حوار| العالِم محمود عبد الحفيظ: اقتربت من تطوير مادة فائقة التوصيل الكهربائي

العالِم المصري محمود عبد الحفيظ
العالِم المصري محمود عبد الحفيظ

فى تقييم مكتب التنسيق، لم يكن الطالب محمود عبد الحفيظ، ابن قرية «سدس» فى مركز «ببا» بمحافظة بنى سويف، من طلاب كليات القمة، حيث أهله مجموعه للالتحاق بكلية العلوم، التى تأتى فى المرتبة، ربما الخامسة، بين الكليات المفضلة للطلاب.

 

لكن عبد الحفيظ، الذى وقع فى غرام الكلية منذ وطئتها قدماه صنع الفصول الأولى من قصة نجاحه بتلك الكلية بجامعة الفيوم، ليصبح - حاليا - من الأسماء الشهيرة عالميا فى تخصص نادر وفريد فى علم الفيزياء، وهو المواد شديدة التوصيل الكهربائي.

 

 ولأننا عادة لا نلتفت إلى أبنائنا بالخارج، إلا عندما تنبهنا وسائل الإعلام الأجنبية إلى انجازاتهم، كان خبر منشور عن إنجاز عبد الحفيظ المتمثل فى المشاركة مع فريق من جامعة هارفارد الأمريكية فى التوصل لمواد فائقة التوصيل لتسهيل نقل الكهرباء والطاقة المتجددة، دافعا لى للاهتمام بإجراء حوار معه، لأكتشف أثناء البحث عن وسيلة للاتصال به، أنه من بين أصدقائي على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، ولكن هذه الصداقة الإلكترونية لم تمنحن الفرصة قبل ذلك لالتقاط أي لمحة عن إنجازاته، لأنه لا يحتفى بإنجازاته العلمية على صفحته الشخصية.

 

ما لم يتحقق لى من خلال الصداقة الإلكترونية حاولت تداركه خلال حوار مطول مع الباحث، أجريته معه عبر تطبيق «زووم»، حيث كشف فيه عن أبرز إنجازاته ومحطاته العلمية، لاكتشف أن جامعة هارفارد التى ارتبط اسم عبد الحفيظ بها، هى محطة ضمن محطات رحلته العلمية، فهو يعمل حاليا على مشروع بحثى بجامعة بالسويد، إلى جانب عمله بجامعة هارفارد، وقبل ذلك عمل فى جامعات بالصين وبلجيكا وألمانيا.

 

 هذه الرحله العلمية من إحدى الجامعات الإقليمية إلى أبرز الجامعات العالمية، والتى يمكن اعتبارها حجة على أي شخص يتذرع بضعف الإمكانيات كمبرر للتخاذل والكسل، لم تنل تفاصيلها الشاقة من روحه المرحة، وابتسامته التي لم تغادر وجهه طيله الحوار.. ورغم ابتعاده عن مصر لسنوات، لا تزال أصالة الريف المصرى متجذرة فى شخصيته، وتترك أثرا واضحا على سلوكه، وهو ما سيظهر فى بعض المواقف التى حكاها لنا، وآثار إعجابى شدة اعتزازه بأصوله الريفية وحبه الشديد لوالده الموظف البسيط بوزارة الزراعة، والذى يراه البطل الأول لقصة نجاحه.

 

 وإلى نص الحوار.

اقتربت من تطوير مادة فائقة التوصيل الكهربائي عند درجة حرارة الغرفة

والدى‭ ‬بطل‭ ‬قصة‭ ‬نجاحي‭ .. ‬و زويل‭ ‬قدوتي‭ ‬بعد‭ ‬الرسول‭ ‬محمد‭ ‬

أساتذتي‭ ‬بمصر‭ ‬غرسوا‭ ‬البذرة‭ ‬ونضجها‭ ‬جاء‭ ‬بالتعليم‭ ‬الذاتي

نشرت‭ ‬85‭ ‬دراسة‭.. ‬وأبحاثي‭ ‬تم‭ ‬الاستشهاد‭ ‬بها‭ ‬2200‭ ‬مرة

كليات‭ ‬العلوم‭ ‬مظلومة‭ ‬إعلاميًّا‭.. ‬ويحزنني‭ ‬سعي‭ ‬طالب‭ ‬الجامعة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬دروس‭ ‬

التابلت‭ ‬يحول‭ ‬الطالب‭ ‬من‭ ‬متلقٍّ‭ ‬إلى‭ ‬مشارك‭ ‬وتطبيقه‭ ‬بالتعليم‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صبر

 

بداية أعبر لك عن سعادتى بإجراء حوار مع عالم مصرى استطاع تحقيق انجازات مهمة استرعت انتباه وسائل إعلام أجنبية؟
-  تكسو الابتسامة وجهه قبل أن يقول: أنا أكثر سعادة باهتمام جريدة الأخبار، ولكنى لازلت فى بداية الطريق ولم أنجز ما أتمناه بعد، وسأظل أحاول.

قبل أن نخوض فى تفاصيل ما حققته من انجازات، هل يمكن أن تعطينى لمحة عن أبرز محطات رحلتك من المولد فى بنى سويف إلى جامعة هارفارد؟
- كان معتدلا فى جلسته، فعاد بظهره إلى الخلف، قائلا دون ان يتخلى عن ابتسامته: ياه دى رحلة طويلة، لكن سأحاول اختصارها، فالبداية كانت فى بنى سويف، حيث تلقيت التعليم الابتدائى والإعدادى والثانوي، وانتقلت فى مرحلة التعليم الجامعى إلى جامعة الفيوم، حيث درست بكلية العلوم، وتفوقت خلال الدراسة الجامعية وعينت معيدا، وحصلت على الماجستير من نفس الجامعة، ثم حصلت على منحة للحصول على الدكتوراة من جامعة «دريسدن»بألمانيا، وبعد الدكتوراه كان لى تواجد فى أكثر من جامعة، أثناء إعداد أبحاث ما بعد الدكتوراه، حيث علمت لعام فى بلجيكا بجامعةلييج، وعملت بعدها لعامين فى الصين، ثم عدت إلى ألمانيا، حيث عملت بجامعة فرانكفورت لمدة ثلاث سنوات، ثم تقدمت إلى وظيفة استاذ مشارك بجامعة هارفارد الأميركية وفزت بها بعد اجتياز أكثر من اختبار، وأثناء عملى فى هارفارد تقدمت فى 2021 لمنحة ممولة من الحكومة السويدية بجامعة أوباسالا، والآن لدى عملين فى جامعة أوباسالا بالسويد وجامعة هارفارد بأمريكا.

التعليم الذاتى

هل تكيفك مع الوضع بالخارج لتصبح باحثا مهما فى الجامعات التى عملت بها، تعد شهادة للتعليم المصرى أم أن الأمر يتعلق بوجود قدرات فردية؟
- لم يخف هذا السؤال ابتسامته، كما كنت أتوقع، بل قال وقد إزدادات إشراقا: على عكس ما نردد دوما، أنا أشهد للتعليم المصري، فقد تعلمت تعليما جيدا، ولكن يجب أن يدرك أى طالب بأن البذرة التى يضعها الأساتذة فى الجامعة تحتاج منه أن ينميها حتى تنضج، ويأتى ذلك بالتعليم الذاتى.. والحمد لله أصبح العالم أكثر انفتاحا، فيمكن للطالب تنمية معلوماته عبر مصادر متعدده ، منها متابعة المحاضرات فى الجامعات الأجنبية مثل جامعة هارفارد، التى تبث أون لاين.

وإلى أى مدى تشعر بأن الطالب المصرى يمكن ان تكون لديه هذه الرغبة فى المعرفة؟
- لم ينتظر استكمال السؤال ورد على الفور: أرى بعض الطلاب لديها هذه الروح، بدليل أن سمعة الطالب المصري أصبحت جيدة للغاية، وهناك بعض زملائي يطلبون منى ترشيح طلاب مصريين للعمل معهم، وبعضهم يطلب طلاب من جامعات بعينها مثل جامعة زويل وعين شمس وغيرها.

من المؤكد أن هذه السمعة الطيبة تشكلت بعد النجاحات التى حققتها وأنت وزملاؤك من العلماء المصريين البارزين بالخارج؟
- يحمر وجهه خجلا قبل أن يقول بنبره لا تخلو من التواضع: أى باحث سيوضع فى النظام بالخارج لابد أن ينجح، فالنظام يجبرك على ضرورة تطوير قدراتك لتصبح اليوم أفضل من أمس، فأصبحت أسعى لإضافة الجديد إلى حصيلة معارفي، فلا يمر يوم إلا وأكون قد تابعت محاضرة جديدة أو قرأت دراسة جديدة أو فصلا فى كتاب مهم.

كما يجبرك النظام على تنظيم يومك، فمثلا كان يومى يبدأ فى المعمل أثناء العمل على الدكتوراة بألمانيا فى السادسة صباحا، وهذا يعنى أنك يجب أن تنام مبكرا فى موعد لا يتجاوز العاشرة مساء.

شغف العلم

وهل كل من يوضع فى هذا النظام من الطلاب المصريين حقق ما أنجزه الدكتور محمود عبد الحفيظ؟
- يحمر وجهه مجددا قبل أن يقول بنبرة أكثر تواضعا: فى ناس نجحت أكثر مني، فأى طالب لديه الشغف بالعلم سينجح، ولكن الطريق طويل ويحتاج صبرا وجهدا، فأنا عندما سافرت إلى ألمانيا أثناء منحة الدكتوراة قضيت ستة شهور فى تعلم اللغة فقط، وأخذت وقتا طويلا حتى أتأقلم مع الطقس المختلف والمجتمع الغريب عن البيئة التى عشت وتربيت فيها، ولكن نجاحى هذه التجربة أفادنى كثيرا، واكسبنى مزيدا من الرغبة فى تطوير الذات، وهذا ما دفعنى رغم الحصول على وظيفة ثابتة فى جامعة لييج أن أضحى بذلك، بعدما كان تقييمى لفترة وجودى بالجامعة أنها لن تضيف لى كثيرا، وسيكون يومى بها نمطيا، لذلك لم أتردد فى التقدم لاحدى الجامعات بالصين عندما علمت أنها متخصصة فى مجال تخصصى الرئيسى وهو «المواد شديدة التوصيل الكهربائي»، ولكن الاستمرار فى الصين لم يكن من طموحاتي، فقدمت على مشروع ممول من الحكومة الألمانية فى جامعة فرانكفورات وقضيت بها ثلاث سنوات، قبل ان انتقل منها إلى جامعة هارفارد ثم جامعة أوباسالا، فالإنسان يجب عليه ان يسعى عملا بقوله تعالى «وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى»، وعندما يسعى سيسخر له الله سبحانه وتعالى أسباب النجاح التى يستحقها، فنصيحتى لأى طالب  السعى وبذل الجهد وسيجبر ذلك الآخرين على احترامه وتقديره، فأنا الحمد لله الآن أصبح لى سمعة طيبة فى مجال تخصصي، فلا يوجد مؤتمر علمى فى المواد شديدة التوصيل الكهربائى إلا ويتم دعوتى له.

وأنت تحقق نجاحا تلو الآخر، من هى الشخصية التى تريد أن تقول لها شكرا؟
- يقول بدون تردد وقد غلف صوته نبرة حزن غير معتادة: والدى رحمة الله عليه، فنحن من أسرة بسيطة، ولم يدخر والدى الموظف بوزارة الزراعة أى جهد فى سبيل أن يرانا ناجحين، لذلك فإن كنت ترى أنى حققت نجاحا، فبطل هذه القصة هو والدى الذى لولاه ما وصلت لما أنا فيه الآن.. وبعد والدى يأتى دور مهم لأساتذتى فى كلية العلوم جامعة الفيوم.

ومن الشخصية التى تتخذها قدوة فى الحياة؟
- لم ينتظر استكمال السؤال وقال على الفور: بعد سيدنا محمد، العالم الكبير أحمد زويل، الذى اتمنى يوما ان أصل إلى مرتبته، وكان بيننا ايميلات متبادلة أثناء دراستى للدكتوراة، لكن لم أحظ بشرف لقائه وجها لوجه.

جائزة نوبل

ما من باحث مصرى متميز يسأل عن قدوته، إلا ويذكر الدكتور زويل، هل السبب رغبتكم فى الوصول إلى نفس مرتبته العالمية والفوز بجائزة نوبل فى العلوم؟
- يضحك قبل أن يقول: أى شخص يقول انه سيحصل على جائزة نوبل، فهو «كاذب»، فالباحث لا يعمل من أجل الجائزة، لأن الحصول عليها يكون بناء على ترشيحات،وهذه الترشيحات يكون لها معايير، منها مدى تأثير ما توصلت إليه فى العالم، فأنت تفعل ما عليك وتحاول أن تجتهد، وقد تكون الجائزة من نصيبك.. ومن المؤكد أن الجائزة أعطت الدكتور زويل شهرة جماهيرية كبيرة، ولكنه قبل الجائزة فهو قيمة علمية كبيرة يعرف قدرها المجتمع العلمي، وأتمنى أن أصل يوما لهذه المرتبه التى حققها بغض  النظر عن جائزة نوبل.

بما أنك تقدر الدكتور زويل لهذه الدرجة، فلماذا لم تنضم لفريق العمل فى مدينته؟
- ترتسم علامات الدهشة على وجهه قبل أن يقول : ليس شرطا تواجدى بمصر، لكى أكون داعما للمدينة، فأنا أعمل مع أساتذة من المدينة على رأسهم د.صلاح عبية ود.إبراهيم الشربيني، ولدى مشروع سأعمل عليه مع الجامعة اليابانية فى برج العرب، وأعمل مع 4 طلاب من مصر يقومون بإعداد الدراسات العليا.

وما طبيعة التعاون مع الباحثين من مصر؟
- يشير إلى سبورة خلف مكتبه، قد ملأها بأسماء بعض المواد، قائلا: كل هذه مواد أعمل مع باحثين مصريين وغيرهم على اختبار كفاءة استخدامها فى التوصيل الفائق للكهرباء، فهذا هو تخصصى الرئيسى الذى أعمل عليه.

هل يمكن أن تعطينا فكرة عن هذا التخصص؟
- يلتقط قلما من مكتبه يرسم به بعض الخطوط على السبورة التى توجد خلفه ليقول محاولا تبسيط تخصصه: التوصيل الكهربائى من مكان إلى مكان يحتاج إلى مواد موصله للكهرباء، والمادة الأكثر استخداما الآن، هى النحاس، فهو موصل جيد، لكنه ليس فائقا، لذلك بعد فترة تحدث سخونة فى الأسلاك التى تستخدم النحاس، ويكون نتيجة ذلك حدوث فقد فى الطاقة، لذلك فإن الهدف الذى اسعى إليه هو الوصول إلى مادة فائقة التوصيل، لا يكون بها أى مقاومة، بحيث تستطيع العمل بدون فقد للطاقة، حتى لو استمرت فى العمل لمدة عام كامل.

وإلى أى مدى أصبحت قريبا من الوصول لهذه المادة؟
- تختفى ابتسامته الهادئة للحظات لتفسح الطريق لمشاعر التحدى التى ارتسمت على وجهه قبل أن يقول: الهدف الكبير الذى اسعى إليه هو الوصول إلى مادة فائقة التوصيل عند درجة حرارة الغرفة، ولكنى نجحت مؤخرا فى الوصول إلى مادة قريبة من هذا المستوى باستخدام مركبات من مادة « نيوبيوم»، وتم نشر دراسة علمية عنها الشهر الماضى فى دورية «نيتشر كومينيكيشن».

ثورة صناعية

وما قيمة الوصول لهذه المادة؟
 - تستمر مشاعر التحدى على وجهه وهو يقول بنبره متحمسة: الوصول لهذه المادة سيحدث ثورة صناعية فى مجال الطاقة، فالعالم العربى مثلا لا يوجد عنده مشكلة فى الطاقة، ولكن المشكلة فى فقد الطاقة، وهذا يحدث فى كل المجالات، وسأعطيك مثالا يكشف عن قيمة الوصول لهذه المادة، فالقطار الكهربائى السريع فى الصين والذى يقطع 1200 كيلو متر فى الساعة، يصل لها المستوى من السرعة لأن قضبانه بها مواد فائقة التوصيل تمنع الاحتكاك بين العجلات والقضبان، لان الاحتكاك يؤدى لفقد الطاقة، ولذلك تشعر وكأن القطار لا يسير على قضبان.. والمادة التى نسعى للوصول إليها ستساعد فى زيادة السرعة عن هذا المعدل.. كذلك فإن الوصول لمادة كهذه يساعد فى زيادة كفاءة التوصيل الكهربائى من محطات الطاقة الشمسية إلى المحطة الرئيسية، ويمنع مشكلة انقطاع التيار الكهربائي.

وهل قمت بتسجيل براءة اختراع لمادتك الأخيرة التى وصلت فيها لمستوى قريب من الهدف الكبير وهو درجة حرارة الغرفة؟
- النشر العلمى بالنسبة لنا هو براءة الاختراع، وربما لو فكرت مستقبلا فى انشاء شركة قد أقوم بتسجيل براءة اختراع.

وما هو رصديك فى النشر العلمى حتى الآن؟
- تعود ابتسامته الهادئة قبل أن يقول: بفضل الله نشرت 85 بحثا علميا، منها 6 أبحاث فى أهم مكان وهى دوريات تنشر، وتم الاستشهاد بأبحاثى 2200 مرة، وهذا رقم معقول جدا.

تطوير التعليم

بما أنك ابن البيئة التعليمية التقليدية، فما رأيك فى مشروع تطوير التعليم بمصر المعتمد على «التابلت»؟
- تخرج الكلمات من فمة سريعة قائلا: مشروع رائع، واستخدام التابلت فى العملية التعليمية يحقق ما سبق وقلته لك من أن التعليم أصبح ذاتيا، فلم يعد الطالب متلقيا فقط، بل يجب أن يكون مشاركا فى العملية التعليمية، فمثلا أن أحاضر هذه الفترة بدورة تدريبية يشارك بها 12 طالبا بجامعة هارفارد، وكل طالب تكون له مهمة محددة وأبحاث يعمل عليها ويقوم بعرضها بنفسه، وبالتالى انت تكسب الطالب ثقة بنفسه وقدرة على تسويق ذاته، وهذا لم يكن ليتحقق لو كان متلقيا فقط.

وإذا نفذت ذلك من البداية تستطيع أن تكتشف قدرات كل طالب، لتعمل على تنمية هذه القدرات، فمثلا فى ألمانيا توجد مدارس تسمى مدارس «الصفوة»، وفى هذه المدارس يتم تقسيم الطلاب وفقا لقدراتهم، فتوجد مثلا فصول للطلاب المميزين فى العلوم، وفصول للطلاب المميزين فى الموسيقى، وأخرى للمميزين فى الرياضيات، وهكذا، وبالتالى تستطيع تنمية قدرات هؤلاء الطلاب منذ البداية فى الاتجاه المفضل لهم، ولذلك فإن ألمانيا دولة تؤمن بالتخصص، وهم لن يستطيعوا فعل ذلك إلا إذا اكتشفوا قدرات الطالب منذ البداية.

وهل تعتقد أن النظام التعليمى الجديد المعتمد على التعليم الذاتى يمكن أن ينجح فى مصر؟
- يشير بإصبع السبابة قبل أن يقول: نحتاج لشيء واحد فقط، هو الصبر، لأننا نسعى لتغيير ثقافة متجذرة فى نظام تعليمى ينظر للطالب على أنه متلقى فقط..وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة قبل أن يضيف: هذه الثقافة مثلا ظهرت فى أزمة كورونا عندما تم اقرار الأبحاث بديلا للامتحانات، فكان هناك من يتخصص فى بيع الأبحاث، وذلك لأن الطالب تعود فقط على التلقي، وأذكر عندما كنت معيدا بالكلية، كان هناك طلاب بالسنة الأولى يسألون عن الدروس الخصوصية بالجامعة، وهذا أمر كان يحزننى جدا، لأن «الخطاب يظهر من عنوانه»، فهذا طالب ليس لديه استعداد لبذل جهد.

وأنت ابن هذا التعليم التقليدى كيف استطعت التكيف مع الوضع فى الغرب؟
- تعود مشاعر التحدى إلى وجهه قبل ان يقول وقد أغلق قبضة يده اليمنى: لن أقول شعارات، فقط ما عليك إلا أن تسعى و تبذل الجهد لتعويض الفارق بين ما تعلمته فى مصر وما  يوجد بالغرب، وعندما تفعل ذلك ستنجح وتتجاوز أبناء الغرب أنفسهم، ودائما ستجد المكافأة من الله على ما بذلته من جهد، وستحدث لك نجاحات لم تكن تتوقعها،  مثل اهتمام الإعلام ببحثى الأخير.

و هل كنت تخطط لهذا المسار الذى سلكته فى حياتك المهنية؟
-  كان حلمى أن أدرس الدكتوراة فى كندا، ولكنى وجدت منحة لدراسة الدكتوراة فى جامعة «دريسدن» بألمانيا، ومن الأمور الجيدة فى حياتى المهنية، والتى تؤكد ما قلته لك أنك عندما تبذل الجهد ستجد المكافأة الربانية، أن أحد المشرفين فى رسالة الماجستير الخاصة بي، وهو أستاذ ألمانى كان يقوم بالتدريس فى الجامعة الألمانية بالقاهرة، عندما عرف أنى قدمت على منحة فى جامعة «دريسدن» أصر على السفر معى إلى ألمانيا لتقديم الدعم لي، ثقة فى قدراتي.

أزمة كليات العلوم

بما أننا نعيش هذه الأيام أجواء امتحانات الثانوية العامة، هل كنت تخطط لدخول كلية العلوم التى لا ينظر لها على أنها من كليات القمة أم أن مجموع درجاتك هو الذى قادك للدراسة بها؟
- كنت فى الثانوية العامة بقسم علمى رياضة، وحصلت على مجموع يؤهلنى للالتحاق بكلية الهندسة، ولكن كانت لدىّ رغبة فى الدراسة بكلية العلوم، التى أراها مظلومة إعلاميا، ويجب على الإعلام أن يبذل جهدا فى توضيح أهميتها وقيمتها، فكل شيء فى هذه الحياة أساسه العلوم.

ربما لا يهتم بها الطالب بسبب  سؤال «هشتغل ايه بعد التخرج»؟
- المشكلة أن الطالب يظن أن شهادة الجامعة هى كل شيء، فالشهادة الآن ورقة ضمن أوراق كثيرة مطلوبة، ويجب على طالب الجامعة أن يعمل على تطوير ذاته، وعندها يمكن أن تؤهله الكلية لوظائف كثيرة.

وما هى نصيحتك لمن يريد  أن يصل لما حققته من نجاح؟
- يشير بإصبعيه السبابة والوسطى قائلا: هناك أمران، الأول: ابذل مزيدا من الجهد فى تطوير ذاتك، فمثلا ما درسته أنا فى علوم الفيوم، وجدت غيره تماما بالخارج، لأن هناك تطورا كبيرا حدث لم يصلنا بعد، فالتعليم بعلوم الفيوم هو الأساس الذى تم البناء عليه، ولكن تجد طالبا لا يهتم بالأساس ثم يجد لنفسه أكثر من شماعة لتعليق أسباب فشله عليها.  
والأمر الآخر، هو مساعدة الغير، فالقاعدة التى أسير عليها هى « ساعد تساعد»، وفى حياتى أكثر من قصة تؤكد هذا المعنى، فعندما كنت أجرى أبحاث ما بعد الدكتوراه فى جامعة لييج ببلجيكا، كان رئيس الفريق البحثى الذى أعمل معه مشغولا بكيفية توفير محل إقامة لطالب مكسيكى سيصل من بلده اليوم، فعرضت عليه أن يقيم معى فى مسكنى لحين توفير مسكن له، وبالفعل ذهبت للمطار واستقبلته ثم اصطحبته لمسكني، وكان الجزاء من جنس العمل فى أمريكا بعد خمس سنوات، حيث كنت مشغولا بكيفية توفير اقامة عند انتقالى لهارفارد، فعرض على هذا الطالب المكسيكى المساعدة من خلال شقيقه الذى يقيم فى أمريكا، والذى استقبلنى فى المطار وفعل معى ما فعلته مع شقيقه.

العمل الجماعى

ربما يكون الدرس المستفاد من هذه القصة أيضا أنك ساعدت هذا الشخص دون النظر إلى ديانته وجنسيته؟
- يومئ بالموافقة قبل أن يقول: بالضبط، هذا ما حدث معى عندما ذهبت لألمانيا أول مره، فقد استقبلنى استاذى فى المطار ووفر لى إقامة مؤقتة، فروح التعاون والعمل الجماعى تجدها هى السائدة فى المجتمع العلمى بالغرب، وهذا ما ينقصنا فى مصر.

هذا فقط ما ينقصنا؟
- يومئ بالرفض قبل أن يقول: ينقصنا أيضا الإمكانيات، وان تكون هناك خطة واضحة للإنجاز ويتم تسخير كل الإمكانيات لتحقيقها، فأذكر مثلا عندما ذهبت للصين، جاء وزير التعليم فى المقاطعة التى يوجد بها المركز الذى كنت أعمل به، وقال أن خطتنا أن يكون أهم مركز فى العالم بعد خمس سنوات، وبالفعل تحقق هذا الهدف.  

وهل ينقصنا أيضا تغيير طريقة تدريس العلوم ؟
- بالقطع، فتدريس العلوم ينقصه الجانب العملي، ويجب ايضا تطوير مناهج العلوم، لأن الطالب لا يزال يدرس تجارب عتيقة تجاوزها العالم منذ سنوات.

وما الذى يمنع تطوير مناهج العلوم؟
- لا أعلم، ويجب ان نبذل جهدا فى هذا الإطار، لاسيما أن الموضوع ليس صعبا، ولكن الحقيقة فإن مدينة زويل بمصر تتميز مناهجها بأنها مسايرة لما يحدث بالخارج.

 هل يمكن أن يعود الدكتور محمود عبد الحفيظ إلى مصر قريبا؟
- لم أهجر مصر رغم ابتعادى عنها مكانيا، فهى فى قلبي، وجزء من يومى مخصص لمساعدة الطلاب المصريين، فكما قلت لك سابقا فإن وجودى بالخارج يمكن ان يكون مفيدا أكثر، ومع ذلك فإن لدى مشروع أخطط له مع الجامعة اليابانية فى مصر لانشاء معمل متخصص فى المواد فائقة التوصيل الكهربائي، لأن أحد أحلامى هو انشاء مدرسة علمية متخصصة فى هذا المجال بمصر.

أخيرا: ما الذى تفتقده فى مصر وأنت تقيم فى الخارج منذ سنوات؟
- يقول وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة: أفتقد الروحانيات فى المناسبات الدينية وأفتقد لمة العائلة يوم الجمعة، ولكنى والحمد لله أحرص على الإلتزام بالمبادىء والتقاليد التى تربيت عليها، فالتزام فى أداء الصلاة، وأحرص على أداء صلاة الجمعة، فأنا تربيت على أن أضع الله سبحانة وتعالى أمامى فى كل تصرفاتي.

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي