حكايات من دفتر أحوال منتحرين «عائدين من الموت»

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

 

 

 

 

«كل الذين ماتوا قد نجوا من الحياة بأعجوبة» إحدى العبارات المتكررة  في أذهان من أرادوا التخلص من صراعات الحياة، وشعورهم المستمر بالفشل والهزيمة، فبعد عدة محاولات للتغلب على الألم ومحاربة أفكارهم السّوداوية تجاه كل ما حولهم  كان اختيارهم للانتحار الوسيلة الوحيدة للهروب فتساوى الموت والحياة لديهم ليختاروا من الانتحار وسيلة للتخلص من مشاكلهم مرة واحدة.

ولكن منحهم القدر فرصة للعودة مرة أخرى للحياة .العائدون من الانتحار يرون تجربتهم بعد مرور سنوات و كيف يواجهون الحياة من جديد.. 


اعتادت هند محمد -اسم مستعار- ذات الـ 20عاماً سماع  الكلام السلبي والسٌباب من والدتها حتى فقدت الثقة فى نفسها وفضلت الانعزال وفي عام 2019، وبعد ظهور نتيجة الثانوية العامة ورسوبها بمادة الكيمياء، توقعت هند أن تكون أسرتها أول الداعمين لها نفسياً لتخطى الشعور بالفشل لكن لا تعرف الأم معاني للدعم سوى أن تنهال عليها بالشتائم والدعاء ومعايرتها بالرسوب ووصفها بـ(الفاشلة).  

 وبعد ليلة طويلة من التعنيف ، كادت فقدان وعيها من كثرة البكاء والشعور بالذنب، لم ترى وسيلة للنجاة والتخلص من الضغوط سوى الانتحار. فسريعاً ما تبلورت الفكرة كالهشيم في النار، ولم تجد أنسب من دواء ضغط والدتها لتقرر تناوله وإنهاء حياتها.  

تقول هند «للأخبار المسائي»: بعد ساعات من التناول كنت في صراع مع  الموت، وسيطر على الشعور بالراحة النفسية، حتى فقدت الوعي تماماً، وتم نقلي لمركز السموم.

بعد مرور عامين من العلاج والتأهيل النفسي، استطعت تقبل ذاتى وتنمية قدراتى بما في ذلك تعديل سلوك والدتى.

اقرأ أيضا

 افهمونا! أصحاب الـ«ADHD»: «إحنا مختلفين.. مش فشلة»

حاولت تهاني أحمد -أسم مستعار- ذات الـ 28 عاماً إنهاء حياتها بعدما قرر أبيها رفض إتمام خطبتها لحبيبها وزميل دراستها منذ3 سنوات..

تحملت تهاني الضغوطات الدراسية من جهة ورفض المتقدمين لخطبتها من جهة أخرى متحججة يإنهاء دراستها أولاً و تحت مقولة ( أنا أبوكي وأدرى بمصلحتك كويس)، لتنتهي قصة الحب بمأساة، حيث  قررت الانتحار تحت عجلات إحدى السيارات وتم إنقاذها تروي تهاني قصتها قائلة: المقربون مني كانوا شايفني تافهة و أني وقفت حياتي عشان قصة حب، لكن لا أحد يدري مدى تأثر حالتي النفسية بإنهاء هذه القصةوبعد 5 أعوام من الحادث، أدركت خطورة ما فعلت وندمت عليه  فقد تيقنت أن الأشخاص ليسوا دائمين ويمكن البدء من جديد. 


بينما حاول (محمد. ع) 36 عاماً الانتحار بعدما تراكمت الديون عليه وفقدان عمله، وقيام خطيبته بفسخ الخطبة فقرر إنهاء حياته والانتحار بالقفز من الطابق الرابع.    

«سيجارة تلو الأخرى» يتذكر محمد لحظة الاندفاع وسيطرة الأفكار الانتحارية على رأسه بعد ليل طويل من التفكير في كيفية تسديد تلك المبالغ وهل سيجد فرصة عمل، حتى قرر القفز ولكن منحه القدر فرصة ثانية بعدما ألقى بجسده على إحدى السيارات الواقفة أسفل الشرفة ما تسبب له في كسور بالعمود الفقري، والنجاة بحياته.

اليوم وبعد مرور 10 سنوات، وامتلاك محمد لإحدى الكافيهات يقول «للأخبار المسائي»: كان درساً تعلمت منه لا شئ يستحق والحمد لله على النجاة.    


وفي تقرير «وقائع الانتحار في مصر» الصادر عن أحد المعاهد البحثية المستقلة في القاهرة، أشار إلى أن نسبة المنتحرين المصريين من الذكور تزيد أكثر من ضعف  الإناث، وأن الطلاب هم الأكثر إقدامًا على الانتحار مقارنة بغيرهم. ويرصد التقرير وقائع الانتحار في مصر خلال الفترة الزمنية من 2011 حتى 2017، حيث بلغ إجمالي الوقائع 1746 واقعة منها 283 واقعة شروع في الانتحار وحصد عام 2017 العدد الأكبر من الوقائع بإجمالي 422 واقعة منها 62 واقعة شروع في الانتحار، يليه عام 2015 بعدد 295 واقعة منها 31 واقعة شروع في الانتحار، بينما حصد عام 2011 العدد الأقل من الوقائع بإجمالي 152 واقعة منها 40 واقعة شروع في الانتحار. علماً بأن الذكور كانوا الأكثر إقبالاً على الانتحار بإجمالي 1245 واقعة بينما بلغ عدد وقائع الإناث  501 واقعة، أما عن وسائل الانتحار ذكر المرصد إن الانتحار شنقاً هو الوسيلة الأكثر استخداما بإجمالي 650 واقعة يليها القفز من مكان عالِ بإجمالي 311 واقعة، يليها ابتلاع المواد السامة بإجمالي 183 واقعة.وتعتبر منظمة الصحة العالمية الانتحار ثالث سبب للوفاة. 


وترى رضوى فتحي استشاري العلاقات الأسرية والصحة النفسية والسلوكية أن بعض محاولات الانتحار تكون بسبب العائلة من خلال تقليل وتسفيه مشاكل الأبناء والتقليل من شأن مشاعرهم لدرجة السخرية منها، ما يسبب لهم مشاكل نفسية تصل بهم نتيجة للفجوة بين قدرات الابن و بين توقعات  

وتابعت أن سلوكيات التربية الخاطئة من الآباء مثل الإهانات اللفظية للطفل في سنواته السبع الأولى تؤدي الى تكوين صورة ذهنية سلبية بأنه غير جدير بالحياة وتسبب له بعض الاضطرابات والأمراض النفسية مثل الاكتئاب في المراحل المتقدمة. وقد تكون المحاولات الفاشلة للانتحار سلاح ذو حدين فإذا تم التعامل معها بمنتهى المهنية وتم تعاون الأهل والمقربين منه وتفهم مشاعر الشخص المقدم على الانتحار فستكون النتيجة إيجابية جدا في تغيير نظرته للحياة، أما إذا تم إهانة هذا الشخص وتحميله بالكثير من مشاعر تأنيب الضمير والقهر و السخرية فاحتمالية تكرار المحاولة كبير.


الدكتور محمود الحبيبي، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس يرى أن محاولات الانتحار الفاشلة هي عامل من عوامل الخطورة للانتحار كونها مؤشر قوي لتكرار المحاولة فيما بعد، منوهاً أن قرار الانتحار في العموم قرار متردد سواء في الإقبال عليه أو التنفيذ أو الرجوع عنه، فكثير ممن حاولوا الانتحار وفشلوا تراجعوا عن القرار وقاموا بتغيير أرائهم، لذا يجب تصعيب وتهويل الانتحار على المواطنين وتعطيل من يفكر في ذلك قدر الإمكان حتى يتراجع، لأن الدراسات والأبحاث أن بعض الأشخاص تسعى إلى أخذ طريق لا جوع منه في تنفيذ عمليات الانتحار حتى لا تتردد.

لذا يجب عدم تقييم سبب الانتحار من وجهة نظر المقربين له، مع ضرورة أخذ كلام من يهدد بالانتحار بشكل جدي وعدم التسفيه أو التقليل منه، لأنه مؤشر على وجود أفكار انتحارية. 


وتشير دكتورة إيمان عبدالله استشاري علم النفس والعلاج الأسري، أن المجتمعات العربية لا تعترف بالطب النفسي والأمراض النفسية التي قد تدفع الإنسان إلى الانتحار، فالشخص لا يأخذ قرار الانتحار بشكل مفاجئ بل يحاول إظهار ذلك بطريقة مباشرة عن طريق الكلام والبوح أو بطريقة غير مباشرة عن طريق الأفعال حتى يقدم على فعلته، وهي غير مرتبطة بفئة أو عمر معين، لذا تقديم المساعدة الاجتماعية لهؤلاء الفئة ضرورة حتمية فيجب احتوائهم وعدم نبذهم ومساعدتهم في اكتشاف الذات مرة أخرى.