حكايات| أسطورة شجرة اللبان.. فتاة الجن الباكية

صورة شجرة اللبان
صورة شجرة اللبان

شجرة اللبان.. هل تظن أنها مجرد شجرة عادية؟! من مظهرها يبدو كذلك حتى اسمها قد يؤيد ذلك ولكنها كنز طبيعي حظي بشهرة تاريخية فهي بمثابة جسر التواصل بين حضارات العالم القديم قبل أكثر من 7 آلاف سنة.

تبحث في التاريخ القديم تجد أن كل الحضارات ارتبطت بها واستخدمتها في طقوسها الدينية أو حركت قوافل عظيمة للتجارة فيها أو ارتبط طب هذه الحضارة بها ولتفردها واستكمالا لاستثنائيتها عليك أن تعرف أسطورتها.. أسطورة فتاة الجن الباكية.

تقول الأسطورة إن فتاة من الجن أغرمت بفتى من عالم الإنس ولأن هذا النوع من الحب يعد خرقا لقوانين قبيلة الجن قرروا معاقبة الفتاة بتحويلها إلى شيء ما وبعدما بكت فتاة الجن طويلا دفاعا عن حبها قررت في النهاية أن تكون شجرة وبعد مرور آلاف السنين عرف الناس تلك الشجرة الصامتة والمجروحة والباكية على أنها شجرة اللبان والتي استمرت في بكائها عشقا كل هذه السنوات لتكون دموعها على شكل مادة صمغية تتحول إلى حبيبات بلورية تفوح برائحة المسك وطعم مر نابع من جرحها وحبها الذي لم يكتمل.

 


قصة حب هذه الفتاة وشجاعتها تجسدت في الكثير من الحالات بدايتها في تلك الشجرة التي تتبع جنس اللبان من الفصيلة البخورية وهي أشجار صغيرة الحجم يصل ارتفاعها من 2 إلى 8 متر وتتكون من أوراق مركبة وزهورها صغيرة بيضاء تشوبها لون أصفر وتتجمع في عناقيد وتنتشر في منطقة ظفار في سلطنة عمان وفي اليمن وشمال الصومال وخاصة في الأماكن الصحراوية المنعزلة رغبة من الفتاة ببقائها في وحدتها التي كتبت عليها. 

واستكملت فتاة الجن بطولتها في دموعها البلورية والمتجسدة في ثمرة اللبان تلك المادة الصمغية التي تتكون في الأغصان ويتم استخراجها في بدايات شهر إبريل من كل عام وهي كما تقول الأسطورة بداية عشقها المستحيل فعندما ترتفع درجة الحرارة يتم جمع ثمار اللبان والذي يبلغ طول الثمرة منها 1 سم عن طريق تجريح قشرة الشجرة الخارجية من أماكن متفرقة ليخرج منها المادة الصمغية التي تترك لمدة أسبوعين حتى تتجمد وتتحول إلى حبيبات بلورية متعددة الأنواع فمنها اللبان الكندر والحشري والدكر.

وإذا اعتقدت أن أسطورة الفتاة تتوقف عند هذا الحد فأنت مخطئ فلبركاتها الكثير من الحكايات التي امتدت مع الزمن لتصبح من ذوات السلالات البعيدة وتتحول دموعها إلى البخور المقدس الذي يتم استخدامه في الطقوس الدينية في الحضارات القديمة لتقديس الإلهة وتقديم القرابين وتحقيق الرضا كما استخدمه المصريين القدماء قبل 4 آلاف عام في التحنيط لاعتقادهم أن ذلك يجعل الآلهة تغفر للميت وتهون على روحه.

حتى أن ميناء سمهرم الواقع في ظفار بسلطنة عمان والمشهور عبر تاريخه بتصديره للبان منذ القرن الأول الميلادي إلى أرض الحضارات الأولى في اليمن ومصر كان يتم وضع البضائع المتأخرة فيه دون حراسة للاعتقاد بأن ثمة قوة إلاهية تحمي هذه البضائع لوجود تلك الحبيبات المقدسة من اللبان ويذهب إيمان الأولين بها بعيدًا ليعتقدوا أن السفن المبحرة باللبان لن تغرق فلم تنطلق السفن إلا بشحن ولو كمية صغيرة من ذلك اللبان المقدس.

ومن مصر وخاصة في عهد الملكة حتشبسوت والتي اشتهرت بإرسال القوافل التجارية البحرية لبلاد بونت والتي رجح المؤرخون أنها الآن أرض الصومال أو اليمن أو عمان لإحضار البخور والمر اشتهرت تجارة اللبان ووصلت إلى روما ليتحول اسمه من اللبان باللغة العربية إلى «ليباني» في اللغة اللاتينية وإلى «ليبانوس» أو «ليبانوتوس» في اللغة اليونانية ومنها إلى الصين والهند لتظهر بركتها في شفاء الناس.

فعلى الرغم من أن دموعها البلورية كانت تستخدم كبخور مقدس في حضارات الشرق القديم مع استخدام طبي طفيف من خلال استعانة أطباء الفراعنة بها في علاجاتهم المتعددة لإخفاء السعال وتوقف الهزال ومعالجة الخشونة وأوجاع الصدر وضعف الكلى كما استخدمتها الكنيسة الكاثوليكية كشراب يمنح الشفاء والعافية للأطفال المولودين والكبار المرضى لما قيل عن مادة اللبان الشافية كونها تجعل العظام متماسكة الأعضاء بعد الدعاء للمرضى.

اقرأ ايضاحكايات| وكالة الجداوي التاريخية.. رحلة الشتاء والصيف للبضائع الإفريقية في مصر

إلا أن مع دخولها الصين والهند تم الاعتماد عليها طبيا بشكل أكبر من خلال استخدامها في الصناعات التجميلية كالعطور لكونها مادة معطرة ومطهرة وكذلك استخدامها كمهدئ للأعصاب والشعور بالاسترخاء كما تعمل على إدرار البول مما يجعلها تخلص الجسم من الماء الزائد عن حاجته والمحتبس بداخله ويساعد اللبان على تنظيم حركة كل من الأمعاء الغليظة والدقيقة وتسكين ألام المعدة كما يستخدم منقوع اللبان في تطهير الجروح الداخلية والخارجية ويساهم بفاعلية في تقوية اللثة والأسنان ومنع التسوس ويقضي على رائحة الفم الكريهة من خلال تخلصه من البكتريا ويعد اللبان أيضا عنصر فعال في التخلص من السعال الجاف أو المصحوب ببلغم كما يساعد في التخلص من أزمات مرض الربو ويزيل احتقان الأنف ويخلص من أعراض الإنفلونزا.

ولأن قصة شجرة اللبان بدأت بحكاية حب غمرت العالم بشجاعتها وتضحياتها وببركتها المستمرة حتى الآن فكان من الطبيعي أن تستخدم في قصص حب مختلفة وخاصة في عام 62 ميلاديا عندما أحرق الإمبراطور الروماني نيرون حصاد اللبان لعام كامل في جنازة سيدة كان يحبها ليبقى الحب أساس أسطورة شجرة اللبان.

 

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي