مهر و«قايمة» بـ 3 ملايين جنيه.. «الفشخرة» في الزواج «خراب ديار»

 بعض القرى تحارب المغالاة فى الزواج
بعض القرى تحارب المغالاة فى الزواج

 

أعد الملف: لمياء متولىأميرة شعبان - ياسمين سامي

2 مليون جنيه مهر.. «قايمة» تتخطى المليون جنيه.. 190 «فوطة».. 3 ثلاجات و2 فرن كهربي.. كلها عادات وتقاليد أصبحت اساسية فى اى زواج، مظاهر البذخ أصبحت مظهرا رئيسا من مراسم إتمام الزواج فى الأرياف وبعض القرى فى المحافظات، والتى تعتمد على مبدأ الأغلى والأكثر، من اجل ان يتباهى اهل العريس والعروس بما يقدمه كل منهما للآخر.. فمواكب الأثاث التى تشهدها بعض القرى قد تصيبك بالدهشة والذهول، وكأنها ساحة معركة تحاول فيها كل أسرة ان تتصارع من أجل ان تثبت للآخرين انها الأعلى مقدرة والأكثر أموالا فى الجهاز حتى لو تكبدت الأسرة اموالا طائلة وتراكمت عليها الديون.. حتى وصلت التقديرات غير الرسمية لعدد الغارمات فى السجون إلى اكثر من 30 الف سيدة بسبب عدم قدرتهن على سداد فواتير «جهاز» ابنائهن... وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال احتفالية يوم المرأة المصرية والأم المثالية قد تحدث عن المغالاة فى تكاليف الزواج خاصة فى الأرياف قائلا «ليه 2 ثلاجة و10 بطاطين.. فالأمر عادة غير طيبة»، خاصة أن الدولة تقوم بجهود واضحة ومبذولة من خلال المبادرات التى تستهدف الأسر المحتاجة.. عادات ومظاهر تدفع بالكثير من السيدات إلى الحبس لكونهن يبذلن ما هو فوق طاقتهن من أجل تجهيز بناتهن ليصبح عدد الغارمات فى تزايد مستمر، بسبب عدم قدرتهن على سداد هذه الديون وتضع العديد من الأسر فى ضغط مادى ونفسى غير مبالين سوى باتمام الزواج بشكل يليق بهم بين عائلات المحافظة او المنطقة.

«الأخبار» فتحت ملف عادات الزواج فى بعض المحافظات ورصدت اغرب العادات فى كل منها، وناقشت الخبراء حول كيفية تخفيف العبء عن الأسر وضرورة التخلص من هذه المظاهر.

«القايمة» ممنوعة لدى البدو وأهل النوبة وتتجاوز المليون جنيه فى البدرشين وقرى الصعيد

تعتبر قائمة المنقولات الزوجية التى يوقع عليها الزوج وسيلة لضمان حق العروس فى حالة حدوث انفصال، ويرفضها بعض الشباب باعتبارها «سيفا فوق رقبتهم»، وتختلف طقوسها من محافظة إلى أخرى بحسب العادات والتقاليد، ففى الوقت الذى تغيب فيه «القائمة» عن طقوس الزواج فى بعض المجتمعات مثل البدو والنوبة، تعتبر شرطا أساسيا لإتمام الزواج فى معظم المحافظات الأخرى.

و«القائمة» عبارة عن ورقة يقوم الشاب المقبل على الزواج بالتوقيع عليها، ويقر فيها بملكية العروس للأثاث والمنقولات، مع تحديد قيمتها المادية بالاتفاق بين أهل العروسين، وفى حالة الطلاق تسترد الفتاة الاثاث والمنقولات استنادا لتلك الوثيقة، وفى بعض الأحيان يستبدل الأهالى ورقة «القائمة» بكتابة «شيك» أو «وصل أمانة» بنفس القيمة ويحتفظ به أهل العروس كضمان لحقوقها المادية فى حالة الانفصال وهو ما يؤدى أحيانا لعدم إتمام الزواج أو الخلاف على بعض المحتويات المنزلية التى تصمم احيانًا أسرة العروس على تدوينها فى القائمة ويرفض العريس أو اهله التوقيع عليها ومن هنا احيانًا يدب الخلاف بين الطرفين مما يؤدى إلى فشل الزيجة.

ومؤخرًا أصبحت بعض المكتبات والمحال تبيع قائمة المنقولات التى تتم طباعتها على الكمبيوتر قسمت إلى بنود ثابتة بها كل ما قام العروسان بشرائه ويقوم العريس بالتوقيع عليها كما أضيف فى البند الأخير فى القائمة مؤخرا ثمن الشبكة ويتم تحديدها بالجرام أو بالقيمة المادية حسب اتفاق أهل العروسين.

تقول فوزية السيد، من محافظة الجيزة مركز البدرشين، إن قائمة المنقولات من أهم بنود اتمام الزواج فى القرية، وإن بعض الأسر لا توافق على الزواج عند رغبة العريس فى كتابة مبلغ ضئيل فى قائمة المنقولات مقارنة باخواتها أو قريباتها من نفس عمرها، فاذا تمت كتابة 200 ألف على سبيل المثال فى القائمة لاحدى الفتيات، فغير مقبول ان يكتب لاختها اقل من هذا المبلغ، واحيانًأ تتم كتابة اشياء لم يتم شراؤها من قبل الزوج او الزوجة لرفع سعر هذه القائمة والذى يصل احيانا إلى مليون جنيه و2 مليون جنيه حتى لو لم يتم شراء أجهزة وأثاث بهذا المبلغ وذلك لضمان حق الفتاة فى المنقولات والأثاث..وفى منطقة امبابة بالقاهرة يقول سيد محمد، 55 عامًا، إنه سبق وتقدم احد جيرانه لخطبة ابنته واشترط عليه كتابة قائمة بالمنقولات الزوجية الا ان الشاب رفض ذلك خوفًا من تعرضه للسجن فى حالة الانفصال إلا أنه تمسك بكتابة تلك القائمة لحفظ حق ابنته والاطمئنان عليها قائلا: «اللى نيته خير ميخافش اصل هيخاف ليه لو مش ف نيته طلاق» معتبرا ان تلك القائمة تعتبر دليلا على صدق نوايا الشاب فى رغبته فى الزواج وتأسيس أسرة مستقرة.

‮- «‬المهر‮»‬‭..‬ يبدأ‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬جنيه‭ ‬ويصل‭ ‬لمليون‭ ‬جنيه

لجأت الكثير من المحافظات المصرية للاستغناء عن شرط دفع المهر منذ أواخر القرن الماضي، وأصبح العريس والعروس يتشاركان فى تأسيس المنزل بالتساوى دون دفع المهر، وذلك نظرًا لارتفاع التكاليف المعيشية وغلاء أسعار الشقق السكنية، وتم استبدال ذلك بقائمة المنقولات الزوجية والشبكة باستثناء بعض المحافظات والقرى التى أبرزها، قرية ميت شماس، والمنوات، وأبو النمرس فى محافظة الجيزة تشترط على العريس دفع المهر لعروسه، على أن تقوم أسرتها بتجهيز الشقة بالكامل، بداية من المطبخ والأجهزة الكهربائية والستائر، بالإضافة إلى الخشب المطلوب فى غرف النوم والاستقبال، وأحيانًا يبلغ المهر 100 الف جنيه ويصل احيانًا إلى ملايين الجنيهات خاصة فى بعض القرى المعروفة بسفر أبنائها للخارج والعمل فى دول الخليج أو اوروبا وأن فى مقدورهم دفع مهور باهظة.

- «الشبكة».. نصف مليون جنيه فى بعض قرى الغربية

 

الشبكة من اهم بنود اتمام الزواج فى بعض المحافظات والقرى ومن بين هذه القرى قرية «ميت بدر حلاوة» التابعة لمركز سمنود فى محافظة الغربية، والتى تصل فيها الشبكة إلى نصف مليون جنيه، ونفس الأمر بالنسبة لـ«القايمة»، وتعتبر «ميت بدر حلاوة» من أكثر القرى مغالاة فى كل متطلبات الزواج، وذلك بسبب هجرة أبنائها إلى عدد من دول أوروبا، خاصة فرنسا، وهو الأمر الذى انعكس على ارتفاع المستوى الاقتصادى للقرية، وبالتالى ارتفعت معه أسعار الزواج.. ولا يختلف الأمر كثيرا فى محافظة البحيرة والتى تصل فيها أسعار الشبكة إلى 30 ألف جنيه وقد تصل فى بعض الأحيان إلى 300 الف جنيه ولكن لا تقل فى جميع الأحوال عن 20 ألف جنيه، لتصبح واحدة من أعلى المحافظات فى هذا البند ويتم الاتفاق عليها حسب أحوال العريس المادية.. يقول حماد عبد العال انه تقدم لخطبة احدى الفتيات فى القرية التى يقطن بها، وفى جلسة التعارف بين الأسرتين واثناء مناقشة كافة مراسم الزواج اشترطت أسرة العروس شراء شبكة لابنتها لا تقل عن 50 الف جنيه حتى تتساوى مع ابنة خالتها، وعندما حاولت تقليل المبلغ تم رفض الزيجة بسبب الشبكة والتى أعتبرها هدية منى للعروس ويجب الا يتم تحديد قيمة لها، فهناك الكثير من الزيجات تفشل بسبب المغالاة فى الشبكة وبعض تكاليف الزواج الأخرى.

- «موكب الأثاث» يتكون من 20 سيارة نقل بالصعيد.. وصالون «مُدهب» لا يقل عن 75 ألف جنيه تشتريه العروس بدمياط

على الرغم من ارتفاع أسعار الأثاث والأجهزة الكهربائية وغيرها من مستلزمات تأسيس منزل، ومع تنازل الكثير من الأسر عن المغالاة أو شراء ما هو غير أساسي، لا تزال بعض القرى والمحافظات الريفية والصعيد يتبعون العادات والتقاليد القديمة ولا يرضون بأقل من موكب أثاث مكون من 20 إلى 30 سيارة نقل يسير إلى منزل ابنتهم العروس حتى تتشرف بها أسرتها وتتشرف كذلك عائلة الزوج أمام أهل القرية، حتى ولو كان ذلك سيتسبب فى استدانتهم وتراكم الديون وتورطهم فى الحصول على قروض بنكية بمبالغ كبيرة قد تؤدى إلى سجنهم فى النهاية.

تروى مروة محمود، ابنة محافظة الغربية، أن العروس لابد أن تشترى 3 ثلاجات الأولى ثلاجة عادية والثانية مجمد لتخزين المأكولات والثالثة ثلاجة صغيرة لوضعها فى غرفة النوم، وغسالتين من نوعين مختلفين، وكذلك لابد من شراء الكثير من المفروشات سواء المناشف أو اغطية السرير أو البطاطين وغيرها من المفروشات التى تتكلف آلاف الجنيهات، ولأنه من العيب ان يبقى جزء من الدولاب فارغا وغير ممتلئ أمام العائلة.

ويوضح إسلام عبد الله، البالغ من العمر 26 عامًا والمتزوج حديثًا، أنه فى محافظة دمياط يشترط على العروس شراء ما يقرب من 60 «فوطة» و60 غطاء سرير وأنه من الأفضل ان يكون الأثاث «مُدهبا» من نوع معين وأن تشترى العروس صالونا كلاسيكيا لا يقل سعره عن 75 الف جنيه، وان تصبح الشقة ممتلئة بالأثاث والمفروشات لأن ذلك دليل على الحسب والنسب والتشرف أمام الأهل بالمفروشات سواء من أهل العريس أو العروس، وأحيانًا يسير الأهل فى مواكب بالأثاث لفرش الشقة، واحيانًأ فى «الصباحية» تسير العائلة بأكملها محملين بالمأكولات والمشروبات وأحيانًا يجرون بقرة إلى منزل العروس وكذلك فى بعض المحافظات وبعض العائلات تشترط ذلك وتعتبره نوعا من أنواع الشرف والتباهي.

فى الصعيد أيضًا يكون هناك تمسك بالأثاث وهناك اعراف فى شراء الأثاث مثل أن تكون الأخشاب بأكملها على العريس، والبقية على العروس، واحيانًأ يرفض العريس فى حالة مقدرته المالية مساهمة العروس بأى شىء فى الأثاث فهو يشترى الأثاث بأكمله وتجهيزات الشقة كلها فى حين تكون المفروشات وأدوات المطبخ وملابسها فقط هى ما تأتى به العروس.

- مبادرات وحملات «أون لاين» .. «بلاها شبكة».. «بلاها نيش» مبادرات لتيسير الزواج على الشباب

منذ أن بدأت عملية المغالاة فى تكاليف الزواج تنتشر بين الأسر والعائلات متنقلة من محافظة لأخرى، بدأ معها العقلاء فى مختلف المحافظات لاطلاق مبادرات للحد من هذا الغلاء ولتيسير عملية الزواج، وتعد «بلاها شبكة» واحدة من أشهر المبادرات التى أطلقت لمواجهة أزمات الزواج وارتفاع تكاليفه ومتطلباته، وهى مبادرة خرجت من قلب الصعيد بعد الارتفاع الجنونى فى أسعار الذهب، حيث بدأ أهالى قريتى «طوخ ودنفيق كوم بلال» بمحافظة قنا، تطبيق فكرة إلغاء الذهب خلال الزواج، للتخفيف عن كاهل الشباب، لارتفاع الأسعار الذى يؤثر على إقبال الشباب على الزواج.. من الصعيد أيضا وتحديدا الأقصر قرر جميع أبناء مدن الأقصر والقرنة وأرمنت وإسنا إطلاق حملة مضادة لردع الأمور التى تعطل الشباب عن الزواج لمغالاة الأسر فى أسعار الشبكة والمهر وغيرها تحت شعار «لا للشكليات فى الزواج ولا للغلاء فى المهور»،  وأطلقوا حملة «بلاها نيش» وأكدت الحملة ضرورة إلغاء الشبكة مهما كان المستوى المادى حتى لو كان العريس مقتدرا لأنه سيكون قدوة لغير القادر، وكذلك إلغاء غرفة الأطفال وعند وصول الأطفال للدنيا يشترى ما يقدر عليه، وكذلك المهر لا يزيد على 1000 جنيه، وبالنسبة للقائمة الزوجية يكتب فيها كل شىء حتى لو طلبت أسرة العروس كتابة الذهب فيها يكتبون ذهبا ولو بـ100 ألف جنيه يكتب لكونه حقها الطبيعى والشرعى، ويتم شراء خاتم ودبلة فقط.

- الخبراء: عادات وموروثات يجب التخلص منها لأنها تضع الأسر تحت ضغوط مادية ونفسية

أكد د. جمال فرويز أستاذ علم النفس أن العبء النفسى الذى تضعه الأسرة سواء على نفسها أو على الشاب المقبل على الزواج يعد نوعا من أنواع الضغوط النفسية الكبيرة الأمر الذى قد يصل فى بعض الأحيان لدى كثير من الشباب إلى اختيار الطريق الأصعب مثل الهجرة غير الشرعية من أجل بناء نفسه او ادخار مصاريف الزواج بطريق قد تؤدى إلى الموت فى حالات كثيرة.

ويضيف أن الصورة الأخرى للضغط النفسى تتمثل فى الأسرة التى تدفع الثمن من أجل اتمام الزواج بأى شكل من الأشكال فالأهم لديهم هو الظهور أمام الأهالى فى القرية او المحافظة التى يتبعونها بشكل يتباهون به سواء فى «العفش» او الشبكة وأحيانا قد يصل الامر إلى التباهى بما يطلقون عليه فى بعض المناطق «العشا» لتخرج العشرات من السيدات وهن يحملن كل ما لديهن من أجل عدم التقصير فى حق العريس او العروس، فقد تكون الأسرة فى الأرياف محدودة الدخل وبدلا من تيسير الزواج تتم عملية التعقيد من أجل التفاخر بالمهر والقايمة و«العفش» لينتهى الأمر اما بحبس الأم لتصبح من الغارمات بسبب عدم قدرتها على السداد أو بتراكم الديون على رب الأسرة لأنه حمل نفسه فوق طاقته لتضع الأسرة نفسها فى منحنى خطير من أجل مظاهر لا أساس لها من الصحة فهى ليست بالفرض أو بالموروثات او العادات التى يجب التمسك بها.

أوضحت د.عبلة البدرى استاذ علم الاجتماع واستشارى الأسرة والطفل، أن الأسر التى تبالغ فى تكاليف الزفاف والمهر وغيره، لا تنظر إلى إمكانياتها وما تستطيع دفعه بل إن المكانة الاجتماعية هى ما تتحكم بها، فتنظر إلى ما بيد غيرها ولو كان من المستحيل الحصول عليه، فالتقاليد تدفعه للمغامرة بالتعرض للسجن مقابل الحصول على جهاز يفوق امكانياته.

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي