يرى نظرات الدهشة فى عيون مَنْ حوله، بعضهم وصفه بأن أخلاقه ريفية، يتفاخر بذلك، لأنه شىءٌ فطرىٌّ ببلدته، وكان يزهو أنه عاش فى بيئةٍ تُفرز الرجال. 


 بدأت رحلته تتعثِّر فى النجاح، ثم ثبت على الذى تحقَّق، خلال مشواره رأى رموزًا حوله تسقط فى اختبارات الدنيا؛ لتحقيق مكاسب وهمية زائفة، كان بمقدوره أن يُحاكيهم، لكنه أصرَّ على ثبات موقفه، وربح التحدى، وكسب نفسه، فصُنِّف أنه صاحب مبدأ.
 انطلقت عجلة الزمن، تخطى عمره فى العاصمة ربع قرنٍ، كانت أيامًا طويلة بها هزائم ونجاحات وتحدٍ، شاهد مَنْ حوله يسقطون فى اختبار الدنيا،   وتحقَّقت مقولة الإمام الراحل الشافعى فى بيت شعره؛ القائل:


 من كان يملك الذهب إليه الناس قد ذهبوا.. ومَنْ كان يملك الفضة.. عنه الناس انفضوا


خلال وجوده بالعاصمة شاهد مَنْ حوله يتفاخرون بالتردُّد على أصحاب المناصب، ينتظرون كثيرًا حتى يُؤذن لهم بالدخول، لكنهم تبدَّلت أحوالهم بعد أن ترك رموزهم مواقعهم، تساءل فى نفسه عما حدث فى أخلاقيات المجتمع المُحيط به، حيث صارت مواقف هؤلاء مرتبطةً بالمصلحة التى تتحقَّق لهم، هو على نقيضهم، يسأل على المريض؛ لأنه يرى ذلك واجبًا، يتواجد فى المواقف التى تُظهر معادن الرجال، لا ينتظر كلمة شكر، فالواجب لديه لا يستحق الثناء.
 صار كل شىءٍ حوله زائفًا،   البعض يُريد الربح دون النظر إلى التنازلات التى يُقدِّمها، كل شىءٍ بثمن، حتى تسجيل الإعجاب على مواقع التواصل الاجتماعى صار مرتبطًا بالمصلحة، هو زمنٌ ندرت فيه الأخلاق، اختفى فيه البشر الحقيقيون، وطفا على السطح آخرون لا يعترفون بالقيم والمبادئ.


الأيام تتشابه مع بعضها، لم يعد يتذوَّق طعمًا لها، الأحد مثل الخميس، هى أيامٌ تُخصم من رصيد حياته فقط.. عاد مبكرًا لمنزله على غير العادة، وقته فى البيت يُهدر أمام شاشات الفضائيات، يُتابع برامج الساحرة المستديرة التى تبدَّلت أجوالها أيضًا وصارت برامج للفتنة الكروية، ومع ذلك يُتابعها، بعد أن ترك متابعة برامج التوك شو؛ لتلوُّن مَنْ يُقدِّمها.


خفض إضاءة الغرفة الجالس بها، وضع كوب الشاى الخالى من السكر، أشعل سيجارته، ودون أن يدرى وجد نفسه يسترجع شريط ذكرياته،  عَرف بشرًا ربَّما لن يراهم إلا فى الآخرة، عاش والشهامة صاحبه الأول، سقط العشرات من حوله، وظل هو ثابتًا صامدًا أمام  الريح، لم يسقط فى اختبار الدنيا، يعرف أن أخلاقه التى جاء بها للعاصمة لا تقل أهميةً عن فاكسين النجاة من فيروس كورونا المميت، حمته من السقوط فى اختبارات الحياة، هو عكس مَنْ حوله، صاحب موقفٍ، فى حين هناك مَنْ حوَّلوا حياتهم لتُحرِّكها المصالح.. بعد أن فاق من ذكرياته، عزم على تكملة حياته على  نفس نهجها، سوف تستمر رحلة الولد الجدع الذى قارب أن يكون شيخًا كبيرًا؛ بعد أن غزا الشيب شعره الأسود.

 

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي