ربع قرن على رحيل الرجل «الطيب».. عاطف

المخرج عاطف الطيب
المخرج عاطف الطيب

 

كتب محمد الشماع

» هل تتذكره مؤسسات السينما فى مصر ومهرجاناتها الحالية أو المقبلة؟
» انحاز المخرج الراحل للمواطن.. وصرخ فى وجه مجتمع عانى من فساد «الانفتاح»
» قدم 21 فيلماً فى 15 عاماً.. فصار أحد أهم مخرجى المدرسة الواقعية الاجتماعية


في مثل هذا اليوم منذ ربع قرن، وتحديداً في 23 يونيو من العام 1996، رحل عن عالمنا المخرج عاطف الطيب، عن عمر لم يتجاوز حينها الـ48، تاركاً إرثاً سينمائياً عظيماً ومهماً، نتحاكى ونتباهى به، وستتحاكى وتتباهى به الأجيال من بعدنا.
عاطف، كان النابه المحبوب الذكي الذي توافته المنية في سن مبكرة، فيطلق الوجدان الشعبي عليه لفظ «ابن موت». ذهب الرجل الطيب لمرقده بعد أن قضى عمراً قصيراً قضى معظمه في رسم أحلام البسطاء في السينما. لقد تسرب الصدق في أعماله وتدفقت روحه الدافئة في كل مشهد ولقطة قدمها على الشاشة الكبيرة.. يقولون عنه إنه رائد الواقعية الحديثة أو واقعية الثمانينيات والتسعينيات، ولكن قيمته الحقيقية اكتسبها من هذا الإجماع العجيب من كل من عرفه أو عمل معه أو حتي شاهد أعماله، إنه بالفعل كان وجهاَ مشرقاً لفن رفيع، ورسولاً صادقاً للمواطن البسيط. ولد «الطيب» في 26 ديسمبر عام 1947 وتخرج في قسم الإخراج بالمعهد العالي للسينما وكان ذلك عام 1970، بدأ حياته الفنية مخرجًا للأفلام التسجيلية وأولها كان فيلم «جريدة الصباح» ثم عمل مساعدًا للإخراج لمدة تسع سنوات كاملة، فساعد شادي عبدالسلام في أفلامه التسجيلية، وعمل مع يوسف شاهين في بعض أفلامه، كما عمل مساعدا في أفلام أجنبية عديدة والتي تم تصويرها في مصر، حتي بدأ في إخراج أول أفلامه الروائية «الغيرة القاتلة» عام 1982 وتوالت بعدها الأعمال والنجاحات.
ارتبط اسمه ارتباطاً مباشراً ووثيقاً بقضايا المواطن المصري البسيط وبحقوقه التي كفلتها الحياة له، ولذلك فقد كانت ولا تزال أغلب أعماله مثيرة للجدل النقدي وغير النقدي لما تتطرق إليه من قضايا تتعلق بالحريات العامة والخاصة علي السواء، وقضايا الحرب ضد الاستعمار بجميع أشكاله، وأيضا القضايا التي تخص العلاقة بين المواطن والسلطة، وهو ما يمكن أن نلاحظه في الكثير من أفلامه مثل «التخشيبة» و«الزمار» عام 1984 والذي لم يعرض علي الجمهور بل تم عرضه في عروض خاصة، رغم اشتراكه في مهرجان موسكو عام 1985 ومهرجاني برلين والقاهرة، وكذلك فيلم «ملف في الآداب» و«الحب فوق هضبة الهرم» و«البريء» عام 1986، و«كتيبة الإعدام» عام 1989، و«الهروب» عام 1991، و«ناجي العلي» عام 1992، و«ضد الحكومة» عام 1992.


ورغم السنوات القليلة التي قضاها عاطف الطيب في السينما المصرية (1982 - 1995) إلا أن هذه الفترة القليلة كانت كفيلة بالتأثير الكبير الذي تركه علي السينما بالأفلام المتميزة التي قام بإخراجها، تلك الأفلام التي تناولت واقع المواطن المصري المأزوم. إن المتتبع لأفلام عاطف الطيب يجدها تسير في هذا المحور «الأزمة والقهر ـ رد الفعل الناتج عن هذا القهر»، ففي أقل من 15 عاما أخرج لنا الطيب 21 فيلما سينمائيا كلها أو الغالبية العظمى منها تسعى إلى الصدق في التعبير عن هذا المواطن، فقد استطاع أن ينسج من عناصره الفنية صورة تحاكي الواقع المصري، وقد عاونه في ذلك كتاب بارزين أهمهم بشير الديك ووحيد حامد وأسامة أنور عكاشة، لقد شغلتهم نفس القضية وأرقتهم.


وبالنظر إلى فيلم «سواق الأتوبيس» والذي تم اختياره في المرتبة الثامنة ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في السينما المصرية فيمثل قهرًا اجتماعيًا وأخلاقيًا في العلاقات الإنسانية أثناء عصر الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات من خلال شخصية «حسن» أحد أبطال حرب أكتوبر الذي يصاب والده بالاكتئاب نتيجة تراكم الضرائب عليه وما يزيد علي ذلك تخلي ابنتيه عن مساعدته رغم ثراء زوجيهما، فيضطر «حسن» إلى العمل كسائق لتاكسي، هذه الأزمات المتلاحقة التي يعاني منها البطل في الفيلم جعلته بطلاً في واقع مأزوم سيطرت عليه أفكار مريبة فاضطر أن يتصدي لها لكنه لم يستطع إلا من خلال الشجار الذي حدث في نهاية الفيلم مع السارق الذي وجده في الأتوبيس ليمثل صرخة في وجه الأزمة التي عاشها المجتمع المصري في تلك الفترة.
ولم يختلف الحال كثيرا في فيلم «كتيبة الإعدام» تلك المجموعة التي أخذت علي عاتقها عبء تصحيح أوضاع خاطئة في المجتمع، أما فيلم «الهروب» الذي يحتوي على نقد صارخ للعديد من الممارسات الخاطئة في المجتمع المصري حيث هرب «منتصر» من واقعه في الصعيد إلي العمل في القاهرة فعمل في مكتب يتولى سفر العمالة إلي البلاد العربية وعندما اكتشف أن هذا المكتب يلجأ إلي التأشيرات المزيفة لفقت له قضية حيازة المخدرات فيدخل السجن وعندما يجد واقعا آخر مأزوما تمثل في إغواء صاحب المكتب لابنة عمه والذي عقد عليها قرانه قد استسلمت لـ «رجوات» التي دفعتها للانحراف، فيقرر الانتقام وبالفعل يقتل صاحب المكتب و«رجوات» ليواجه عوالم أخرى تدفعه وتتدافع معه إلي أن يصرعه رجال الشرطة وإلي جواره «سالم» ضابط المباحث وصديقه.


لقد اختار عاطف الطيب زمنًا محددًا لمعظم أفلامه، وهي الفترة التي امتدت منذ عصر الانفتاح وحتى وقت رحيله، فقد ناقش الطيب مجموعة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أفرزتها مرحلة الانفتاح وما بعدها والتي طرأت بشكل مفاجئ على المجتمع المصري وغيرت في كثير من القيم والأخلاقيات العامة، فالتفكك الأسري والتفسخ الأخلاقي للمجتمع في فيلم «سواق الأتوبيس» جاء نتيجة لهذا التغيير، هذا إضافة إلى التصرفات الشاذة التي ارتكبها البعض في فيلمي «ملف في الآداب» و«التخشيبة» وغيرهما، أما فيلم «الحب فوق هضبة الهرم» فيمثل أيضا هذه الطبقة المطحونة التي عانت خلال فترة الانفتاح وبعدها، في حين أن فيلم «ناجي العلي» يعود بنا المخرج المدهش إلى عام 1948 عند نزوح أسرة ناجي إلي بيروت ثم الكويت وأخيرًا الاستقرار في لندن حتى اغتياله عام 1987، في هذا الفيلم الذي عاني فيه عاطف الطيب كثيرا وواجه نقدًا لاذعًا أراد مع السيناريست الكبير بشير الديك أن يرصدا حياة رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي الذي تفاعل مع الأحداث والسياسات العربية آنذاك من خلال رسوماته التي عجلت باغتياله.

 


هكذا أخذ «عاطف الطيب» علي عاتقه مهمة رصد التغيرات والتحولات التي طرأت على المجتمع العربي في وقت من الأوقات الغارقة في حياة الأمة العربية خصوصًا بعد حرب أكتوبر.
لقد برع الطيب في استخدام ممثليه لتوصيل فكرة بشكل واع وجميل، حيث استفاد من قدراتهم التمثيلية، بل إنه في بعض أفلامه اعتمد وبشكل أساسي على تلك القدرات الأدائية مثل أداء العبقري الراحل أحمد زكي في «الهروب» و«البريء»، وأداء نور الشريف في «سواق الأتوبيس» و«ناجي العلي»، ومحمود عبدالعزيز في «الدنيا على جناح يمامة»، لقد جعلنا نتعايش معهم ونتحرك بتحركهم ونتعاطف معهم إلي درجة التماهي، فمن المعروف عنه أنه حريص جدا في اختيار ممثليه وإدارتهم بشكل ملفت للنظر، حيث كان الممثل في أغلب أفلام عاطف الطيب في أفضل حالاته.

 


اليوم يمر ربع قرن على وفاته، فهل تتذكره المؤسسات الثقافية المعنية بالسينما في مصر؟، هل يتذكره القائمين على المهرجانات السينمائية التي جرت فاعلياتها هذه الأيام، أو الأيام والشهور المقبلة؟. نتمنى من الجميع أن يتذكروا رجل «طيب»، قدم الكثير لمصر، وللسينما، كأحد أهم فنون الفرجة الإنسانية.