الشيخ إمـام.. صوت الوجع 

الشيخ إمام
الشيخ إمام

◄ حفظ القرآن فى التاسعة.. وصار نديمًا لـ «زكريا أحمد»
◄ كان من المحرمات الجلوس على القهوة وسماع الشيخ رفعت بالراديو
◄ غضبت أم كلثوم من تسريب أغنياتها بسببه
◄ أصبح واحداً من مريدى وأتباع الحريرى «لبدت فيه وقولت له أنا قتيلك وأريد أن أتعلم منك»
◄ صارت أغانيه مع نجم منشورات سياسية يومية.. ولكن لكل شىء «عمُر افتراضى»


كنا فى شتاء التسعينيات أمام باب نقابة الصحفيين المبنى القديم بالحديقة.. يدخل علينا رجل فى السبعينيات يحتضن عود وابتسامة رضا ونظارة سوداء نقف جميعا من رهبة صاحب الجسد النحيل يتحسس الكرسى، يجلس لا يفارق العود.. القاعة تستعد..  الهدوء يخيم علينا.. ينتهى عمنا من آخر سيجارة، ويعدل من جلسته ويبدأ فى الدندنة (جيفارا مات.. جيفارا مات.. أخر خبر فى الراديوهات.. وفى الكنائس والمساجد والشوارع والحوارى وعلى الهواء  البارات.. جيفارا مات جيفارا مات.. وأتمد حبل الدردشة والتعليقات ).. تتحول نغمات العود القديم إلى دوشمة محارب الكل مستعد للمعركة يعلو الصوت ويرتجف القلب ويزداد أنين الشجن، ويبقى حلم التغيير حنينًا يشق عتمة القهر ويعلن عن مولود من رحم أيام السواد.. لاتحتاج إلى استرجاع مفردات الذاكرة لتعرف صاحب الصوت، فقط نحتاج إلى إعادة كتابة تاريخ الوطن، سجل الخالدين ونعطى القيمة لصاحبها ربما نختلف ولكن يبقى البطل فارس فارد ضلوعه لحلم تغير الأمس يرسم بكرة ولديه إيمان غريب أن القادم مهما طال أجملًا..
الشيخ إمام صوت الوجع فينا صنع من عباية وجبة  وقفطان وعود قديم وحجرة فى حوش قديم أحلى حواديت وطن ناضل من أجل لحظة فرح.. عتمة الشيخ إمام نور لعيدان القمح فى غيطان حلم التغيير.


 
 النمرسى غلب العفريت 

ـ قرية أبوالنمرس التابعة لمحافظة الجيزة كانت بدايه الصرخة للطفل الصغير إمام 1918.. الأب يعمل فى بيع زجاج المصابيح بياع سريح يخرج من منزله الريفى الفقير جدا ومعه قفة الزجاج وأيام إجازة يشتغل فى غيطان القمح الزوجة لا عمل لها إلا صناعة (الخلفه)  قبل مولدها الصغير مات سبعة أولاد ولم يبق إلا إمام حتى بعد إنجابها اثنين، ظل إمام نور عينيها وأكثر الأولاد قربا إليها.. طار الخبر إلى الأب على حمارة عم خليل (افرح يا محمد جالك ولد) وفى نفس اللحظة باع كل زجاج المصابيح ودفع أجرة الداية وجلس بجوار الصغير.. امتلأ جدران البيت بهجة، وتغيرت حالة السكون..  شهور قليلة أصيب الصغير بالرمد الحبيبى،   لم يكن مسموحًا بالذهاب إلى الطبيب،  أعتقدو أنه (جلابى الفقر) خرافة صنعها حلاقو القرية فكان الاستعانة بهم وقد تسبب العلاج الخطأ فى فقد الصغير نور عينيه، وهى الحادثة التى اتسع حضن الأم أكثر للصغير وتعلقت به وتحول الحنان إلى تعويض للفقد.. امتلك الصغير عين أمه ليرى العالم من حوله الأب شديد القسوة لن يلتفت كثيراً هناك سعادة ودفء أمى.. قضى الصغير طفولته فى حفظ القرآن على يد شيخ الكتاب عبدالقادر ندا رئيس الجمعية الشرعية بأبو النمرس.. وهناك يحكى أن النمرسي الكبير هو من غلب العفريت ويرجع البعض تسمية القرية إلى اللغة المصرية القديمة التى تعنى (مكان العشق والغرام.. أتم الصغير حفظ القرآن وتجويده عند 11 سنة.. انشغل الصغير كثيرًا بغناء القرية وارتبطت المناسبة بالغناء عند جمع القطن.. الحج.. الأفراح حتى الذكر عند الموت.. نغمات يختزلها الصغير مدركاً أن هناك تجويداً آخر ممنوع ومحرم من قبل الجمعية الشرعية فقد يختلس لحظات يسمع فيها صوت عمته وهى تدندن فى صحن البيت الكبير (ع ورق الفل دلعنى).. اكتشف إمام موهبة السماع والدندنة من  نغمات العمات تسابق تقاليد الجمعية الشرعية.. اختلس الصغير لحظات يبتهل وينشد بنغمات تختلف عن نغمات المنشدين التقليدية ابتكار خاص بالصغير يقتل رتابة اللحن، هنا طلب منه مغادرة القرية إلى مقر الجمعية الشرعية بالقاهرة حى المغربلين ولم يندهش كثيراً فقد اعتاد الصلاة بمسجد الشيخ محمد رفعت بدرب الجماميز ويحكى الشيخ إمام لقاءه الأول (كنت أحب صوت محمد رفعت جدا، ولكن محظور عليا سماع صوته بالراديو، لأن الراديو حرام.. فكنت أذهب إليه مع عمى وهناك طلبت منه الاقتراب والسلام على الشيخ محمد رفعت عندها تحسس الشيخ رفعت يدى، ولم أعرف كيف وهو كفيف أن يدرك فقدان بصرى وسألنى هل حفظت القرآن سيكون لك شأناً عظيماً).
 
حرامى مقابر اليهود  
فى القاهرة جاء الفتى إمام بعد ختم المصحف ليبدأ تعليمه بالجمعية الشرعية على يد مؤسسها الشيخ محمود خطاب السبكى إمام الصوفيين والقطب الأشهر فى تعلم القرآن وتجويده.. تجرى الأيام حتى يبلغ الفتى ستة عشر ربيعا محفظا ومنشدا وصوت مبحوح رائع يبحث عن ضالته.. كان من المحرمات الجلوس على القهوة وسماع الراديو.. ضبط إمام متلبساً بسماع الراديو والجلوس على القهوة فخرج من جنة الجمعية الشرعية، ولم يكن بمقدوره  أبداً العودة للمنزل، هناك قسوة الأب والطرد من الجمعية بأبو النمرس قد سبق الخبر هناك لم يبق أمامه إلا الجلوس يوميا أمام سيدنا الحسين وليلا ينام داخل الأزهر ملفوف بحصير المسجد الكبير يتذكر إمام  (فى احدى المرات طلب منى شخص غريب الذهاب معه إلى عزبة عبد النور باشا لتلاوة القرآن، وفى الموعد المحدد لبست كل الجديد عندى من الجبة والقفطان والشال والعمة والحزاء الجديد، ويعلم الله من أين جاءت بهم ذهبت معه يسحبنى بعيداً.. ساعات حتى ابتعدنى إلى مكان خالى وكنا فى شهر بؤونه وبعد ساعة طلبت من التوقف ولكنى شعرت بريبة فى الأمر، طلب منى الاستراحة وخلع ملابسى والنوم حتى يأتى الباشا.. رفضت طبعا عنها وكان السلاح الأبيض فى جنبى سرق هدومى وهرب.. ظللت أبكى فترة حتى الصراخ حاولت المشى فى أى اتجاه دون جدوى ولكن كان القدر أحن إلى من البشر ظهر رجل خاف منى ظنى عفريت خرج من مقابر اليهود وبعد لحظات اصطحبنى إلى بيته فى كوم سلامة وأكرمنى لمدة ثلاث أيام كاملة بعدها أذن لى أن أعود إلى مكانى القديم. 

 

حوش قدم

اقترب الأسطى محمد بيومى مزين حارة حوش قدم من الفتى أمام الجالس على قهوة عاشور بمدخل الحارة طالبا منه قراءة بعض آيات القرأن على باب المحل للتبرك ومنع الحسد.. بدأ الشيخ إمام فى تلاوة آيات حتى أجتمع اسطوات وأبناء الحى من حلاوة صوت الشيخ القادم إليهم من رحاب الأزهر، لحظات وكان واحد من سكان حارة شق العروسة تجمع النمارسة حجرة صغيره بإيجار 8 قروش وعمل عند أهل الحى بنظام الشهرية (كل يوم يقرأ القرآن نظير راتب شهرى من كل بيت ومحل)، تغير حال الشيخ إمام واعتاد الجلوس بعد الشهرية بجوار محل المزين الأسطى محمد بيومى، وهناك تعرف على واحد من سلاطين التلحين الشيخ درويش الحريرى (ملحن وأستاذ مصري ولد بقسم الجمالية بالقاهرة عام 1881، فقد إحدى عينيه في العام الأول، وفقد العين الثانية وهو في الأربعين من عمره، عندما بلغ الثالثة من عمره أرسله والده إلى كتاب الحى ليحفظ القران الكريم، فأتم حفظه وهو في التاسعة من عمره على يد أستاذه السيد أبو الهاشم).. اكتملت الحدوتة بالشيخ الحريرى أصبح إمام واحداً من مريدي واتباع الحريرى تعلم منه يقول إمام (لبدت فيه وقولت له أنا قتيلك وأريد أن اتعلم منك). كان هناك ثلاث مدارس فى الغنا مدرسة الشيوخ والمدرسة الشعبية والمدرسة الطربية ومنها الشيخ سيد درويش ومن بعده عبد الوهاب وأم كثوم.. تعلق إمام بالشيخ الحريرى وتعرف على الشيخ زكريا أحمد دائم السهر فى حوش قدم.. كانت مشكلة الشيخ زكريا أنه أحيانا ينسى أجزاء من اللحن قبل الاكتمال وعندما اقترب من الشيخ إمام وجد ذاكرته حديدية  يحفظ اللحن سريعا وأصبح إمام نديم الشيخ زكريا يحفظ اللحن ويضبط النغمات اعتمد عليه فى أغانى أم كلثوم وكان إمام يتباهى بذلك وكثيرا ما كان يغنى أغانى الست قبل الإذاعة وربما كان ذلك سبب القطيعة بينه وبين الشيخ زكريا بعد غضب أم كلثوم من تسريب الأغانى.. اعتاد إمام على الطرد من جنات الناس ولكنه لم يفقد الأمل، أدرك قدرته على تعلم العود بعد إيمان راسخ أن الكفيف يستطيع الضرب على أوتار النغمات يكفى ضرب الدنيا له..  تعلم إمام العود وخلع الجبة والقفطان وراح يغنى وينشد بعد أداء الشهرية اليومية مصدر  دخله بحوش قدم. 

ثنائى النضال
 
على الجانب الأخر من ركن الحياة يعيش شاعر صعلوك فاجومى ضارب الدنيا وعايش نبض حنين الوطن خارج من السجن يعمل فى وظيفة حكومية بمنظمة تضامن الشعوب الأسيوية الأفريقية وسكن حجرة بجنيهين فى بولاق نادرا ما دفع الإيجار.. وفى عام 1962 بدأت حكاية الثنائى الأشهر فى حدوتة الوطن ذهب الشاعر برفقة سعد الموجى (واحد من مثففى مصر) إلى حوش قدم ويحكى نجم الحكاية (ذهبت إلى هناك مع الموجى على أمل أن يلحن لى الشيخ إمام أغنية، وعندما وصلنا وجدت الكل يسلم ويرحب بالموجى، وكأنه زعيماً شعبياً وصلنا إلى حجرة الشيخ إمام جلسنا طلبت سماع صوته أحضر العود، وكان من الواضح أنه، «مركون» من فترة أخد الشيخ وقتاً طويلاً  حتى يضبط النغمات أمتد لأكثر من ساعة هنا طلب الموجى مغادرة المكان وانتظرت أنا أسمع حتى الساعات الأولى.. طلبت من الشيخ النوم بالمكان وعندما سمح لى رميت مفتاح حجرة بولاق). بحث الشاعر عن صوت والملحن عن رؤية مختلفة التقى الثنائى، كما قال نجم إمام صوتى للناس وأنا عينه اللى يشوف بيها.. بدأت حكايه الثنائى دائم الغنا كل يوم فى حوش قدم... أصبحت الحجرة الصغيرة والسلم الخشب ندوة يومية تجذب مثقفى وسط البلد وأقطاب اليسار المصرى (اليمين فى تلك الفترة خيانة) وعلى نغمات النضال يستمع ويتناقش الكل وينتهى اللقاء مع فجر يوم جديد عادة مايصطحب كاسيت للتسجيل وأصبحت أغانى الثنائى منشوراً سياسياً يومى لم تؤثر كثيرا فى تلك الفترة لاعتماد الثنائى على بعض الأغانى العاطفية أو الاجتماعية الساخرة باللحن الكاريكاتيورى.. اختلف الحال بعد هزيمته يونيو وتحول الثنائى إلى صوت المعارضة القوى ولسان حال الغلابة ولم يكتف الثنائى بحوش قدم ولكن راح الصوت القوى إلى الجامعة ومظاهرات الطلبة وبيوت المعتقلين، وتحولت الأغنية إلى مانشت يومى ذاع صيت الثنائى واتسعت الزنزانة قليلا ليجلس إمام ويقف على الباب نجم بأعلى صوت يمنع ضرب الشيخ إمام وكانت القضية تعاطى الحشيش ولما أفرج عنهم لعدم ثبوت الدليل.. ظلت الملاحقة حتى حُكم عليه بالمؤبد بتهمة الغناء..  وفى السجن كانت الأغنية حاضرة (شيد قصورك على المزارع من كيدنا وعمل أيدينا.. والخمارات جنب المصانع).. وأصبح الثنائى ضيوف المعتقلات والسجون وبقى اللحن والكلمه بجناحات خارج الأسوار. 

مساحة من الخلاف
 
لكل شئ عمر افتراضى، وكان فى أطراف مش حابين نكون كدا.. كانت كلمات نجم كلما سأل عن سبب الخلاف والقطيعة حتى حاول الكثير إنهاء الخلاف دون جدوى ولكن مكالمة فنان الكاريكاتير حجازى لنجم (تعالى بسرعة الشيخ إمام تعبان وعايز يشوفك) أسرع نجم من مبنى روزاليوسف جرى حتى حوش قدم وظل العناق خمس دقائق.. بعدها وقف يتلقى العزاء بجوار صلاح عيسى والمخرج مجدى أحمد على ومثقفى مصر  فى 7 يونيو 1995 لحظة توقف نغمة إمام المناضلين ويظل تاريخه  يحتاج منا إلى إعادة الكتابة فكل جوانب الشيخ إمام حكاية تروى بحروف من ذهب.

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي