أول صلاة فيه برمضان.. والمعز لدين اللـه افتتحه فى شهر الصيام

الجامع الأزهر.. ألف سنة من تاريخ الإسلام

الجامع الأزهر
الجامع الأزهر

 

حسن حافظ

إذا سألت عن أشهر الجوامع فى مصر والعالم الإسلامي، ستكون الإجابة بعد المساجد الحرام الثلاثة، الجامع الأزهر، الذى حفر اسمه فى ذاكرة كل مسلم فى مشارق الأرض ومغاربها، فالجامع القابع فى قلب القاهرة الفاطمية، عاش أكثر من ألف سنة صنع خلالها مجده الذى لا يقارن، وخلق حالة من التقدير لدى المسلمين جميعا، وانتصر على حملات التتريك، وحافظ على الدين من هجمات المتشددين، وظل الجامع يفتح أبوابه، تتذكره النفوس فى ليالى رمضان، تشتاق إلى صلاة التراويح بين جنباته، تنهال عليها ذكريات أزمنة ماضية، إذ بين أركان الجامع توجد ألف سنة من العصور والأزمنة، ذكريات مرور خلفاء وسلاطين وأمراء وملوك وحرافيش وأبناء بلد.

يعد "الأزهر" أول جامع أسس بالقاهرة المعزية، أنشأه القائد جوهر الصقلبى بأمر مولاه الخليفة المعز لدلين الله الفاطمي، ووضع أساسه فى ليلة الأربعاء 18 شعبان 358هـ/ 7 يوليو 969م، وانتهت الأعمال الإنشائية فى 9 رمضان 361هـ، حيث أقيمت فيه أول صلاة جمعة بحضور جوهر القائد وكبار رجال الدولة والأعيان والعلماء، وافتتحه الخليفة المعز رسميا بعد قدومه من المغرب فى 10 رمضان 362هـ/ 15 يونيو 973م، فأصبح الجامع الرسمى للخلافة الفاطمية. وحفظ لنا المقريزى بأحد النصوص التأسيسية الأصلية للجامع والتى ضاعت منذ قرون عديدة، وهي: "مما أمر ببنائه عبدالله ووليه أبو تميم معد الإمام المعز لدين الله أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأكرمين، على يد عبده جوهر الكاتب الصقلبي، وذلك فى سنة ستين وثلاث مائة".

ويقول حسن قاسم فى كتابه "المزارات الإسلامية والآثار العربية فى مصر والقاهرة المعزية"، إنه تم وضع التصميم الأصلى لجامع الأزهر على يد المهندس الحسين بن عبد العزيز الفارسي، والذى نزحت أسرته من فارس إلى بلاد المغرب منذ القرن الأول الهجري، وتعرف هذه الأسرة باسم بنى المحتسب، وقد اعتبر الحسين بن عبد العزيز من كبار مهندسى المعز لدين الله، لذا كان من الطبيعى أن يشرف على عملية بناء جامع الأزهر والذى يفترض أن يكون الجامع الرئيسى فى عاصمة الفاطميين الجديدة، وقد وضع ابن عبد العزيز تصميم الأزهر على نفس نمط جوامع الفاطميين فى تونس، خصوصا جامع المهدية وجامع مدينة المنصورية عاصمة الفاطميين فى تونس، إذ تكون الجامع من أربعة أواوين بينها صحن مكشوف، أكبرها الإيوان الشرقى لأنه إيوان القبلة، وجعل بعده ثلاثة أروقة فى كل رواق 22 أسطوانة من رخام، وجعل للجامع ثلاثة أبواب، أهمها الباب الشمالى الذى يدخل منه الخليفة للصلاة، وتواجدت رحبة أمام هذا الباب تشكل ميدانا واسعا يفصل الجامع عن قصر الخلافة الفاطمية المعروف باسم القصر الشرقى الكبير.

ويعود الاحتفال بشهر رمضان فى الجامع الأزهر إلى قرون خلت، إذ يقول الدكتور حسن عبدالوهاب فى كتابه "تاريخ المساجد الأثرية: "نشأ هذا التقليد منذ الدولة الفاطمية، فقد كان الخليفة الفاطمى يركب للاحتفال برؤيا شهر رمضان ثم يستريح أول جمعة منه، فإذا كانت الجمعة الثانية أداها فى جامع الحاكم، فإذا كانت الجمعة الثالثة أداها فى الجامع الأزهر، فإذا كانت الجمعة الرابعة صدرت الأوامر بأدائها فى جامع عمرو بن العاص، فيقوم أهالى القاهرة بعمل الزينات من باب القصر الفاطمى بالنحاسين إلى جامع ابن طولون، ويقوم أهالى مصر القديمة بعمل الزينات حتى جامع عمرو".

وأصبح الجامع الأزهر محل عناية من الخلفاء الفاطميين الذين أجروا العديد من أعمال التوسعة والترميم خاصة فى عهد الخلفاء العزيز والحاكم والمستنصر والآمر بأحكام الله والحافظ، وقد بقيت عدة آثار من البناء الأصلى للجامع الأزهر أبرزها المحراب الكبير محتجبا خلف جدار وهمى لأكثر من 700 عام، حتى اكتشفه العالم الأثرى الكبير حسن عبد الوهاب فى أكتوبر 1933، وهناك قبة توجد فى قلب الجامع تعود إلى عصر الخليفة الفاطمى الحافظ لدين الله، لكن بقية أجزاء الجامع تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، إذ يمكن من خلال تاريخ تطور عمارة الجامع الأزهر أن نعيد كتابة تاريخ مصر الإسلامية فالجامع يعبر عن مراحل تاريخية وتقلب الأحوال بين دول مرت على تاريخ مصر.

انقطاع وعودة

ففى العهد الأيوبى قرر السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، منع الخطبة من الجامع الأزهر، أى وقف صلاة الجمعة فيه عملا بالمذهب الشافعى الذى يمنع إقامة خطبتين للجمعة فى بلد واحد، فتم إقرار الخطبة بجامع الحاكم بأمر الله لأنه أكبر مساحة، ويقول المقريزي: "فلم يزل الجامع الأزهر معطلا من إقامة الخطبة فيه مائة عام، من حين استولى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى أن أعيدت الخطبة أيام الملك الظاهر بيبرس"، وكان سبب إهمال الجامع من قبل سلاطين بنى أيوب، بسبب تحوله لمركز لدراسة الفقه الإسماعيلى الشيعي، لذا جاء قرار إغلاقه فى إطار محاربة المذهب الإسماعيلى ونشر المذهب الأشعري، وخلال المئة عام تلك عانى الجامع الأزهر من الإهمال وكاد يندثر بالجملة، إذ كان موقعه فى قلب مدينة القاهرة سببا فى استخدام الجامع شبه المهجور كمعبر يستخدمه المارة للعبور بين أبوابه بدلا من الالتفاف حوله.

وأعيدت الخطبة للجامع فى عام 665 هجرية، وذلك بفضل صدفة سعيدة فقد سكن بجوار الجامع الأمير عز الدين أيدمر الحلي، الذى "رعى حرمة الجار"، فعمل على إعادة ترميم الجامع المتداعي، وأستأذن السلطان بيبرس البندقدارى فى عمارته فأذن له، وتبرع السلطان بمبلغ من المال، بل شارك فى أعمال الترميم وتبرع بمنبر، حفظت لنا الأيام ما كتب عليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، مما أمر بعمل هذا المنبر المبارك لجامع الأزهر مولانا السلطان الملك الظاهر المجاهد المرابط المؤيد المنصور ركن الدنيا والدين أبوالفتوح بيبرس الصالحى قسيم أمير المؤمنين بالديار المصرية أعز الله أنصاره".

عاد الجامع إلى سابق عهده وازدهر فى العصر المملوكى وتوالت الأوقاف عليه من كبار أمراء المماليك، وبدأت فى هذا العصر ظاهرة المجاورين الشهيرة، والتى ازدهرت بعد ذلك فى العصر العثماني، ويقول المقريزى عن هذه الظاهرة: "لم يزل فى هذا الجامع منذ بنى عدة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، وبلغت عدتهم فى هذه الأيام – أى أيام المقريزى - سبع مائة وخمسين رجلا، ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف مر ومغاربة، ولكل طائفة رواق يعرف بهم. فلا يزال الجامع عامرًا بتلاوة القرآن ودراسته وتلقينه، والاشتغال بأنواع العلوم من الفقه والحديث والتفسير والنحو، ومجالس الوعظ وحلق الذكر. فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس بالله، والارتياح وترويح النفس، ما لا يجده فى غيره، وصار أرباب الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب والفضة والفلوس إعانة للمجاورين فيه على عبادة الله تعالى، وكل قليل تُحمل إليهم أنواع الأطعمة والخبز والحلاوات لاسيما فى المواسم".. وتم إجراء إصلاحات ضخمة فى الجامع فى عصر السلطان قايتباى الذى بنى إحدى مآذن الجامع الرشيقة المميزة، كما أمر السلطان قانصوه الغورى فى سنة 1510م، ببناء مئذنة للجامع فجاءت تلك التحفة المعمارية المميزة ذات الرأس المزدوجة، والتى تعتبر من أبرز معالم الأزهر فى الأذهان، وهى مئذنة مرتفعة أراد لها السلطان الغورى أن تكون أعلى مئذنة للأزهر، كما امتازت بوجود سلمين فيما بين دورتيها الأولى والثانية لا يرى الصاعد فى أحدهما الآخر، وهى إحدى النكت الفنية فى العمارة الإسلامية، على حد قول الأثرى حسن عبدالوهاب.

جامعة عالمية 

أحد أهم جوانب شهرة الجامع الأزهر تعود إلى دوره كمركز علمى لدراسة العلوم الدينية، وهى سمعة حافظ عليها الجامع لقرون طويلة، وأصبح مع الوقت قلعة العلوم الدينية ليس فى مصر وحدها بل فى العالم الإسلامى كله، وهى عملية تعرضت لمحطات تاريخية عديدة انتقل فيها الجامع من تدريس المذهب الإسماعيلى الشيعى إلى تدريس مذاهب السنة بداية من المذهب الشافعى وليس انتهاء بتدريس المذاهب الأربعة، فقد بدأ نشاط الأزهر التعليمى فى عصر الفاطميين وانقطع فى عصر الأيوبيين ثم عاد وازدهر فى عصر المماليك وترسخت مكانته فى عصر العثمانيين.

تحول الأزهر إلى معهد علمى جاء على يد الوزير الفاطمى يعقوب بن كلس، إذ يروى المقريزى لنا كيف بدأ الأزهر رحلة الخلود كقلعة علمية قائلا: "وفى سنة ثمانٍ وسبعين وثلاث مائة، سأل الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، الخليفة العزيز بالله، فى صلة رزق جماعة من الفقهاء، فأطلق لهم ما يكفى كل واحد منهم من الرزق... وأمر لهم بشراء دار وبنائها، فبنيت بجانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع، وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن يُصلى العصر. وكان لهم أيضًا من مال الوزير صلة فى كل سنة، وكانت عدتهم خمسة وثلاثين رجلًا، وخلع عليهم العزيز يوم عيد الفطر، وحملهم على بغلات".

ومع استعادة الجامع للخطبة فى عصر السلطان بيبرس، عمل الأمير بيلبك الخازندار فيه مقصورة كبيرة، رتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإمام الشافعي، ورتب محدثًا يُسمع الحديث النبوى والرقائق، ووقف على ذلك عدة أوقاف، ورتب به سبعة لقراءة القرآن، ورتب به مدرسا، وفى عصر السلطان الناصر حسن المملوكي، أمر الأمير بشير الجامدار الناصري، بإجراء بعض الإصلاحات فى الجامع، ورتب درسا للفقهاء من الحنفية يجلس مدرهم لإلقاء الفقه فى المحراب الكبير، كما قرر للفقراء المجاورين بالجامع طعاما يطبخ كل يوم، وظل حال الجامع ينمو حتى أصبح أكبر معهد علمى فى مصر فى العصر العثماني.

لكن الغريب فى الأمر أن منصب شيخ الأزهر لم يرتبط بظهور الجامع الشهير بل تأخر ظهوره أكثر من 600 عام، فالجامع الذى رافق مدينة القاهرة فى الوجود مر بأدوار متعددة منذ أن كان مؤسسة علمية غرضها الأوحد نشر المذهب الإسماعيلى الشيعى فى عصر الدولة الفاطمية -ثم تحوله بعد إغلاقه لمدة قرن- إلى قلعة السنية فى عهد سلاطين المماليك ومن تلاهم من العثمانيين حتى تبلورت مكانة ومكان هذا الجامع وأزاح أكثر وأكبر الجوامع المصرية شهرة جامع عمرو من صدارته ليحل محله حتى يومنا هذا.

وكان امتلاء أروقة الجامع الأزهر بالمدرسين وطلاب العلم بعد أن انحصرت فيه -أو كادت- الحركة الدينية فى مصر مع الضعف الذى أصاب مصر فى العصر العثماني، سببا فى محاولة وجود مشرف عام على شئون الأزهر مهمته تنظيمية وهو أحد الأسباب التى دفعت بظهور المنصب الجليل، والذى ظهر فى سنة 1101هـ/1690م إبان الحكم العثمانى عندما تولى الشيخ  محمد بن عبد الله الخراشى المالكى هذا المنصب لأول مرة. واكتسب المنصب وقارا وهيبة مميزة عندما تولى الشيخ عبدالله الشبراوى الشافعى المنصب الذى بفضل هيبته أكسب المنصب الجديد مواصفات خاصة قلما تتكرر، فى حين كان الشيخ محمود شلتوت أول شيخ من شيوخ الأزهر يحصل على لقب الأمام الأكبر-أحد ألقاب الخلافة- فى سنة 1961م، وهو اللقب الذى يتوارثه شيوخ الأزهر منذ ذلك الحين، ويعد الشيخ أحمد الطيب الشيخ الثامن والأربعين فى ترتيب الشيوخ الذين تولوا رئاسة الأزهر.

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي