من الأعماق

جمال حسين يكتب: «انتفاضة البالونات»..تُعيد القضيَّة الفلسطينيَّة

جمال حسين
جمال حسين

 

بينما‭ ‬كانت‭ ‬الشعوب‭ ‬العربيَّة‭ ‬والإسلاميَّة‭ ‬تُودع‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك،‭ ‬بدأت‭ ‬إسرائيل‭ ‬جرائمها‭ ‬الوحشيَّة‭ ‬فى‭ ‬القدس‭ ‬وقصف‭ ‬المدنيين‭ ‬والمنازل‭ ‬فى‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬لليوم‭ ‬السادس‭ ‬على‭ ‬التوالى،‭ ‬ما‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬استشهاد ١٢٢‬‭ ‬فلسطينيًا؛‭ ‬بينهم ‭ ٣١‬‮‬‭ ‬طفلًا‭ ‬و‮٠٢ ‬سيدة،‭ ‬وإصابة‭ ‬المئات‭ ‬وتدمير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المنازل‭.. ‬لكن‭ ‬رد‭ ‬شباب‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينيَّة‭ ‬جاء‭ ‬قويا‭ ‬وتصدوا‭ ‬بصدورهم‭ ‬العارية‭ ‬للاسلحة‭ ‬الاسرائيلية‭ ‬الفتاكة‭.. ‬ابتكر‭ ‬شباب‭ ‬المقاومة‭ ‬سلاحا‭ ‬مختلفًا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬باستخدام‭ ‬‮«‬البالونات‭ ‬الحارقة‮»‬‭ ‬المملوءة‭ ‬بغاز‭ ‬الهيليوم،‭ ‬والتى‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬‮٥٣‬‭ ‬كيلو‭ ‬مترًا‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وأحدثت‭ ‬حرائق‭ ‬هائلة‭ ‬فى‭ ‬المزارع،‭ ‬وأصابت‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬بالذعر،‭ ‬بينما‭ ‬كبَّدت‭ ‬الصواريخ‭ ‬الفلسطينيَّة‭ ‬الجانب‭ ‬الإسرائيلى‭ ‬خسائر‭ ‬بشريَّة،‭ ‬حيث‭ ‬أعلنت‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬‮٨‬‭ ‬وإصابة‭ ‬العشرات،‭ ‬وخلقت‭ ‬المواجهات‭ ‬شللًا‭ ‬تامًا‭ ‬فى‭ ‬جميع‭ ‬مناحى‭ ‬الحياة‭ ‬داخل‭ ‬تل‭ ‬ابيب‭ ‬وضواحيها‭.‬

ورغم‭ ‬فداحة‭ ‬الخسائر‭ ‬التى‭ ‬تكبَّدها‭ ‬الأشقاء‭ ‬الفلسطينيون،‭ ‬فإن‭ ‬البالونات‭ ‬الحارقة‭ ‬التى‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬شكَّلت‭ ‬نموذجًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للمقاومة‭ - ‬بعد‭ ‬انتفاضة‭ ‬الحجارة‭ ‬ثم‭ ‬الطائرات‭ ‬الورقيَّة‭ ‬المسيَّرة‭-‬،‭ ‬وحرائق‭ ‬‮«‬ذيل‭ ‬القطة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬أوجعت‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وأثَّرت‭ ‬بشكلٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الاحتلال‭ ‬وجعلته‭ ‬يتخبَّط‭ ‬ويبحث‭ ‬عن‭ ‬طرقٍ‭ ‬لإيقاف‭ ‬إطلاقها،‭ ‬وحرَّكت‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولى‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬والكبرى‭.‬

الموقف‭ ‬المصرى‭ ‬جاء‭ - ‬كالعادة‭- ‬قويًا‭ ‬شجاعًا؛‭ ‬فى‭ ‬ظل‭ ‬التزام‭ ‬غالبية‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولى‭ ‬الصمت‭ ‬أو‭ ‬حديث‭ ‬الإدانات‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬طائل‭ ‬منها‭ ‬والتى‭ ‬تستخدمها‭ ‬إسرائيل‭ ‬ستارا‭ ‬لتنفيذ‭ ‬اهدافها‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭..‬التحرك‭ ‬المصرى‭ ‬اكد‭ ‬للجميع‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬قلب‭ ‬العروبة‭ ‬النابض،‭ ‬ولم‭ ‬ولن‭ ‬تتخلَّى‭ ‬عن‭ ‬القضيَّة‭ ‬الفلسطينيَّة‭ ‬العادلة‭.‬

الرئيس‭ ‬السيسى‭ ‬أجرى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاتصالات؛‭ ‬لحقن‭ ‬الدماء‭ ‬وإيقاف‭ ‬الاعتداءات‭.. ‬وزير‭ ‬الخارجيَّة‭ ‬سامح‭ ‬شكرى،‭ ‬أكَّد‭ ‬للعالم‭ ‬الموقف‭ ‬المصرى‭ ‬الرافض‭ ‬للتصعيد‭ ‬الإسرائيلى‭ ‬فى‭ ‬القدس‭ ‬بوضوحٍ،‭ ‬متهمًا‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬بانتهاك‭ ‬القوانين‭ ‬الدوليَّة،‭ ‬وتقويض‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭.. ‬وخلف‭ ‬الكواليس‭ ‬تُجرى‭ ‬اللقاءات‭ ‬الأمنيَّة‭ ‬مع‭ ‬الطرفين‭ ‬الإسرائيلى‭ ‬والفلسطينى،‭ ‬والتى‭ ‬بدأت‭ ‬تُؤتى‭ ‬ثمارها‭ ‬لوقف‭ ‬الاقتتال‭ ‬والاتفاق‭ ‬على‭ ‬هدنة‭ ‬لالتقاط‭ ‬الأنفاس‭.‬

مصر‭ ‬أعلنت‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬عن‭ ‬فتح‭ ‬معبر‭ ‬رفح‭ ‬لاستقبال‭ ‬المصابين؛‭ ‬لعلاجهم‭ ‬بالمستشفيات‭ ‬المصريَّة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذى‭ ‬انتقدته‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهدَّدت‭ ‬باستهداف‭ ‬أى‭ ‬سيارة‭ ‬إسعافٍ‭ ‬تنقل‭ ‬من‭ ‬أسمتهم‭ ‬بمصابى‭ ‬الإرهابيين،‭ ‬لكنها‭ ‬لن‭ ‬تجرؤ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬الغضب‭ ‬المصرى‭.‬

الاعتداءات‭ ‬الوحشيَّة‭ ‬الإسرائيليَّة‭ ‬ضد‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطينى‭ ‬الأعزل،‭ ‬حرَّكت‭ ‬ضمير‭ ‬العالم،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬المُمثِّل‭ ‬الهوليودى‭ ‬مارك‭ ‬رافالو‭ ‬دعا‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬والأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبى‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬عقوباتٍ‭ ‬على‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وطالب‭ ‬متابعيه،‭ ‬عبر‭ ‬حسابه،‭ ‬بالتوقيع‭ ‬على‭ ‬عريضةٍ،‭ ‬واستجاب‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬‮٢‬‭ ‬مليون‭ ‬شخصٍ،‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭ ‬قليلةٍ،‭ ‬يُندِّدون‭ ‬بالحرب‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭.. ‬يبقى‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬يُدرك‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬أن‭ ‬انقسامهم،‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الرئيس‭ ‬لضياع‭ ‬قضيتهم‭ ‬العادلة‭ ‬التى‭ ‬ربما‭ ‬يُريد‭ ‬بعض‭ ‬المنتفعين‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬فصائلها‭ ‬استمرار‭ ‬تلك‭ ‬الأوضاع‭ ‬أطول‭ ‬وقتٍ‭ ‬ممكن؛‭ ‬لضمان‭ ‬تدفق‭ ‬الأموال‭ ‬إليهم،‭ ‬وهم‭ ‬ينعمون‭ ‬برغد‭ ‬العيش‭ ‬داخل‭ ‬قصورهم‭ ‬بعواصم‭ ‬دولٍ‭ ‬بعينها،‭ ‬بينما‭ ‬يدفع‭ ‬البسطاء‭ ‬والأبرياء‭ ‬حياتهم؛‭ ‬ثمنًا‭ ‬لصفقاتهم‭ ‬القذرة‭.‬

أخطأ‭ ‬نتنياهو‭ ‬عندما‭ ‬أراد‭ ‬استثمار‭ ‬عدوانه‭ ‬على‭ ‬غزة؛‭ ‬للبقاء‭ ‬أطول‭ ‬فترة‭ ‬بالحكومة،‭ ‬وكسب‭ ‬أصوات‭ ‬المُتشدِّدين‭ ‬فى‭ ‬الانتخابات‭ ‬المقبلة‭.‬

بالتأكيد،‭ ‬بعد‭ ‬ساعاتٍ،‭ ‬وفى‭ ‬أسوأ‭ ‬الظروف،‭ ‬ربَّما‭ ‬بعد‭ ‬أيامٍ‭ ‬قليلةٍ‭ ‬سوف‭ ‬يتوقَّف‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلى‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬لكن‭ ‬المُؤكَّد‭ ‬أن‭ ‬“‭ ‬حرب‭ ‬البالونات‭ ‬الحارقة‭ ‬“‭ ‬أعادت‭ ‬القضيَّة‭ ‬الفلسطينيَّة‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭ ‬العالمى‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬غيابٍ،‭ ‬فهل‭ ‬يتم‭ ‬استثمار‭ ‬ذلك؟‭.. ‬أتمنى‭.‬

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي