أنتجته هوليوود بعد ثورة 1952 .. والبطل ابن شارلى شابلن

«الفيلم المجهول» الذى أغضب الملك فاروق!

شبه المجهول
شبه المجهول

كتب:أحمد الجمَّال

يقودنا تقرير نشرته المجلة أواخر عام 1953 تحت عنوان "(آخرساعة) تقابل ابن شارلى شابلن فى القاهرة"، إلى ما هو أبعد وربما أهم من مجرد تصريحات خاصة أدلى بها ابن فنان عالمى فى منطقة أهرامات الجيزة، أثناء مشاركته فى تصوير فيلم أمريكي.
فالتقرير يتناول كواليس تصوير فيلم نادر للمخرج الأمريكى جريجورى راتوف (1897-1960)، وعُرض لاحقاً عام 1955 بعنوان "عبدالله الكبير"، ولم يكن "عبدالله" هذا سوى اسم استعارى اختاره المخرج لفاروق، ملك مصر الأسبق الذى أطاحت به ثورة 1952 من الحكم، بعد أن هدَّد الأخير بمقاضاته.
لا إشارات واضحة تزيح الغبار وتُفسح الطريق أمام الباحث عن مادةٍ تفصيلية لهذا الشريط السينمائى "المجهول"، الذى يُشار إليه فى بعض مواقع التوثيق والمعلومات بـ(مملكتى من أجل امرأة - My Kingdom for a Woman)، لكن هذا فى الحقيقة لم يكن اسم الفيلم فى نسخته الأمريكية (عبدالله الكبير-Abdulla the Great)، ولا اسمه التجارى الذى عُرض به فى دول الشرق العربى (حريم عبدالله - Abdullah's Harem)، بل عنوان الرواية المأخوذة عنها قصة الفيلم لمؤلفها عصمت ريجيلا Ismet Regeila، وهو الكاتب الذى لا تتوافر عنه أيضاً أى معلومات، وإن كان اسمه يوحى بأنه تركى الجنسية.
اللافت هو أن التقرير المنشور فى المجلة قبل 68 عاماً، أشار إلى قيام المخرج الأمريكى الروسى المولد جريجورى راتوف، بإجراء اختبارات لممثلين مصريين (من بينهم سامية جمال، ومحمود المليجي، وزكى طليمات، وعباس فارس) لاختيار أنسبهم مِمَنْ يجيدون التحدث باللغة الإنجليزية للمشاركة فى بطولة الفيلم، الذى يؤدى فيه راتوف بنفسه الدور الرئيسى (شخصية الملك عبدالله) أو بالأحرى الملك فاروق!


وبالبحث عن الفيلم فى مواقع توثيق أرشيف السينما الأمريكية، اتضح خلو هذا الشريط من أى اسم لممثل مصري، لكن ملصق الفيلم فى نسخته العربية التى عُرضت بدور السينما المصرية، يشير إلى مشاركة ممثلين مصريين هم عباس فارس ومختار عثمان، والممثلة المصرية من أصل أرمينى هدى شمس الدين، إلى جانب الراقصة الجزائرية ليلى.
وتُدرِج مواقع الأرشفة، التى اطلعت عليها "آخرساعة"، هذا العمل تحت تصنيف "فيلم كوميدى درامي"، كون القصة تسخر من الملك الذى أضاع مملكته من أجل امرأة، لكن عودة إلى التقرير المنشور فى المجلة قد تميط اللثام عن بعض تفاصيل ذلك العمل الذى طمسه غبار الزمن.
ورغم شح المعلومات المتوافرة عن العمل، يبدو أكيداً أن الفيلم "شبه المجهول" حالياً قد حظى بإنتاج ضخم وقت صناعته، فهو من إنتاج شركة Misr Universal Cairo وSphinx Films، وتوزيع شركة British Lion Films فى المملكة المتحدة، وشركة Twentieth Century-Fox Film Corporation فى أمريكا.


هوليوود جديدة


الاطلاع على الكواليس يكشف الكثير من التفاصيل الشائقة، فقد أصبحت منطقة الأهرامات هوليوود أخرى! حيث تواجد فى مصر حينها ثلاثة مخرجين أمريكيين، من بينهم جريجورى راتوف الذى يخرج فيلماً عن حياة ملك طاغية جبار.. مثل فاروق!
ولقد صادفت راتوف كثير من المتاعب، كان أهمها فقر الممثلين المصريين فى اللغة الإنجليزية. وقال إن المشكلة تنحصر فى أن دائرة عرض هذا الفيلم واسعة، فسيعرض فى جميع أنحاء العالم، لأنه ليس فيلماً محدوداً ــ باللغة العربية ــ على خلاف ما تعوَّد الممثلون المصريون!
وجمع راتوف عدداً كبيراً من الممثلين المصريين فى "استديو نحَّاس"، ووقف بجثته الضخمة ولحيته المدببة وهو يواجه فريد شوقى وسامية جمال وزكى طليمات ومحمود المليجى وقال لهم وهو يصارحهم: "إن العامل الهام فى احتفاظكم بالأدوار التى رُشحتم لها يعتمد اعتماداً كلياً على إتقانكم اللغة الإنجليزية، فالمرشح مثلاً لرئاسة الوزارة كمحمود المليجى قد ينزل إلى دور موظف عادى إذا لم يتقن الإنجليزية".
وكان لابد لراتوف أن يصارح من يتعاونون معه بهذه الحقيقة وهو يعلم أن الجزء الأكبر من إيراد الفيلم سيجيء من جمهور أمريكا وأوروبا، وليس من الشرق العربي. ومن هنا استحضر راتوف من إنجلترا مدرستين إنجليزيتين لتعليم الممثلين المصريين اللهجة الصحيحة فى التكلم بالإنجليزية.
وبدأ الممثلون المصريون يجلسون إلى ميس هوايت وميس بينس من الساعة العاشرة صباحاً إلى الظهر ليتعلموا الإنجليزية، وقبل بدء تصوير الفيلم سترفع هاتان المدرستان تقارير عن كل ممثل تعطى صورة واضحة عن مدى إتقانه التحدث بالإنجليزية، من ثم ــ تبعاً لهذه التقارير ــ سيرفع راتوف أو يخفض من قيمة ومركز الدور الذى سيمثله كل واحد منهم!


حقيقة واحدة


وثمة شرط آخر وضعه جريجورى راتوف على كل ممثل من الذين يعملون معه، وهو أنه غير مصرّح لأى ممثل أن يعمل فى أى عمل سينمائى آخر، أثناء تصوير هذا الفيلم.. وقال راتوف للممثلين المصريين: "أريد الممثل معى بكل شعوره وقلبه وروحه ولا أريده موزع التفكير فى عدة نواحٍ متعددة من العمل".
وكان فريد شوقى ضحية هذا القرار، فقد وافق مبدئياً ووقع العقد بالفعل مع راتوف وتسلم قيمة أجر عمله، ولكن لم يمض يومان حتى عاد شوقى وهو يعتذر، وقال: "أنا عندى فيلمان غير فيلمك"، وألغى العقد واسترجع راتوف الشيك!


مكان ما وزمان ما


وتدور أحداث الفيلم فى بلد ما وزمان ما فى الشرق العربي، وتتناول قصة ملك فاسد طاغية أعمته شهواته عن أن ينظر إلى مصلحة الوطن، وتتطور شهواته معه وهى تنزل به إلى أسفل حتى يقع فى الهاوية ويقدر له الله من يخرجه ويطرده من بلاده التى أكرمته ولم يذكر هذا الفضل، أو حتى يرد جميلها إليه!
وينتهى الفيلم بقتال عنيف بين قوات الثورة وبين حرس الملك، ثم تتغلب قوات الثورة ويخرج الملك بعد أن يوقع الوثيقة التاريخية.. وثيقة التنازل عن العرش.
فالقصة فى مجموعها رمزية، ولم يُرد راتوف أو قل لم يستطع أن يصرح بأى اسم أو دليل يُشتَم منه أنه يشير إلى فاروق، ولراتوف عذره فى ذلك، فقد تلقى ــ وبعد أن أعلن أنه يريد إخراج هذه القصة ــ إنذاراً من ثلاثة محامين عن فاروق، وفى هذا الإنذار هدد فاروق راتوف بأنه سيقاضيه ويطالبه بجميع حقوقه إذا مسه راتوف بأى شيء سواء من قريب أو بعيد!
ومن هنا جعل راتوف القصة رمزية تدور فى مكان ما وزمان ما فى الشرق العربي، وأطلق على الملك الجبار اسم "عبدالله الثامن" وليس فاروق.
وسمحت وزارة الإرشاد القومى لراتوف بتصوير معظم أجزاء الفيلم داخل قصر رأس التين بالإسكندرية، فسمحت له بتصوير قاعة العرش وحجرة نوم الملكة والملك وحجرة الطعام، وأجزاء أخرى من القصر. وكذلك ينتظر أن يلتقط مصوِّر الفيلم "لى جارمز" بعض لقطات داخل قصر المنتزه، وبعض لقطات لبعض المناظر فوق "يخت المحروسة".


سيدنى شابلن


واشترك فى تمثيل هذا الفيلم من الأجانب سيدنى شابلن ابن شارلى شابلن الذى اختاره راتوف لأن وجهه يشبه المصريين! وكاى كاندل الممثلة الإنجليزية. ومن الممثلين المصريين كان المرتب له أن يؤدى محمود المليجى دور رئيس الوزارة، وآمال وحيد فى دور الملكة، وعباس فارس فى دور ضابط، وزكى طليمات فى دور شيخ القرية، وسامية جمال فى دور إحدى محظيات الملك.
أما جريجورى راتوف فقام بالدور الرئيسى وهو دور الملك عبدالله! كونه يشبه فاروق إلى حد بعيد، فهو ضخم الجثة، أحمر الوجه، وقد بدأ قبل التصوير فى إطلاق لحيته لأن الملك يظهر فى الفيلم أثناء إطلاق هذه اللحية. ويساعد راتوف فى إخراج الفيلم، المخرج المصرى حسن حلمي.
ويؤدى سيدنى شابلن دور (أحمد) أحد ضباط الملك المقربين، ووقتها كان عمره حوالى 27 عاماً ولم يظهر فى السينما قبل ذلك سوى فى فيلم "أنوار المسرح" الذى مثّله وأخرجه أبوه شارلى شابلن، وكان سيدنى نفسه قد عمل قبل ذلك على المسرح كممثل لمدة خمس سنوات.
أما الممثلة الإنجليزية كاى كاندل، فكان عمرها 26 عاماً، وهى ذات شعر أصفر، تحاول أن ترفعه دائماً إلى أعلى بحركات سريعة من رأسها، وشاركت بدور فتاة فرنسية يختطفها الملك من مونت كارلو!


قصة الفيلم


أما فكرة الفيلم فبدأت فى روما فى صيف عام 1953.. عند الساعة الثالثة صباحاً، والشارع لا تكاد تسمع فيه سوى دقات أقدام هنا وهناك.. أو ضحكات السكارى والمخمورين الذين تمتلئ بهم النوادى الليلية، خرج جريجورى راتوف بعد أن أمضى ليلته سائراً نحو الفندق الذى ينزل فيه ولم يكد يسير بضع خطوات حتى فوجئ بشخص وحيد ضخم الجثة يسير بمفرده فى الشارع.
وأسرع راتوف من خطواته ليجد أن هذا الشخص الوحيد لم يكن سوى فاروق ملك مصر السابق! فرفع راتوف قبعته محيياً، وقال لفاروق: كيف حالك؟! ولم يجب الأخير، لأن تعابير وجهه كانت خير إجابة.. بهت وجه فاروق ثم نكس رأسه خجلاً.. وسار الإثنان كلٌ إلى طريقه.
أخذ راتوف يفكر فى هذا الملك الحائر الوحيد الذى يمشى فى شوارع روما منبوذاً ولا من صديق.. ومن هنا خرجت قصة الفيلم.
قصة الملك الذى كان يعيش وسط قصور وأموال وعبيد لا حصر لهم، ثم لم يرع الأمانة التى فى عنقه، فقدَّر له الله من يركله بقدمه منبوذاً، ليسير هكذا شريداً وحيداً فى شوارع روما!

الصدر: مجلة آخر ساعه

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي