حديث الأسبوع

وتبقى الأسئلة المحرجة معلقة إلى حين لا نعلم مداه

عبدالله البقالى
عبدالله البقالى

أن تدعو منظمة الأمم المتحدة إلى خطة عالمية للزيادة فى إنتاج اللقاحات المضادة لفيروس كورونا المستجد، لتمكين تحقيق سقف معقول، مما يمكن أن نسميه بالعدالة فى اللقاحات بالنسبة لجميع البشر، بغض النظر عن جميع أشكال التمييز من لون أو عرق أو جغرافية، بالنظر إلى حجم الاختلالات المسجلة لحد الآن فى توزيع هذه اللقاحات، لضمان الأمن الطبى فى العالم، حيث إن الدول العظمى ألقت بجميع مبادئ وقيم التضامن والتآزر العالمى جانبا وركزت كل اهتماماتها وجهودها لحد الآن على توفير الأمن اللقاح القطرى أو الوطنى، مما أفضى إلى سيادة مظاهر احتكار خطيرة جدا كشفت عن الوجه الآخر لنظام عالمى لا يعترف إلا بالقوى الذى يملك سلطة التحكم فى مسار وتوجهات و أهداف هذا النظام .
أن تبادر الأمم المتحدة من خلال أمينها العام بالدعوة إلى وضع خطة عالمية لمضاعفة إنتاج اللقاحات وتعزيز المساواة، إذ قال فى رسالة وجهها أخيرا إلى العالم «إن العالم بلغ اليوم وضعا قاتما فى سياق جائحة كوفيد-19، فقد وصل عدد من فقدوا حياتهم بسبب الفيروس أربعة ملايين شخص، وهذه حصيلة مأساوية تفوق تعداد سكان دولة واحدة من بين كل ثلاثة بلدان على وجه الأرض، فذلك مؤشر من المؤشرات الكاشفة عن فشل المجتمع الدولى فى مواجهة هذه الجائحة العالمية من خلال إرادة دولية موحدة، تضع تحقيق الأمن الصحى العالمى كأولوية فى المرحلة الصعبة والدقيقة التى يجتازها العالم بسبب أزمة صحية طارئة» .
أن تدعو الأمم المتحدة دول العالم إلى مضاعفة إنتاج اللقاحات، فهو اعتراف وإقرار واضح بأن الكميات المنتجة من مختلف أنواع اللقاحات غير كافية، وتخضع فى تسويقها وتوزيعها إلى اعتبارات وشروط غير التى يجب إعمالها والاعتماد عليها فى مواجهة أزمة عالمية تعنى جميع البشر فى العالم، و تؤشر على أن التوزيع والتسويق يتم على أساس مراعاة وضمان المصلحة الوطنية أولا بما يفرغ شعارات التضامن العالمى، ويحولها إلى قوالب جاهزة صالحة فقط للترويج الإعلامى، وعلى المنطق التجارى الصرف الذى يضع تحقيق أعلى مستويات الربح المالى فى المقدمة، وأيضا على أساس تدبير المصالح الاقتصادية فى نظام اقتصادى عالمى بالغ التعقيد بما أضحى يعرف بـ(الديبلوماسية اللقاحية)، حيث يبدو أن امتلاك اللقاحات سيصبح أهم وأخطر من امتلاك أسلحة الدمار الشامل، باعتبار أن حروب المستقبل، لم تعد حروب مياه، ولا حروبا عسكرية مباشرة تعتمد على أنواع الأسلحة الأكثر دمارا للعالم، ولكنها قد تكون حروبا بيولوجية صرفة تعتمد على خلق الفيروسات والمكروبات وإطلاقها، ولا يمكن مواجهتها والتصدى إليها إلا عبر امتلاك القدرة على صناعة لقاحات مضادة فى أسرع فترة ممكنة .
و الواقع، فإن أدوار منظمة الأمم المتحدة ، وباقى المنظمات الدولية المتخصصة والمتفرعة عنها، لا يمكن أن تقتصر على تقديم النصائح ولا إرشادات تهم السلوك البشرى فى المواجهة، من قبيل تدابير تهم التباعد الاجتماعى والتعقيم وارتداء الكمامات والتنظيف، فهذه أدوار من المفروض أن تقوم بها المنظمات غير الحكومية، ولا حتى الدعوة إلى اعتماد خطة لزيادة إنتاج اللقاحات المضادة لفيروس من الفيروسات، بل إن مسئولية المنتظم الأممى، ومنظماته المتخصصة الموازية والتابعة لها تفرض عليها التقدم بخطوات، بل بمساحات كبيرة و شاسعة.
فالرأى العام العالمى فى حاجة ملحة وماسة اليوم إلى فهم ما جرى أولا، من قبيل التساؤل كيف استفاق العالم فى يوم من أيام هذا الزمن الصعب على خبر وجود فيروس فتاك دمر الاقتصاد والبشر؟ فهل خرج من رحم خطأ مهنى من المختبرات العلمية المتخصصة فى عالم الفيروسات، وتسلل إلى العالم من هفوة علمية ناتجة عن تقدير بشرى خاطئ؟ أم أنه من صناعة جهة ما استخدمته لتدبير علاقات دولية متشابكة ومتضاربة بين القوى العظمى؟ أو أنه خرج إلى الوجود من عادات استهلاكية ليست مراقبة، وتمكن من الانتقال من عالم الحيوانات إلى البشر؟ ثم كيف تمكن هذا الفيروس من أن يمتلك قدرة فائقة على التحول من جنس إلى آخر وإلى زيادة السرعة فى العدوى والانتشار؟
هذه أسئلة ملحة فى حاجة إلى أجوبة مقنعة، والتى لا يمكن صياغتها إلا عبر القنوات العلمية والتقنية المتخصصة، والمنظمات الدولية المنوط بها حماية الحياة البشرية والمختصة فى هذا الصدد، بل من واجبها القيام بهذه المهمة المستعجلة. فلا أحد يمكنه أن يقنع الرأى العام الدولى، أن هذه القوى العظمى فى العالم التى تتحكم فى جميع المعلومات السائدة، وبمقدورها معرفة تفاصيل الأوضاع العالمية، ورصد تصرفات بشرية صغيرة من خلال تجهيزات مراقبة جد متطورة، من أقمار اصطناعية، وأنظمة تجسس دقيقة ومتطورة، عجزت لحد الآن عن رصد ما حدث وفهمه وتفسيره، وتوفير أساليب ومؤهلات التصدى والمواجهة .
ثم إن مناشدة القوى العظمى فى العالم لتكثيف إنتاج اللقاحات لسد الخصاص الكبير المسجل فى هذا السياق، لن تتعدى كم حاجة قضيناها بتركها لدى الجهات المعنية بهذه القضية، إذ لم يتجاوز الأمر مجموعات كلمات وتعابير خطت بمداد أسود فوق بياض أوراق، فى حين تظل الأسئلة المحرجة التى لن يستقيم الوضع دون صياغة أجوبة مقنعة عنها معلقة إلى حين آخر، لا أحد يدرك مداه ولا حدوده .
وفى ضوء كل ذلك تبقى مناطق ظل كثيرة وشاسعة سائدة، مما يعنى استمرار اللبس والغموض فيما تعيشه البشرية من ظروف صعبة وحرجة.
نقيب الصحفيين المغاربة

 

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي