الويل لك يا «سيلياس»

أحمد رجب
أحمد رجب

إذا نحن تجاوزنا عاداتنا فى الحفلات الغنائية، وإذا تجاوزنا ما يحدث فى دور السينما فإننا نصل إلى المسرح لنجد فى السنوات الأخيرة مسرحيات عديدة لمخرجين مجددين كسروا أسلوب الإخراج التقليدى.. !

وذلك بأن نرى مثلا ممثلاً يدخل من باب الصالة وسط الجمهور ثم يصعد إلى خشبة المسرح فى زفة جماهيرية بهيجة.. وكذلك نرى مجموعة من الممثلين يجلسون فى مقاعد المتفرجين وينهضون من وقت لآخر للمشاركة فى تمثيل المسرحية.

ولقد شاهدت مرة مسرحية من « التراث الإغريقى» أنفقوا عليها ألوف الجنيهات وبينما كنت أتابع الفصل الأول نهضت مجموعة من الناس يجلسون حولى وخلفى وأمامى وراحوا يقومون بمهمة الكورس اليونانى، ولاحظ أحدهم من خلفى انى لم أنهض فشدنى من ظهرى يستحثنى على الوقوف وحرصاً منى على هذا العمل الفنى الكبير استجبت فوراً وانا انشد معهم قائلاً:

- « لماذا يسرق سيلياس طعام الآلهة ؟

وأكررها للمرة الثانية: « لماذا يسرق سيلياس طعام الآلهة؟ ، وأكررها للمرة الثالثة بعصبية وغضب أشد: «لماذا يسرق سيلياس طعام الالهة؟».

وأختم معهم بنبرة تهديد ووعيد وحلفان على طريقة زعيم عصابات « آل كابوني»: «الويل لك يا سيلياس عندما يصحو فيليبيدس!».

والحق أننى وجدت راحة عظيمة فى هذا الزعيق لدرجة أنى اندمجت فيه لاكتشف أننى أصبحت اصيح وحدى بينما الباقون قد جلسوا فشدنى أحدهم لأجلس ممتثلاً فى صمت!
ثم نهضت معهم بعد ذلك عدة مرات متوعداً « سيلياس « بالويل والثبور عندما يصحو «فيليبيدس»!

وما إن انتهى الفصل الأول حتى انتقلت الى الناحية الاخرى من الصالة.. وإذا بآخرين ينهضون من حولى يرددون إنشادات كورسية تهدد «فيليبيدس» هذه المرة بسيلياس عندما يعود وقد تغذى بطعام الآلهة، فنهضت أنشد معهم مادامت هذه هى رغبة المخرج فى اشراك جمهور المتفرجين فى التمثيل، ثم فجأة نهضت مجموعة كورس ثالثة فى آخر الصالة تهدد « سيلياس» و» فيليبيدس » معاً.

وتبين لى بعد الفصل الثالث أن جميع الجالسين فى الصالة هم « كورس » وأنا المتفرج المغفل الوحيد! لكنني - والحق يقال - أعجبت حقاً بفكرة مشاركة الجمهور فى تمثيل المسرحيات وفكرة جلوس الممثلين بين صفوف المتفرجين، فهذا ممثل مثلا يتجول فى الصالة اثناء التمثيل قائلا: « بيبس.. بيبس»!

وهذا صوت وأوأة طفل رضيع، لا تملك معها إلا الانبهار وبمخرج المسرحية الذى استطاع أن يدرب الطفل على « الوأوأة» فى الوقت المناسب بينما أمه تقول: « ننه نام ننه نام .. ننا هووه»، وهذا صوت طفل ثان، ثم ولد يبكى لأن أخاه شرب البيبسى كله، ولقد اكتشفت وأنا جالس أن المخرج قد أسند إلىَّ دوراً كواحد من الجمهور، فقد امتلأت أذناى بإىقاعات رتيبة خلفى ومع كل ايقاعة تستقر قشرة لب فى قفاى !! وحرصاً منى على عدم إفساد سياق أحداث المسرحية تركت الممثلين الجالسين خلفى وسط الجمهور يستمرون فى قزقزة اللب والصاق القشر فى قفاى!

ثم قررت اعتزال التمثيل ومقاطعة أى مسرح بعد أن اكتشفت أن كل مخرج يسند إلىَّ دور الذى يقزقزون اللب فى قفاه.

من كتاب «كلام فارغ»

 

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي