التعنت الإثيوبى بلا مبرر

رئيس جامعة الفيوم السابق: سياستنا جعل النيل مصدرًا للتآخي

د. أحمد جابر شديد رئيس جامعة الفيوم السابق
د. أحمد جابر شديد رئيس جامعة الفيوم السابق

- تحلية مياه البحر توجه رئاسي ومحطة السخنة الأكبر عالميًا 

- «النوبي» أكبر خزان جوفي.. ودور اقتصادي كبير لجيولوجيا المياه الفترة المقبلة
 

لم تعد المياه تمثل أمرًا ثانويًا بالنسبة لدول العالم مقارنة بالغاز والبترول والمعادن النفيسة كما كانت من قبل، بل أصبحت أغلى ما يُمكن أن يسعى الإنسان إلى المحافظة عليه واستثماره فى مجالات متعددة؛ ولقد حبا الله مصر بنهر النيل، شريان الحياة التى أصبحت هبته، وارتبطت به فى كتب التاريخ والكتب الدينية على السواء؛ كما وهبها عددا كبيرا من خزانات المياه الجوفية التى تعتمد عليها فى زراعة الأراضى البعيدة عن مجرى النهر؛ إضافات إلى العقول المصرية التى تسعى فى إنشاء عدد ضخم من محطات تحلية مياه البحر فى إطار الأفكار البناءة للجمهورية الجديدة التى يقودها الرئيس..

كانت تلك الأفكار المائية تشغلنى أثناء ذهابى للقاء أحد أساتذة جيولوجيا المياه المرموقين فى مصر، والذى حصل مؤخرا على تكريم دولى باعتباره أحد أبرز الباحثين بالعالم..

إنه د. أحمد جابر شديد، أستاذ جيولوجيا المياه بكلية العلوم جامعة الفيوم ورئيس الجامعة السابق..

وكان هذا الحوار عن مستقبل المياه فى مصر:   

فى كل خطابات الرئيس السيسى يطمئن الشعب المصرى أنه لا قلق من موضوع سد النهضة الإثيوبى.. ما رأيك؟


بالتأكيد أنا مع هذا التوجه تماما، وأنه لا قلق، إذ إن هذا الملف واضح تماما أمام القيادة السياسية بكل أبعاده رغم التعنت الإثيوبى غير المبرر، ورغم كل ما قدمته دولتا المصب: مصر والسودان من اقتراحات تجعل من نهر النيل مصدر تآخٍ وتنمية لكافة دول الحوض، بدلا من اعتباره مصدر صراعات بين هذه الدول، خاصة أن مصر قدمت الكثير لإفريقيا، ورغم  ثبات حصة مصر من المياه منذ عشرات السنين فى ظل تزايد الاحتياجات المائية المستمرة والناتجة عن زيادة السكان، وأن نصيب الفرد قد يقل عن 600 متر مع ارتفاع عدد السكان، خاصة أن موارد المياه فى مصر تعتمد بشكل رئيسى على حصتها فى مياه نهر النيل، الأمر الذى يتطلب سرعة البحث عن بدائل للنقص المتوقع فى كميات المياه المتدفقة إلى مصر.


سياسة صادقة


إذن.. ما رؤيتك حول مستقبل هذه القضية المهمة.. وهل ستتمكن الدبلوماسية المصرية من حلها أم ستكون هناك سيناريوهات أخرى؟


أكد الرئيس السيسى أكثر من مرة أن مصر لديها سياسة صادقة للتوصل لاتفاق حول سد النهضة وبما يحقق مصالح الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا، إلا أن إثيوبيا ترفض حتى الوساطة الدولية أو وجود خبراء دوليين وتدعى أن السد على أراضٍ إثيوبية ولا يحق لأحد التدخل وعلى الآخرين تقبل الأمر الواقع، وهذا يرجع إلى خشية إثيوبيا من إمكانية طرح حلول وسط وهو ما سينهى النزاع من أول جلسة، إضافة إلى أن مشاركة أطراف دولية سوف تضمن لدولتى المصب مصر والسودان عدم التأثر بعمليات ملء أو تشغيل السد وفقا لمبدأ لا ضرر ولا ضرار.. وهو ما تسعى إثيوبيا للتهرب منه، كما أن تقبل أديس أبابا للاتحاد الإفريقى للإشراف على هذا الملف يرجع لعمق العلاقات بينها مع عدد من الدول الإفريقية، بالإضافة إلى افتقاد الاتحاد الإفريقى لوسائل الضغط المؤثر على قرارات إثيوبيا.


جيولوجيا المياه


نريد أن نتعرف على مصطلح جيولوجيا المياه (Hydrogeology) الذى يلفت انتباه الكثير من القراء.. ما التوصيف العلمى وأهمية هذا الفرع من العلوم؟


الجيولوجيا هو أحد العلوم الطبيعية، التى تختص بالأرض وما عليها من كائنات من حيث نشأتها وتاريخ تطوُّرها ومحتوَياتها، من مكوِّنات طبيعية وما يوجد بها من معادنَ وصخور ومياه وبترول وغيرها، ومظاهرَ وتراكيبَ مختلفة على السطح، إضافة إلى دراسة الحياة القديمة عبر العصور والأزمنة المختلفة، ويشمل علم الجيولوجيا العديد من الفروع، منها ما هو خاص بمكونات القشرة الأرضية، ومنها ما يختص بدراسة التراكيب الجيولوجية الموجودة على سطح الأرض، ومنها ما يختص بدراسة تاريخ تطور القشرة الأرضية، ومنها ما يختص بدراسة تضاريس سطح الأرض، ومن أهم أفرع الجيولوجيا الحديثة هو علم الهيدروجيولوجيا أو ما يسمى بجيولوجيا المياه.


دور اقتصادى


وكيف تستفيد مصر من هذا العلم فى مجالاتها الاقتصادية الحديثة؟ 


يقوم علم الجيولوجيا بدور اقتصادى رائع، مثل: البحث عن مصادر الطاقة؛ كالبترول والغاز الطبيعى، والفحم والمواد النووية، والعمل على استخراجها واستغلالها، والكشف عن خامات المعادن والعناصر الاقتصادية المختلفة والتوسع فى استخراج وإنتاج الخامات المعدنية المختلفة، واستكشاف المياه الجوفية كمصدر مهم من مصادر المياه المستخدمة فى عمليات الرى والشرب، واختبار مدى صلاحية المواقع المختارة لإقامة المشروعات الهندسية العملاقة؛ كالسدود والجسور والأنفاق، والأبنية الضخمة والأبراج والمدن. ويعد علم حيولوجيا المياه أو الهيدروجيولوجيا (Hydrogeology) من أهم العلوم الجيولوجية التطبيقية، لأنه يتطرق إلى دراسة تواجدات المياه فى الطبقات، سواء على سطح الأرض أم تحت الأرض والتى تسمى بالمياه الجوفية ومنشئها واستخداماتها ووظائفها وحركتها وطرق الكشف عنها واستخراجها.


الحديث عن أهمية الهيدروجيولوجيا كعلم يقودنا إلى الحديث عن أهمية المياه كشرط لازم للحياة وكمادة أساسية للصناعة فى الجمهورية المصرية الجديدة؟ 
معلوم أن المياه تنتشر على سطح الكرة الأرضية بشكل واسع للغاية وتلعب دورا أساسيا فى تطور الحياة على الأرض. وتقدر كمية المياه الموجودة على كوكبنا بـحوالى «1٫5 مليار كم3» مع الأخذ بعين الاعتبار أن «98%» من هذه المياه مالحة وغير صالحة للاستخدام كمياه البحار والمحيطات، لذا فإن المياه العذبة فى كوكبنا تبلغ حوالى «28 مليون كم3» فقط، ومع ذلك فإن الكمية الأساسية من هذه المياه العذبة توجد بشكل جليد وذلك فى القطبين المتجمدين الشمالى والجنوبى، وعلى قمم الجبال العالية، مما يؤدى إلى وضع هذا الجزء من المياه عمليا خارج نطاق الاستعمال.

ومع تزايد أعداد السكان فى العالم بشكل مستمر وزيادة المساحات المروية من الأراضى الزراعية ونمو وتطور الصناعة، كل هذا يؤدى إلى زيادة كبيرة فى الاحتياجات المائية لاسيما فى مجال معدلات الاستهلاك الفردى، حيث إن معدل استهلاك الإنسان للماء يتبع درجة وتطور ومدنية المجتمع الذى يعيش فيه الإنسان، ولهذا فإن مشكلة تأمين المياه العذبة للبشرية لا تقل أهمية عن مشكلة الصراع ضد الجوع، فالمشكلة التى تقف أمام البشرية الآن هى إيجاد مصادر جديدة للمياه العذبة النقية، وهنا تبرز المياه الجوفية لتكون الحل الأفضل وذلك لما تتمتع به من مميزات فهى مخزونة فى الأعماق محمية من عوامل التبخر والتلوث بكافة أشكاله: (جرثومى، كيميائى، إشعاعى، فيزيائى). ومن هنا يتضح لنا أهمية القيام بالدراسات الهيدروجيولوجية لغرض استغلال المياه الجوفية بالشكل الأمثل وللأغراض المختلفة.


تحلية مياه البحر


هناك أفكار عديدة عن تحلية مياه البحر.. ما هو مستقبل هذه التقنية على أرض الواقع فى مصر؟


مؤخرا وجه الرئيس عبد الفتاح السيسى الحكومة بسرعة وضع استراتيجية متكاملة لتوفير مصادر مياه صالحة للاستخدام عن طريق تحلية مياه البحر بجانب الاستفادة القصوى من المياه الناتجة عن كافة محطات المياه المتنوعة سواء للمعالجة أو للتحلية. كما وجه بسرعة توطين كافة مكونات هذه التكنولوجيا لامتلاك القدرة الفنية والعلمية الحديثة فى هذا المجال الحيوى المهم اتفاقا مع السياسة العامة للدولة فى الإدارة الرشيدة للمياه، وفى إطار بناء القدرة الوطنية للجمهورية الجديدة فى كافة المجالات، كما تم رصد ميزانية تفوق 50 مليار جنيه لتنفيذ تلك الخطة.


 ومن توجيهات الرئيس أيضا ضرورة الإسراع فى إنشاء مجموعة من محطات تحلية مياه البحر وباستخدام أحدث الأساليب العلمية والتشغيل عن طريق مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة والمتوفرة بشكل كبير فى مصر وبخاصة فى المحافظات الحدودية والساحلية: (مطروح والبحر الأحمر وشمال سيناء وجنوب سيناء وبورسعيد والإسماعيلية والسويس)، وعدم نقل مياه نهر النيل لهذه المحافظات مرة أخرى، والتى عادة ما كانت تتعرض للكثير من مشاكل نقل المياه سواء من خلال سيارات مياه أو تنفيذ شبكات جديدة، وهو ما يكون لهذه الشبكات أضرار سلبية كثيرة منها انفجار الخطوط وكسرها، مما يؤدى إلى إهدار كبير فى المياه. 


وإلى أين وصل تنفيذ هذه التوجيهات الرئاسية الخاصة بمستقبل تحلية مياه البحر؟


كان من نتائج هذه السياسة الطموحة إنشاء محطة تحلية مياه العين السخنة والتى صنفت بأنها واحدة من أكبر محطات تحلية فى العالم حيث تعمل على تنقية 164 ألف متر مكعب مياه يوميا، لصالح المنطقة الاستثمارية والمنطقة الصناعية بمنطقة شمال غرب خليج السويس والتى تأتى ضمن مشروع «تنمية محور قناة السويس».. بالإضافة إلى إعادة استخدام المياه المعالجة من خلال التوسع فى إنشاء محطات معالجة الصرف الصحى ورفع كفاءة محطات المعالجة الحالية، وتحسين جودة مياه الصرف الصحى المعالج. ويأتى ذلك فى إطار الجهود التى تبذلها الدولة للحفاظ على مياه الشرب، حيث تشتمل الخطة على: (توفير مصادر بديلة لمياه نهر النيل من خلال محطات تحلية مياه البحر ومحطات المياه الجوفية - إعادة استخدام المياه المعالجة من خلال التوسع فى إنشاء محطات معالجة الصرف الصحى ورفع كفاءة المحطات القائمة وتقليل الفاقد فى مياه الشرب بجميع المجالات)، ومن ثم ترشيد استهلاك مياه نهر النيل، وتوفيرها للاستفادة منها فى الزراعة.


أفضل باحث


لقد فزت مؤخرا بجائزة أفضل باحث فى العلوم وفقا لمؤسسة VDGOOD  الهندية للعام 2020/2021 حدثنا عن قيمة هذه الجائزة لمصر؟


هذه الجائزة سنوية وتمنحها مؤسسة VD GOOD  الهندية لمجموعة من الباحثين فى العلوم المختلفة اعتمادا على إسهاماتهم وجهودهم العلمية والبحثية المحلية والدولية فى مجال معين من المجالات، إضافة إلى المشاركة فى المؤتمرات العلمية المحلية والدولية والأبحاث المنشورة والخبرات العملية والتدريسية، ويتم حساب ذلك من خلال دراسة الملف البحثى لعدد كبير من العلماء والباحثين بالجامعات المختلفة ليتم اختيار مجموعة منهم ليتم تكريمهم من قبل المؤسسة فى احتفالية تقام سنويا بمقر المؤسسة بالهند، وهذا العام تم اختيارى - بفضل الله - كواحد من أفضل الباحثين فى مجال العلوم الأساسية، وأقيمت احتفالية هذا العام بمدينة تريفاندروم بالهند خلال الفترة من 28-29 أغسطس لهذا العام. وتشمل جائزة هذا العام الحصول على درع المؤسسة وشهادة عضوية مجانية لمدة عام يسمح خلالها بنشر 40 بحثا بمجلات المؤسسة وحضور 3 مؤتمرات علمية بدون سداد رسوم التسجيل، إضافة إلى إمكانية حضور حفلين لتسليم الجوائز بخصم 20%.


الزراعة الحديثة


هناك تقدم كبير فى أساليب الزراعة الحديثة لماذا لا تكون لدينا قوانين ملزمة لتطبيق هذه الأساليب؟


يتجه العالم أجمع إلى تطبيق أساليب الزراعة الحديثة، وقد بدأت مصر مؤخرا الدخول فى هذا المجال عن طريق: فى الأراضى القديمة: حيث تتجه الدولة إلى العمل على تغيير نظم الرى القائمة من الرى بالغمر إلى الرى بالرش أو التنقيط وبخاصة فى المساحات الكبيرة ذات المحصول الواحد، إضافة إلى إعادة استخدام مياه الصرف الزراعى فى زراعة نباتات تتحمل درجة الملوحة العالية.

وفى الأراضى الجديدة: هناك قوانين صارمة فى الاستصلاح بمنع زراعة المحاصيل ذات الاستهلاك الكثيف للمياه بتلك المشروعات، إضافة إلى منع استخدام طرق الرى التقليدية والتركيز على النباتات ذات الاستهلاك القليل من المياه مع التأكيد على استخدام آليات الميكنة الزراعية المتطورة.


ماذا عن البدائل المساعدة لنهر النيل فى تنفيذ المشروعات الزراعية والتنموية العملاقة التى تقوم بها الدولة مثل المياه الجوفيه.. وهل لدينا منها ما يكفى لتنفيذ هذه المشروعات؟


- المياه الجوفية تتواجد فى باطن الأرض فيما يسمى بالخزانات، وهذه الخزانات لها أنواع عديدة فمنها السطحية أى القريبة من سطح الأرض، ومنها العميقة فى باطن الأرض، كذلك منها ما هو متجدد المصدر، ومنها ما هو غير متجدد أى يحتوى على كمية محددة من المياه بمجرد نفادها ينتهى الخزان؛ ومصر يوجد بها العديد من تلك الخزانات موزعة فى مناطق مختلفة، فمنها ما هو موجود بمنطقة الدلتا وهو خزان محدود الموارد، ونتج فى الأساس من تسرب مياه نهر النيل بسبب شبكات الصرف.

وتسببت تلك المياه فى تكوين الخزان، وتشير التوقعات إلى أن حجم المياه به غير كبير، كما أنه يعانى من مشكلة التجدد ما يعنى نقصانه بشكل مستمر، ومنها الخزان الساحلى الذى يوجد فى مدينة القنطرة شرق حتى رفح، وهو أيضًا خزان محدود تتم تغذيته من خلال الأمطار، التى تسقط على الشريط الساحلى لتلك المناطق، خاصة العريش ورفح.


ولكن أكبر وأعمق هذه الخزانات هو ما يسمى بالخزان النوبى، ليس فقط بسبب مساحته الممتدة من الإسكندرية حتى أسوان، ولكن بسبب سُمكه البالغ 200 متر، ويصل لـ 3 آلاف فى بعض الأماكن مثل واحة الفرافرة، إضافة إلى ذلك نوعية مياهه الجيدة وتراجع نسبة الأملاح فيه وهو ما يتم الاعتماد عليه فى مشروعات الاستصلاح الجديدة.

 

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي