السيرة.. أطول من العُمر

ممدوح الصغير
ممدوح الصغير

لا تُقاس الحياة بطول العمر، إنما بإنجازات تُخلِّدها وتُكتب بحروفٍ من ذهب  فى مراجع كتب التاريخ، لذا على كل فردٍ منا، سواء كان مشهورًا أم من العامة، أن يفعل الخير؛ حتى يبقى مُلازمًا لسيرته.. من السهل أن تملك المال، ولكن من المستحيل أن تصنع به سمعةً حسنةً تبقى وتُلازم  اسمك، بعد رحيل الروح لخالقها.

فى تراثنا العربى، عبر 14 قرنًا، حكايات وقصصٌ وسِيرٌ حسنة، لبشر رحلوا وتركوا ذكرى عطرة، رغم قلة أيامهم على كوكب الأرض، رحلت أرواحهم ولكن بقيت سِيرهم العطرة تُدرَّس فى المدراس حتى اليوم، يتمنى مَنْ يسمعها أن يُقلِّدهم فى أفعالهم.

يدرس تلاميذ الإعدادى والثانوى قصة الصحابى سعد بن معاذ، الذى نزل من السماء عند وفاته 70 ألف مَلكٍ، لم يسبق أن نزلوا للأرض من قبل.. يوم وفاته اهتز عرش السماء، ونزل سيدنا جبريل على رسول الله، وقال: مَنْ العبد الذى توفى واهتزت السماء لوفاته؟.. رسول الله نطق على الفور، إنه سعد بن معاذ، كان مصابًا فى غزوة الخندق، ودعا الله أن   يموت شهيدًا، وقد تحقَّق له ما أراد.

ابن معاذ مات عن عمرٍ ناهز الـ 37 عامًا، وكانت فترة  إسلامه سبع سنوات فقط، وهو من أشراف المدينة، حيث أسلم قبل هجرة النبى  بعامين؛ ولأن قلبه متواصلٌ مع الخالق، دعا الله أن يمدَّ فى عمره حتى يحكم على يهود بنى قريظة، وقد كان، إذ حكم فيهم؛ كما قالت التوراة.

ما حدث يوم وفاته حيَّر الصحابة، فرغم أنه كان قوى البُنيان، إلا أنهم شعروا بأنهم يحملون جسد عصفورٍ، فأخبرهم النبى  بالسر، بأنه يوجد على الأرض 70 مَلكًا لتوديعه.. عمر بن عبد العزيز أعدل الحُكَّام فى تاريخ البشرية بعد عمر بن الخطاب، لم يسعَ لطلب الخلافة، بل رُشِّح لها دون أن يعلم.. يوم أن أُختير، خَطب فى الناس أن يختاروا للمهمة رجلًا يصلح لها، فرفضوا.. كيف  يرفضون حفيد الفاروق  عمر بن الخطاب حاكمًا لهم؟!.. قبل  توليه الخلافة كان من أهل الدنيا، يعيش ترفها، تفوح من ملابسه رائحة العطر، كل ذلك زال  بعد توليه الخلافة، وخلع الحرير ولبس ثياب الفقراء.. خلافته لم  تتعدَ الـ 30 شهرًا، وتُعدُّ أفضل فترات  العدل فى الأرض فى تاريخ البشرية.. روى المؤرخون حكايات عديدة عن وجوه العدالة؛ منها أن الشاه صادقت الغنم فى شهور خلافته من كثرة الخير، وكانت بذور القمح تُلقى لليمام والعصافير، ولم يكن هناك شابٌ دون زواجٍ، نعم، عاش الجميع فى رخاءٍ، إلا   أهل بيته.

وحياة أى إنسانٍ تُقاس بحجم العطاء والعمل، وليس بطول أيامه، فاصنع جميلًا يعيش فى الدنيا، ويصير مُلازمًا لاسمك عبر القرون.. فى حياتنا نسمع عن أشخاصٍ رحلوا عن عَالمنا، ولكن تبقى سيرهم العطرة يتحاكى بها الأحفاد.. عندما كنتُ عشرينى العمر، كنتُ أجلس فى بلادى الجنوبية حول المُوقد فى ليالى الشتاء، وأسمع من كبار السن حكايات تُروى لبشرٍ غادروا الدنيا منذ مائة عامٍ.. تُروى قصصهم فى الشهامة، مثلما يروى شاعر الربابة عن أبوزيد الهلالى.. فى أحاديث الشتاء بالجنوب، سمعت قصصًا وحكايات لصُنَّاع الخير، وسامع الرواية يتخذ منها الحكمة والموعظة، فالقصة بها درسٌ فى الرجولة، وقد عرفت قصة الأمير أفندى، الصعيدى الذى صادق العلماء والكبار، وكان نائبًا فى البرلمان عن ثلاثة مراكز دفعة واحدة، ورث قيم الشهامة من والده إبراهيم أبو الشيخ، الذى كان عَالمًا كبيرًا فى مطلع القرن العشرين، وصديقًا للكبار  فى بر مصر.

قرى الأقصر وأسوان حتى اليوم تتحاكى عن نوادر العمدة النوبى بكل فخرٍ، فهو  ناصف المظلوم وراعى الأيتام.. كل الجنوب يروى سيرةً عطرةً عن الراحل عبدالمصنف حزين، أفضل نواب الصعيد فى تاريخ البرلمان، إذ هو الذى عُرف عنه أنه صديقٌ للرؤساء، وكان مُقرَّبًا من الرئيس الراحل أنور السادات، واستضاف الرئيس الأمريكى فى منزله مرتين، إحداهما كانت بصحبة الرئيس السادات، والأخرى بعد أن ترك رئاسة أمريكا.

فى عَالمنا يكثر صُنَّاع الخير؛ منهم من رحل عن عَالمنا، لكن بقيت سيرتهم تعيش بيننا.. سطورى ليست لتمجيد مَنْ ذكرت أسماءهم، فهم ليسوا من سكان الأرض اليوم، وإنما سيرتهم تعيش معنا، وعلينا أن نُقلِّدهم فى أعمال الخير، ولربما زرع شجرة تُلازم  اسمك طوال العمر الكون، فى رائعة الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودى "العمة يامنة"، ذكر كرم أبو غبان،     مات مَنْ زرع، ولكن تبقى النخيل شامخةً تذكر اسمه كلما مرُّوا عليها.

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي