«آخرساعة» ترصد أجواء عيد القمح فـــــى «الصـالحـية الجـديـدة»

موسم حصاد «الذهـــــب الأصفر»

الذهـــــب الأصفر
الذهـــــب الأصفر

 

مروة أنور 

"القمح الليلة عيده.. يا رب تبارك وتزيده"، تظل أغنية الفنان الراحل محمد عبدالوهاب، الأكثر تعبيراً عن فرحة الفلاحين بموسم حصاد القمح الذى كان يحتفل به المصرى القديم منذ آلاف السنين، حين كانت مصر سلة غذاء العالم.. «آخرساعة» زارت «الصالحية الجديدة» بمحافظة الشرقية، وتابعت عمل المزارعين أثناء حصاد القمح ثم شحنه وتسليمه إلى صوامع التخزين.

 

فى الصباح الباكر، وعلى أنغام المزمار البلدي، يقوم الفلاحون بحصد القمح، فى موسم يعتبر بمثابة يوم عيد فى محافظة الشرقية التى تمتلك أكبر مساحة منزرعة بالقمح فى مصر، ومتابعة هذه الأجواء تُحيلنا إلى مشاهد من ذاكرة المصريين منذ زمن الفراعنة، حين كان القمح يمثل رمز الخير عند المصريين القدماء، وكان يتم الاحتفال بموسم حصاده عبر تقديم باكورة القمح للإله المحلى من خلال "عروس" يتم تصنيعها من سنابل القمح وسيقانه، وكانت تقدم إلى "مين" إله الإخصاب، و"زنوت" إلهة الحصاد، وابنها "نبري"، وتستمر أعمال الحصاد عدة أشهر تنتهى فى "برمودة"، وهو الشهر الثامن فى ترتيب شهور السنة القبطية.

تحدثنا إلى عدد من المزارعين للتعرف إلى قصة "الذهب الأصفر"، كما يحلو لهم أن يسموه، ومن بينهم عطية محمد الذى قال: "يبدأ موسم حصاد القمح من 15 أبريل ويستمر حتى 15 يوليو، وخلال هذه الفترة يعيش الفلاح كل يوم عيداً، ويحتاج القمح إلى مياه وفيرة وتقاوىٍ وأسمدة بخلاف تكلفة الآلات الزراعية، فلم يعد المزارع يعتمد على الفأس، فكل شيء الآن أصبح يعتمد على الماكينات، بداية من مرحلة عزق الأرض ووضع بذور التقاوى ورش الكيماوي، وصولاً إلى جنى المحصول بجرار الحصد"، موضحاً أن الفدان يحتاج إلى 60 كيلوجراما من التقاوى وسعر الكيلو الواحد 10 جنيهات، وقد يلجأ بعض الفلاحين الذين لا يستطيعون شراء التقاوي، إلى زرع المحصول بغلة السنة الماضية وتكون النتيجة الحصول على إنتاجية ضعيفة للفدان.

بينما يؤكد عبدالمجيد حسن، أن من أكثر المشكلات التى قد تواجه المزارعين أثناء زراعة القمح اختفاء دور المرشد الزراعى وعدم توافر التقاوى والأسمدة بأسعار تتناسب مع إمكانياته، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة زراعة المحصول بعد أن تحول كل شيء إلى نظام الميكنة بداية من الزراعة باستخدام العزاقة، والرى بماكينة الرى التى يتم استئجارها بالساعة، وصولاً إلى مرحلة جنى المحصول.

يلتقط منه عبدالرحمن محمد، طرف الحديث، قائلاً: "مراحل جنى المحصول تحتاج إلى إرشادٍ زراعى وتوعيةٍ، وهو دور غائب، وتكون نتيجته إنتاجية ضعيفة للفدان، لأن غالبية ملاك الأراضى الزراعية الآن تفتقد عنصر الخبرة بعملية الزراعة، مقارنة بأجيال زمان، لذا نحتاج إلى توفير المهندسين الزراعيين والتقاوى اللازمة للزراعة لنستطيع الحصول على محصول له إنتاجية عالية بدرجة نقاء مرتفعة".

يتابع: "قبل أن نبدأ فى جنى المحصول يتم منع الرى عنه لمدة شهر كامل حتى يجف ويتحوَّل لون السنبلة من الأخضر إلى الأصفر، وتنحنى السنبلة، وهى العلامة البارزة على أن المحصول قد نضج ووجبت عملية الحصد، وأفضل وقت للجنى بعد صلاة الفجر مباشرة، ويتم من خلال جرار الحصاد ويستأجر مقابل 150 جنيها فى الساعة، ثم مرحلة الدرس باستخدام ماكينة تفصل القشر عن سنبلة القمح، وأخيراً مرحلة الجبولة، ومن ثم الشحن.

فى السياق، يقول مسعد فهمي، إن عملية الزراعة والحصاد الآن أصبحت مميكنة، والعمال الزراعيون أصبحوا نادرين، وأجرة المزارع تصل إلى 200 جنيه يومياً، ونحتاج فى الجنى إلي ما لا يقل عن 5 عمال زراعيين، بخلاف تكلفة تأجير الماكينات وسيارات الشحن إلى الصوامع.

بعد الانتهاء من عملية الشحن، يذهب القمح إلى الصوامع للتخزين، وعن ذلك قال المهندس على لاشين، وكيل وزارة الزراعة بالشرقية، فى تصريحات له، إن إجمالى المساحة المنزرعة بالقمح هذا العام تبلغ 408 آلاف و898 فداناً بزيادة 9 أفدنة عن العام الماضي.

وتعد الشرقية أولى المحافظات فى زراعة وتوريد القمح على مستوى الجمهورية، وارتفع توريد القمح إلى 185 ألفا و364 طناً للصوامع وشون الشرقية، بالإضافة إلى صومعة الصالحية الجديدة التى تعمل بطاقة تخزينية 3.4 مليون طن قمح، وهناك حوالى 46 موقعاً تخزينياً للقمح ما بين صوامع وشون حكومية مطوَّرة ومراكز تجميع، وكل هذه المواقع تفتح أبوابها لاستقبال الموردين منذ الساعة الثامنة صباحاً يومياً، بخلاف مراكز تجمع تابعة للبنك الزراعى المصري، وشركة مطاحن جنوب القاهرة وشمال القاهره وشرق الدلتا.

وتقف سيارات شحن محصول القمح متراصة أمام أبواب صوامع الصالحية الجديدة، لتبدأ رحلة التخزين، ويقول محمود الباز، مدير عام صومعة الصالحية الجديدة: "هذا هو العام الأول الذى تبدأ فيه هذه الصومعة استقبال غلال القمح منذ انطلاق موسم الحصاد فى 15 أبريل وسيستمر ذلك إلى أن ينتهى الموسم فى 15 يوليو، وتحتوى الصومعة على 18 خلية والسعة التخزينية للخلية الواحده 5 آلاف طن، أى أن إجمالى السعة التخزينية لها 90 ألف طن، بينما كانت إمكانيات التخزين فى الماضى تعرِّض مصر لفقد كثير من غلة القمح، فى وقت نحتاج للحفاظ على الإنتاج المحلى واستكمال احتياجنا بالاستيراد من الخارج، ومن هنا أوصى الرئيس عبدالفتاح السيسى بعمل مشروع الصوامع للحفاظ على غلال القمح المحلى من الفاقد، خاصة أن التخزين فيما سبق كان يعتمد على الشون الترابية، وهى معرضة للعوامل الجوية والإصابات الحشرية".

ويوضح الباز أن صومعة الصالحية الجديدة تعمل بنظام مميكن، حيث تدخل سيارات الشحن ويتم وضعها على ميزان، ثم تدخل إلى "النُقرة"، قبل أن تصل إلى مرحلة لجنة الفرز المسئولة عن اختبار درجة نقاء المحصول، وتتكوَّن من عضو هيئة سلامة الغذاء وعضو الزراعة والقبانى المسئول عن الموازين وعضو وزارة التموين، ويقوم عضو سلامة الغذاء بأخذ عينة من المحصول واختبارها من خلال "مهز سلكي"، ومن خلالها يحدِّد درجة نقاء القمح وهل هو يحتوى على أتربة أو به رطوبة أو حشرات، وفى حال وجود أى شيء من ذلك يتم رفض الشحنة.

فيما يقول عماد حسن، عضو هيئة سلامة الغذاء باللجنة: "الفرق بين درجة نقاء إردب وآخر، تقدر بعشرة جنيهات والعينة ثلاث درجات 23٫50 ونسبة الشوائب فيها 2%، ويقدر الإردب فى هذه الدرجة بـ725 جنيهاً، وثانى درجة 23 ونسبة الشوائب فيها 4%، ويقدر الإردب منها بـ715 جنيها، وثالث درجة 22 ونسبة الشوائب فيها 3% وتقدر بـ705 جنيهات للإردب، وتقوم اللجنة بقياس درجة الرطوبة فى المحصول حتى لا تتسب الرطوبة فى إهدار الخلية بالكامل.

وبعد عملية الفرز يدخل القمح على "النُقرة" ويوجد تحتها سيور مزودة بمغناطيس، ويتم سحب القمح وغربلة أى جسم معدني، ثم تأتى مرحلة الشفاط التى يتم فيها طرد الأتربة قبل عملية التخزين، ويتم التحكم فيها من خلال غرفة التحكم الإلكتروني.

ويقول المهندس محمد حسن، المسئول عن غرفة التحكم، إن درجة الحرارة الطبيعية للقمح 29، ويتم ضبطها إلكترونياً ومن دون أى تدخل بشري، وكل خلية لها رقم محدّد، وتتم متابعة درجة حرارتها من خلال الجهاز الذى يقيس درجتى الحرارة والرطوبة، خاصة فى فصل الصيف، ودرجة حرارة الجو الطبيعية المناسبة للقمح 32، إذا ارتفعت تتم عملية التبريد أتوماتيكياً دون تدخل بشرى وغرفة التحكم مزودة بجهاز لكشف الأعطال فى أى مكان بالصومعة، ومنذ أن بدأت وزارة التموين مشروع الصوامع لا يوجد فاقد فى الإنتاج المحلى للقمح.

من جانبه، أكد اللواء شريف باسيلي، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصوامع أنه من المتوقع استقبال أربعة ملايين طن قمح هذا العام، كما أن الطاقة التخزينية للقمح بالصوامع زادت إلى 3.4 مليون طن مع المشروع القومى للصوامع الذى يتبناه الرئيس عبدالفتاح السيسي، بعد أن كانت الطاقة التخزينية لا تتعدى 1.2 طن.

ويشير إلى أن العمل جارٍ على قدم وساق داخل الصوامع التى تفتح أبوابها لاستقبال الموردين من الساعة الثامنة صباحاً إلى السادسة مساءً يومياً، كما تدخل صومعة أبو صوير بالإسماعيلية موسم التوريد هذا العام، لافتاً إلى أن وزارة المالية وفرت الاعتماد المالى المطلوب من 13 إلى 16 مليار جنيه لموسم القمح هذا العام.

   

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي