وتنساب يا نيل حراً طليقاً

مصر تحصد نتائج دبلوماسيتها الرشيدة فــــى مجلس الأمـن

مصر نوعت علاقاتها الدولية
مصر نوعت علاقاتها الدولية

«وتنسابُ يا نيلُ حراً طليقاً لتحكى ضِفَافُكَ معنى النضال»، بيت من النشيد الرسمى للقــوات المسلحة المصرية، للشاعر فاروق جويدة، ظهر على غلاف الكلمة التى  ألقاها وزير الخارجية سامح شكرى، أمام مجلس الأمن، الأسبوع الماضى، بشأن سد النهضة الإثيوبى، ولخّص هذا البيت الكثير بشأن موقف مصر من الأزمة، بما يجعلنا واثقين من أن إرادة هذا الوطن لن تلين أمام العناد والمكابرة، وستتمسك مصر بمكتسبات ومقدرات شعبها العظيم.

وفى هذا الملف، الذى أعدته «آخرساعة»، إطلالة على القضية التى تشغل بال المصريين منذ عقدٍ من الزمان، مع إلقاء الضوء على أهمية نهر النيل كشريان حياةٍ لأرضنا الطيبة منذ فجر  أعظم حضارة عرفتها الأرض.

وفى السياق أيضاً، استعراضٌ لآراء خبراءٍ بشأن الدور البارز الذى لعبته الدبلوماسية المصرية فى  القضية، والتأكيد على أن جلسة مجلس الأمن ليست نهاية المطاف.

أياً كانت السيناريوهات المرتقبة، يجب أن يُترك الأمر لأهله، فمَنْ يدير الدفة، ومن ورائه جيش مصر العظيم، سبق أن وضع خطوطاً حُمرا حسم بها ملفات شائكة، ولا نظن أن الخط الأحمر الذى  خصّ به حقوق مصر التاريخية فى  مياه النيل سيقدر أحدٌ على تجاوزه.

سيبقى نيل مصر حراً طليقاً.. وستبقى مصر.

أحمد جمال

حققت الدبلوماسية المصرية جملة من المكاسب المهمة من خلال طرح قضية سد النهضة أمام مجلس الأمن، الأسبوع الماضي، فى جلسة (حضورية) أى شهدت حضور أعضاء المجلس بخلاف الجلسة الافتراضية التى عقدها المجلس قبل عام تقريبًا لمناقشة الأزمة ذاتها بسبب انتشار فيروس كورونا، أبرزها وضع المجتمع الدولى أمام مسئولياته كاملة فى حال لم يكن هناك ضغط على إثيوبيا للوصول إلى اتفاق قانونى ملزم، وإثارة نقاشات دولية واسعة حول قضية السد باعتبارها تشكل تهديداً داهماً للأمن والسلم الدوليين.

لم تصل مصر إلى قدرتها على دفع المجتمع الدولى لمناقشة أزمة سد النهضة فى مجلس الأمن مرتين خلال عام واحد من فراغ، فعلى مدار السنوات الماضية تحركت الدبلوماسية المصرية سواء كان ذلك على المستوى الرئاسى أو مستوى وزارة الخارجية وغيرها من الجهات المطلعة بالشأن الدولى فى مسارات مختلفة، وعمدت على بناء علاقات راسخة مع دول القارة الأفريقية إلى جانب المحيط العربي، ما أعطى التوجه المصرى نحو إثارة القضية دولياً زخماً كبيراً قاد فى النهاية للانصياع لوجهة النظر المصرية رغم محاولات إثيوبيا عرقلة انعقاد الجلسة.

طغى على التحركات المصرية عامل الصبر الاستراتيجى والحسم، فلم تنخرط فى الصراعات التى شهدها العديد من الدول العربية والأفريقية طيلة السنوات الماضية، وكانت تدخلاتها إصلاحية بالأساس ودعمت مؤسسات هذه الدول بما يقوِّض محاولات تفكيكها، ونوَّعت علاقاتها مع قوى إقليمية مهمة، وضاعفت تحالفاتها الاستراتيجية مع دول ظلت بعيدة عن دائرة الاهتمام مثل قبرص واليونان ودول جنوب الساحل والصحراء بأفريقيا والقوى الصاعدة فى الشرق وفى القلب منها الصين.

وفى الوقت ذاته، أبدت حسمًا فى القضايا التى كانت بحاجة إلى لغة وتعامل خشن وحاسم، وظهر ذلك حينما وضعت خطاً أحمر فى ليبيا (سِرت-  الجفرة)، وخطاً أحمر ثانياً فى إقليم المتوسط فى مواجهة أطماع تركيا، وأخيراً الخط الأحمر فى أزمة سد النهضة، وتشير الشواهد إلى أنها ماضية فى فرض هذه الخطوط وعدم التهاون مع أى محاولات لتخطيها.

وأثبتت الدبلوماسية المصرية للمجتمع الدولى أن تحركاتها لا تخرج عن المبادئ والمواثيق الدولية، وأن لديها جملة من التحالفات الدولية التى لديها قناعات مهمة بوجهة النظر المصرية تحديدا باتجاه سد النهضة بعد أن طبقت الصبر الاستراتيجى بشكل محكم فى تلك القضية من خلال الانخراط فى المفاوضات لسنوات عديدة بجانب تسويق الرؤية المصرية على نطاق واسع، وتدشين اتفاقيات تعاون مشترك مع غالبية دول القارة لإثبات حُسن النوايا، ما ضاعف الضغوطات على أديس أبابا التى حاولت بشتى الطرق عرقلة انعقاد جلسة مجلس الأمن الأخيرة.

وكان من نتائج الجهود المصرية تقديم تونس باعتبارها عضواً غير دائم فى مجلس الأمن مشروع قرار يتضمن أن يطلب مجلس الأمن من مصر وإثيوبيا والسودان استئناف مفاوضاتهم بناء على طلب كل من رئيس الاتحاد الأفريقى والأمين العام للأمم المتحدة، لكى يتوصلوا، فى غضون ستة أشهر، إلى نص اتفاقية ملزمة لملء السد وإدارته، على أن تمتنع إثيوبيا عن الاستمرار من جانب واحد فى ملء خزان السد، وهو القرار الذى رأته مصر متوازناً.

ويؤكد الدكتور مختار غباشي، نائب رئيس المجلس العربى للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الحراك الدبلوماسى على مستوى الأفريقى يعد الأبرز خلال السنوات الماضية، سواء كان على مستوى الرئاسة أو وزارة الخارجية، وأضحت مصر دولة فاعلة فى علاقات الدول الأفريقية بالقوى الإقليمية العظمى وشاركت فى كافة المؤتمرات التى نظمتها كل من ألمانيا وروسيا وفرنسا والصين مع أفريقيا.

وأضاف لـ"آخرساعة"، أن الرمزية التى تؤكد فعالية الدور المصرى فى القارة تتمثل فى تولى مصر رئاسة الاتحاد الأفريقى عام 2019، وقدمت أداءً دبلوماسياً مختلفاً عن كثير من الدول التى توصلت للمنصب ذاته، كما أن جهود الاقتصادية وطرحها منطقة التجارة المشتركة بعثت برسائل للمجتمع الدولى بأن القارة لن تقبل أن يتم النظر إليها من الدول الغربية كمعبر للاستفادة من مواردها أو الاستفادة من كتلها التصويتية فى المحافل الدولية البالغة (55 دولة)، وعبَّرت مصر عن حاجة القارة للصناعات الاقتصادية والاستثمارات الكبيرة.

وأشار إلى أن مصر تمكنت من بناء شبكة علاقات دبلوماسية واسعة فى اتجاهات مختلفة جميعها يصب فى خدمة الأمن القومى المصرى ومؤشرات تهديده، حيث دشنت "منتدى غاز شرق المتوسط" ورسَّخت تحالفها مع قبرص واليونان للاستفادة من حقول الغاز وتضييق الخناق على الأطراف الساعية للتعدى على تلك الحقوق، وهو ما يقود لأن تكون مصر عموداً رئيساً ضمن أعمدة الشرق المتوسط فى اكتشاف الغاز وتصديره للخارج.

وأوضح أن مصر تعاملت بحكمة مع قضايا العالم العربى الملتبسة وظهر نجاحها فى التعامل مع الأزمة الليبية وفرض خط أحمر لم يستطع أحد تجاوزه وهو ما هيأ الأوضاع للتهدئة وتسوية الصراع رغم وجود منغصات عديدة تحاول الالتفاف على المكاسب التى حققتها مصر لوحدة واستقرار ليبيا، إلى جانب أنها كانت على خط المواجهة خلال التصعيد الأخير بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، واستطاعت الوصول لتهدئة فى وقت وجيز واستكمال ذلك بدخول المعدات المصرية لقطاع غزة لإزالة أثر العدوان ومواصلة جهود تحقيق المصالحة الفلسطينية.

وأكد السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق، أن فعالية التحركات المصرية الدولية فى اتجاهات مختلفة انعكست على التأييد العربى المطلق للموقف المصرى من أزمة سد النهضة، إلى جانب تأييد عدد كبير من الدول الأفريقية التى لم تكن فى السابق منحازة للرؤية المصرية من أزمة المياه.

وشدد فى تصريحات لـ"آخرساعة"، أن مصر تعاملت مع أزمة سد النهضة بحنكة كبيرة وتدرجت فى لهجتها التصعيدية وبياناتها بشأن تلك الأزمة إلى وصلت للخطاب القوى الذى ألقاه وزير الخارجية سامح شكرى أثناء جلسة مجلس الأمن، وأن مصر تعاملت مع كل مرحلة بخطاب يناسب شكل الأزمة خلالها ومدى تطوراتها، ولم تنجرف إلى تصريحات من الممكن أن تُحسب عليها.

وأضاف أن كلمة الوزير سامح شكرى فى مجلس الأمن جاءت قوية ومنضبطة ومحكمة وعكست قدرة مصر على إيصال وجهة نظرها إلى قوى إقليمية مختلفة مشيداً بقدرتها على صياغة خطاب بهذه الحنكة والذى أشرف عليه مجموعة من أكفأ الدبلوماسيين داخل وزارة الخارجية، مشيراً إلى أن أى خطاب فى مجلس الأمن يكون دقيق للغاية لأن كل كلمة لها وزنها وإشاراتها التى تعبر عنها.

يذهب العرابى للتأكيد على أن مصر نجحت فى إقناع قوى فاعلة عديدة بالمجتمع الدولى بوجهة نظرها، لكن يظل هناك فرق بين الاقتناع بالقضية والمحددات الخاصة بهذه الدول والتى تتحرك فى إطارها، وليس من الضرورى أن يتحول الاقتناع إلى موقف صلب وهناك تداخلات فى العلاقات الدولية تجعل كل قضية تعالج بنهج محدد.

وقال الدكتور أكرم حسام، الخبير فى الأمن الإقليمي، إن مصر توجت جهودها الفاعلة خلال الفترة الماضية بجملة من المكاسب حققتها جلسة مجلس الأمن الأخيرة، لأن وزير الخارجية سامح شكرى شرح الموقف المصرى بكل تفاصيله وأثبت أن مصر قدمت كل ما يلزم خلال المفاوضات، وأكد انفتاح مصر على أى مفاوضات قادمة شريطة أن تكون فى سياقات جديدة سواء كان ذلك برعاية الاتحاد الأفريقى أو أى طرف آخر، وهى بالأساس مبادئ راسخة لدى الدبلوماسية المصرية منذ عدة سنوات.

وأكد فى تصريحات لـ"آخرساعة"، أن مصر نجحت فى وضع قضية سد النهضة أمام وسائل الإعلام الدولية التى عرضت القضية للمرة الثانية، وإن كان من المنتظر أن يكون التركيز باستفاضة أكبر ولكن فى كل الحالات هناك وضع أفضل الآن بعد أن شعر المجتمع الدولى أن هناك إمكانية لوقوع نزاع فى منطقة شرق أفريقيا، وأضحى الآن لدى مجلس الأمن وثيقة مودعة تتضمن الخطاب المصرى الذى استمعت إليه كل الدول الأعضاء، وهو مكسب آخر حققته الجهود الدبلوماسية، لأن الرسالة وصلت بأن هناك جدية مصرية لاستخدام كافة أساليب الدفاع المتاحة للحفاظ على حقوقها.

وأشار إلى أن المكتسب الثالث يتمثل فى أن المجتمع الدولى أدرك أن هناك تماثلا واضحا فى الموقفين المصرى والسودانى بعد أن روجت دوائر عديدة فى أن السودان لديه موقف يختلف عن مصر، فى حين أن كملة وزيرة الخارجية السودانية، مريم الصادق المهدى دعمت ما ذهب إليه الخطاب المصرى والذى أثبت أن إثيوبيا دولة لديها نوايا مراوغة وليس لديها رغبة فى الوصول إلى اتفاق يخدم مصالح الدول الثلاث.

وتوقع أن يكون السيناريو المقبل هو دخول البلدان الثلاث فى مفاوضات جديدة ولكن على أسس جديدة إذ إن المجلس قد يساهم بخبراته الفنية على نحو أكبر لإنجاح المباحثات، بعد أن أثبتت مصر للرأى العام العالمى أنها ليست ضد تنمية إثيوبيا وهو ما سيضاعف الضغوطات على أديس أبابا التى ستكون مطالبة بإثبات جديتها هذه المرة.

وأكد أن موقف مجلس الأمن من الأزمة المتوقع إصداره خلال فترة تتجاوز ما بين أسبوع إلى عشر أيام سواء كان من خلال قرار أو توصية من المتوقع أن تكون توافقية وأن كلمات الخمس الكبار فى الجلسة الأخيرة تعبر عنها أنها تسعى لمراعاة مصالح وشواغل الدول الثلاث.

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي