أسرار بليغ رحلت مع « عندليب الصحافة »

بليغ حمدى
بليغ حمدى

عندما جاء الشاب محمود عوض من طلخا بمحافظة الدقهلية ليقيم بالقاهرة بحث أول ما بحث عن سكن فى حى شبرا الذى كان أقرب لمنطقة وسط البلد، وتشاء المصادفة الغريبة أن يسكن كما يقول شقيقه «طه» فى البيت الذى كانت تسكن به أسرة بليغ حمدى، ومن هنا ارتبط «عندليب الصحافة» محمود عوض بعندليب الأنغام والألحان بليغ حمدى منذ وقت مبكر جدا.

محمود عوض أفضل من يكتب ويتكلم عن بليغ، ولذا فهو يقول فى مقال نشره بجريدة «الوفد» عام 2008 ان بليغ اتصل قبيل سفره وقال له: «هل تريد شيئًا من باريس ؟»، فقال له محمود: « لا يا بليغ أشكرك ولكن لماذا السفر وما وجه الاستعجال؟»، فقال: «ليس هناك استعجال، فقط هى الشقة الصغيرة فى باريس من أيام الغربة الاضطرارية وأريد بيعها لأننى لن أغادر القاهرة بعد ذلك»، ويقول محمود عوض: «اتفقت مع بليغ على أن يمر على فى منزلى السابعة مساء اليوم التالى وقلت له: «ياريت يا بليغ تجيب معاك الملف الطبى عن حالتك الصحية .. ولم يسألنى بليغ عن السبب وما الذى أفهمه أنا طبيا حتى اتصل به واهتم بتقارير طبية هنا وهناك، وفى الموعد المحدد جاء بليغ وخلال لحظات عرفته على صديق عزيز آخر سبقه بالحضور، هو الدكتور علاء الزيات أحد أبرز وأكبر أساتذة الأمراض الباطنية والقلب فى مصر.. ولم يكن مألوفا أن يترك طبيب بحجم علاء الزيات مستشفاه ومرضاه لكى يأتينى على هذا النحو المتعجل، لكننى كنت قد شرحت له الفكرة بالضبط فتجاوب معى فى التو واللحظة، كرما منه وتقديرا لمكانتى كصديق شخصى.. وراح علاء الزيات ابن أحمد حسن الزيات صاحب مجلة «الرسالة» يقرأ الملف الطبى الذى جاء به بليغ كانت تساؤلاته تسبق الأوراق، نعم، بليغ حدث له كذا وكذا، لقد عانى من كذا وكذا، بعدها انتحى الدكتور الزيات ببليغ جانبا وطلب منه الاستلقاء ليكشف عليه وكتب له الأدوية اللازمة»، وفى مقال آخر بعنوان «بليغ حمدى والرحيل فى منتصف جملة موسيقية «بكتابه» اتوقف أمام عبارات قالها محمود عوض لما تحمله من عمق وصدق، فمثلا نراه يقول: «بليغ كان يسعى إلى الصوت الموهوب الجديد.. بليغ لم يكن شيئاً إلا إذا تحمس، إنه يتحمس لصوت، لفكرة، لنغمة، لجملة موسيقية، فيها المتعة أحياناً، والشوق أحياناً، والألم أحياناً، وحبه لمصر دائماً».

ويقول: «فى أعقاب كارثة يونيو 1967 خرج بليغ بموسيقاه وصوت شادية يعبئ المشاعر ويشحذ الهمم بأغنية « يا حبيبتى يا مصر»، وفى حرب 6 أكتوبر 1973، يسجل «باسم الله»، و»على الربابة « بلا أجر، ويكشف محمود عوض اجواء الخلاف بين بليغ وعبدالحليم حول تقديم أغنية عن أنور السادات بمناسبة الحرب، ورد بليغ : «يا حليم أنا تحت أمرك، قل له هانغنى لمصر، للجيش، للشارع، للناس، لن نغنى لحاكم مهما علا شأنه، نحن جميعاً تحملنا التضحيات من أجل هذه الحرب، وشهداؤها خيط واحد متصل منذ معركة «رأس العش» وإغراق المدمرة إيلات.. يا حليم افهمنى»، لم تكن مصر قطعة من بليغ، وإنما هى كل كيانه، يعطى دون مقابل، ومع ذلك نسيته مصر الرسمية حين منحت ألقاباً وجوائز وتكريمات لكل من يستحق ولا يستحق تحت عباءة ذكرى حرب أكتوبر، وكتب محمود عوض فى 16 أكتوبر 1976 عن هذا التجاهل ! ويقول محمود عوض بعد القضية التى شوهت سمعت بليغ : « دارت عجلة الإثارة الصحفية بكل قوتها لكى تدين بليغ حمدى من قبل أى محاكمة، بحيث أنه فى اللحظة التى تجرى فيها المحاكمة القضائية، سيكون بليغ قد جرى اغتياله معنوياً بالكامل.. بدأ يتحول إلى كاريكاتير، ينكمش نفسياً يوماً بعد يوم داخل ذاته، مرتاعاً من حجم التشفى الغامض.. أصبح الجميع بعد القضية، يستحلون لأنفسهم أن يصبحوا قضاة، الناس كانوا حلم بليغ والآن أصبحوا قضاته، تولدت المأساة التى دفعته إلى السفر لفرنسا وبقائه فيها 5 سنوات، وفى باريس أصبحت وطأة الغربة مرضه المستجد بقسوة، ولما عاد بعد أن أنصفه القضاء بالبراءة، أصبح شيخا أو ظلاً، أو خيالاً من ماض متوهج وحاضر لم يكتمل !».
محمود عوض

من كتاب «الدنيا التى كانت»

 

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي