حوار| خبير تراث دولي: سد النهضة خطر كبير على المواقع الأثرية بدول حوض النيل

 د. عبدالعزيز صلاح خبير التراث الدولى
د. عبدالعزيز صلاح خبير التراث الدولى

 

بعد تعثر المفاوضات الفنية والسياسية حول سد النهضة بسبب الرفض والتعنُت الأثيوبى وسعيها للمُماطلة والتسويف، وتأكيدات الرئيس عبدالفتاح السيسى، أن الخيارات كلها مفتوحة، كما أكدت مصر أن هناك سيناريوهات بديلة جاهزة فى التعامل مع هذا الملف، خاصة وأن مصر تتعامل مع دول حوض النيل بالمصالح المُشتركة، واستخدام القوى الناعمة.

حول ذلك الملف المُهم والحيوى والتحرك المصرى على صعيد المستوى الإقليمى والدولى بعد نقله إلى المسار السياسى، تحدث الدكتور عبدالعزيز صلاح سالم، الذى يُعد أحد العلماء والخبرات المُتميزة فى مجال صون التراث الثقافى العالمى والآثار، ورئيس قسم الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، الخبير بالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو"، وبمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" السابق، وتحدث لـ «الأخبار» ، حول السلبيات والأخطار المُحدقة من جراء بناء السد الأثيوبى، وأكد أن آثاره وأخطاره لن تنعكس فقط على نُدرة المياه.. بل أيضاً له تأثير بالغ سيُصيب أهم مواقع التراث العالمى التى سبق وأن تم إدراجها على قائمة التراث لـ "اليونسكو" قبل إنقاذه، كما تطرق إلى السيناريوهات المُحتملة فى مواجهة الأخطار المُحدقة بالتراث التاريخى العالمى الذى هو ملك للبشرية جمعاء.

كيف ترى مخاطر بناء السد؟

بات وضع التراث الثقافى والطبيعى العالمى فى مصر ودول حوض النيل مُهدداً بالأخطار جراء بناء سد النهضة، مما يستوجب التدخل السريع من منظمة "اليونسكو"، والهيئات الدولية العاملة فى مجال حماية وصون التراث العالمى من الاخطار، والعمل على تقديم حلول عملية عاجلة، للحد من خطورة بناء هذا السد العملاق على التراث الثقافى والطبيعى العالمى، ولمساعدة كافة دول حوض النيل فى عمليات الإنقاذ والحماية والصيانة والترميم، وتمكينها من صيانة مواقعها الثقافية والطبيعية المُدرجة فى قائمة التراث العالمى، والتى تُعد تراثاً إنسانياً ملكاً للعالم كله، ومسئولية حمايته وصونه من الأخطار تقع على عاتق السلطات المحلية، والمنظمات الدولية المعنية على السواء، ذلك وفقاً لما جاء فى الدراسة قام بإعدادها حول أخطار سد النهضة على التراث العالمى فى دول حوض النيل، التى أكد فيها على أن عدم التزام الجانب الأثيوبى بالمعايير الدولية فى البناء سيكون له مخاطر عديدة منها ما ستتعرض لها مواقع التراث الثقافى والطبيعى العالمى، رغم أن هذه المواقع محمية بنصوص الاتفاقيات الدولية، والمُلزمة لكافة الدول الموقعة عليها لاتخاذ كافة تدابير الحماية. 

 التفاوض الهادىء

وكيف ترى طبيعة المفاوضات بين الدول الثلاث؟

هناك حكمة من الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى اعتماد منهج التفاوض الهادئ والحوار البناء، من أجل الوصول إلى حلول عادلة لجميع الأطراف فى بناء سد النهضة فى أثيوبيا، وتأثيراته السلبية فى مجالات مُتعددة، مثل المياه والبيئة، ومواقع التراث وغيرها، مما يضع عدة تساؤلات، منها: ماهى مسئوليات منظمة "اليونسكو" فى الحد من أخطار سد النهضة على الطبيعة والآثار، خاصة مع عدم التزام الجانب الأثيوبى بتطبيق المعايير الدولية فى بناء السد، مما سيكون له مخاطر عديدة منها الأخطار الجسيمة التى ستتعرض لها مواقع التراث الثقافى والطبيعى العالمى، مما يستوجب معه اتخاذ كافة التدابير للحد من خطورة سد النهضة على مواقع التراث العالمى الثقافى والطبيعى فى مصر والسودان وأثيوبيا، وكينيا، وأوغندا وغيرها من دول حوض النيل.

ومن المسئول عن حماية التراث العالمى؟

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" هى الجهة الدولية الأولى المسئولة عن حماية التراث العالمى، وهى مطالبة بسرعة التدخل للحد من خطورة سد النهضة، والسدود المستقبلية على التراث الثقافى، وهى المواقع المحمية ببنود الاتفاقيات، والمواثيق الدولية، الخاصة بتوفير الحماية لمواقع التراث العالمى المُعرض للأخطار، والملزمة لكافة الدول الموقعة عليها باتخاذ كافة تدابير الحماية، فى ظل صلابة الموقف الإثيوبى فى استكمال بناء سد النهضة، بالمخالفة لتلك القوانين والمواثيق والمعايير الدولية، مما يترتب عليه ارتفاع فى منسوب المياه، وإنجراف للتربة، وزيادة فى نسبة الرطوبة، كل ذلك سيُعرض المواقع الأثرية والطبيعية العالمية فى دول حوض النيل إلى العديد من الأخطار المُحدقة بها. 

دول حوض النيل 

وكيف ترى طبيعة المخاطر التى سيتسبب فيها السد؟

الدراسات العلمية والأثرية تؤكد أن التراث الثقافى والطبيعى فى أثيوبيا، ومصر، والسودان، وكينيا، وأوغندا، وكافة دول حوض النيل، بات مهدداً بالخطر جراء بناء سد النهضة بأثيوبيا بهذا التصميم الكبير، لذلك ينبغى على كافة المسئولين اتخاذ الإجراءات المناسبة لمواجهة هذه الكارثة المقبلة المتُعلقة بتدمير التراث العالمى فى حوض النيل، علماً بأن المسئولية الأساسية فى حماية وصون هذا التراث الإنسانى العالمى، تقع على منظمة "اليونيسكو" وأجهزتها الفنية المتخصصة، كما تؤكد نتائج هذه الدراسات العلمية والأثرية أيضاً أن أخطار سد النهضة بهذا الشكل تصل إلى مواقع التراث الثقافى والطبيعى العالمى فى أثيوبيا نفسها، وهو تراث عالمى يخص البشرية كلها، وحمايته مسئولية اليونسكو، والمجتمع الدولى، وذلك نتيجة تخزين كميات هائلة من المياه فى أحواض واسعة قريبة من محيط المواقع التراثية العالمية فى أثيوبيا، وبالتالى سينعكس تأثيرها السلبى المباشر وغير المباشر سواء فى تخلل عناصر التربة فى محيط مواقع التراث العالمى، أو غمرها بالمياه، وهوما يستوجب من الجميع التحرك الفورى على كافة المستويات، وإشراك المجتمع الدولى فى الاضطلاع بدوره فى إنقاذ مواقع التراث العالمى، التى هى ملك للإنسانية جمعاء، ومطالبة المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافى والطبيعى العالمى، وبخاصة منظمة اليونسكو، ولجنة التراث العالمى، ومجلس الأمن، وصندوق حماية التراث الإفريقى، وجامعة الدول العربية، باتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية مواقع التراث العالمى المُهددة بالأخطار فى دول حوض النيل، وتوعية الرأى العام العالمى والإقليمى بخطورة إنشاء السدود الكبيرة فى دول المنبع، واتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بحماية هذا التراث الإنسانى العالمى من الأخطار، والحد من إنشاء سدود مستقبلية فى دول منابع نهر النيل. 

 المنظمات الدولية 

ما هى مسئوليات منظمة "اليونسكو"، والمؤسسات الدولية ذات الاختصاص فى حماية مواقع التراث العالمى من أخطار سد النهضة فى مصر ودول حوض النيل؟

ينبغى إلقاء الضوء على عدد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية المصادق عليها من الدول من خلال منظمة "اليونسكو"، باعتبار أن هذه الاتفاقيات الدولية والمعاهدات عبارة عن "صكوك قانونية"، تتولى الدول إعدادها واعتمادها من خلال المؤتمر العام لليونسكو، وأجهزتها العاملة فى هذا الخصوص، وتصبح مُلزمة للدول التى تنضم إليها، وتصدق على بنودها، بهدف توفير إطار ومجموعة مبادئ وأحكام تقنية مُتفق عليها على الصعيد الدولى، بدءاً من النصوص الواردة فى ديباجة ميثاق زيورخ عام 1935 الخاص بتنظيم حماية الممتلكات الثقافية من قبل الدول الأطراف باليونسكو فى أوقات السلم لتكون حمايتها مجدية، وهو الأمر الذى أكدت عليها المادتان: الثالثة والسابعة من اتفاقية"لاهاي" لحماية التراث الثقافى فى حال النزاع المسلح عام 1954، وبروتوكولاها عام 1954 و1999: بشأن "اتخاذ كافة التدابير التى تراها مناسبة لوقاية الممتلكات الثقافية من جانب الدول الأطراف فى وقت السلم"، وكذلك بنود اتفاقية"اليونسكو": بشأن "التدابير الواجب اتخاذها لـ "حظر ومنع استيراد وتصدير، ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة 1970".

وما هى آليات حماية التراث العالمى؟

اتفاقية حماية التراث الثقافى والطبيعى العالمى لسنة 1972، وضعت بشكل مباشر آليات محددة لحماية التراث الثقافى والطبيعى من خلال إنشاء لجنة التراث العالمى وصندوقها المالى، وبات العالم من هذا الوقت يملك منظومة عملية لحماية التراث الثقافى والطبيعى فى العالم، بالإضافة إلى اتفاقيات أخرى تحقق نفس الأهداف مثل: "اتفاقية المعهد الدولى لتوحيد القانون بشأن الممتلكات الثقافية المسروقة، أو المصدرة بطرق غير مشروعة 1995، واتفاقية حماية التراث الثقافى المغمور بالمياه 2001، واتفاقية حماية التراث الثقافى غيرالمادي2003، واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافى 2005م، وغيرها من المواثيق الدولية المصادق عليها من الدول الأطراف باليونسكو".

 حماية التراث

وما الذى يجب أن يحدث فى ظل الوضع الراهن؟

آن الأوان لاستدعاء منظمة "اليونسكو" وأجهزتها والمؤسسات الدولية ذات الاختصاص، للاضطلاع بدورها فى حماية مواقع التراث الثقافى والطبيعى المُعرض للأخطار، جراء إنشاء سد النهضة، وبخاصة بعد تفاقم المخاطر بالتراث الثقافى والطبيعى فى مصر، وكافة دول حوض النيل، سواء جراء بناء سد النهضة فى أثيوبيا أو إنشاء سدود جديدة فى دول منابع نهر النيل، ودعوتها إلى اتخاذ كافة التدابير والإجراءات الفاعلة للحد من خطورة سد النهضة على المواقع التراثية والطبيعية، وفق نصوص الاتفاقيات والمواثيق الدولية الهادفة إلى حماية مواقع التراث العالمى من الأخطار، من أجل توفير الحماية القانونية الدولية لنهر النيل ومواقعه الثقافية والطبيعية، لأن تدمير جزء من التراث العالمى الثقافى والطبيعى فى أى بلد فى العالم هو فقدان لتراث الإنسانية جمعاء. 

وما هى المواقع الأثرية المهددة؟

من بين المواقع الأثرية المهددة بالأخطار فى مصر جراء بناء سد النهضة، مجموعة الآثار النوبية فى جنوب مصر بمنطقة "أبى سمبل" التى تم إدراجها فى قائمة التراث العالمى عام 1979، وتشتمل على منطقة أثرية من مبان مثيرة للعجب مثل معبد "رمسيس الثاني" فى "أبى سمبل"، ودار عبادة "إيزيس" فى جزيرة فيلة" التى تم إنقاذها بعد إنشاء السد العالى فى أسوان، من خلال حملة دولية أطلقتها اليونيسكو عام 1960، وإستمرت حتى عام 1980، وكان لمصر الفضل على "اليونسكو" فى إنشاء آلية دولية لإنقاذ التراث والمُتمثلة فى لجنة التراث العالمى، وأجهزتها المتخصصة، كما ستكون من أولى المواقع المُهددة بالأخطار من إنشاء سد النهضة بهذا الحجم الكبير، وكذلك من المواقع الأثرية القريبة من نهر النيل مدينة طيبة فى الأقصر،عاصمة مصر فى عصرى الدولتين الوسطى والجديدة ومدينة الإله"آمون"، وهى شاهدة على عراقة الحضارة المصرية فى ذروتها بما فيها معابد وقصور الكرنك، والأقصر، ومقابر وادى الملوك، ووادى الملكات، وقد أدرجت مدينة طيبة "الأقصر حالياً" ومقابرها الأثرية، ومعابدها فى قائمة التراث العالمى عام 1979، بالإضافة إلى المواقع الأثرية الوطنية فى كافة المدن المصرية القريبة من نهر النيل. 

وهل إثيوبيا نفسها أيضا مهددة؟

تقييم الوضع الراهن لتأثير سد النهضة على مواقع التراث الثقافى، والطبيعى العالمى في"أثيوبيا"، يؤكد أن تلك المواقع الأثرية والطبيعية، ستكون أولى المواقع المُهددة بالخطر، خاصة وأن أثيوبيا تمتلك عددا لا بأس به من المواقع الثقافية والطبيعية العالمية، والتى يبلغ عددها"تسع مواقع ثقافية وطبيعية" مُدرجة فى قائمة التراث العالمى، وهذه المواقع تتمتع بالقيمة العالمية الاستثنائية، التى تستوجب من المجتمع الدولى والإقليمى والمنظمات الدولية العاملة فى هذا الشأن وبخاصة منظمة اليونسكو اتخاذ كافة الإجراءات لتوفير الحماية والصون اللازمين وفق المواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث العالمى المُهدد بالخطر، ولا سيما اتفاقية حماية التراث الثقافى والطبيعى العالمى لسنة 1972م، والمخصصة لحماية التراث الثقافى والطبيعية ذى القيمة العالمية الاستثنائية بشكل دائم، ووفقاً للطرق العلمية الحديثة، وذلك لمواجهة التدمير المتزايد بجميع أنواعه على التراث.

وبالتالى فإنه مما لا شك فيه أن سد النهضة بهذا التصميم سيكون له تهديد مُباشر على مواقع التراث العالمى فى أثيوبيا وفى مقدمتها "منتزه سيمين الوطني" الذى اُدرج فى قائمة التراث العالمى عام 1978، والذى يعتبر من أجمل مناظر العالم الطبيعية على الهضبة الإثيوبية، حيث يضم محمية من الحيوانات النادرة مثل القرد، والثعلب القدرى، والوعل الجبلى فى أثيوبيا، الذى لا يوجد له مثيل فى أى مكان فى العالم. 

 كنائس إثيوبيا 

وماذا عن وضع الكنائس الأثرية الإثيوبية؟

كما سيمتد خطر سد النهضة على موقع الكنائس المحفورة فى "لاليبلا" فى عمق أثيوبيا.. وعلى الرغم من أن هذا المُمتلك الثقافى العالمى يوجد فى منطقة صخرية.. إلا أنه مُهدد بالخطر جراء إنشاء سد النهضة و"لالبيلا" مكان معروف بالنسبة للمسيحيين فى أثيوبيا بصفة خاصة، كما تعتبر هذه الكنائس المقدسة مزارا عالمىا يأتى إليها الزوار من العالم أجمع.. وأشار إلى أنه قد أدرجت هذه الكنائس المُهمة فى قائمة التراث العالمى فى 1978.

نريد ذكر أمثلة عن المواقع الآثرية المهددة بالخطر؟

من أهم مواقع التراث الطبيعى العالمى المُهدد بالخطر جراء بناء سد النهضة هو"وادى الأواش" المُنخفض، أحد أعظم روائع مواقع القارة الإفريقيّة التى ترجع إلى العصر الحجرى، حيث تشكّل الأثار التى جرى اكتشافها فى هذا الموقع، التى تعود إلى أربعة ملايين سنة، ويعد هذا الوادى دليلا على التطوّر البشرى الذى عدّل فى نظريات تاريخ الإنسانيّة، وقد أدرج هذا الموقع فى قائمة التراث العالمى 1980، وعلى مقربة من بحيرة "توركانا"، يوجد أحد أهم مواقع التراث العالمى الطبيعى، المُهددة بالخطر جراء بناء سد النهضة، هو"وادى أومو" الخفيض، الذى يعتبر من أهم المواقع الطبيعية فى العالم، حيث عثر فيه على العديد من البقايا الأحفوريّة التى تفيد دراسة تطوّر النوع البشرى.وقد أدرج هذا الموقع فى قائمة التراث العالمى عام 1980.كما تعتبر مدينة"حرار" المحصّنة، التى تقع فى الجزء الشرقى من أثيوبيا على هضبةٍ تحيطها الصحراء، والسافانا، وتتوغّل فيها مضائق سحيقة، والتى شيّدت الأسوار حول هذه المدينة الإسلامية العريقة التى تعود إلى ما بين القرنين الثالث والسادس عشر الميلاديين ولا تزال مدينة"حرار جوغول" ذائعة الصيت باعتبارها من أهم المدن الإسلامية فى القارة الإفريقية، وتشتمل هذه المدينة على العديد من الآثار الإسلامية العتيقة، التى تجمع بين الأصول العربية والتقاليد الإفريقيّة المحلية.. وأدرجت هذه المدينة فى قائمة التراث العالمى عام 2006.

 كما ان خطر سد النهضة يمتد أيضاً إلى مدينة "فاسيل غيبي"، التى أدرجت فى قائمة التراث العالمى عام 1979م، وتعتبر هذه المدينة مقر الإمبراطور الأثيوبى "فاسيليديس"، وخلفائه فى القرنين السادس، والسابع عشر الميلاديين، وتضم العديد من القصور، والكنائس والاديرة، والابنية ذات الطراز المعمارى الفريد، ذات المؤثرات الفنية الهندية والعربية، التى تحولت على يد البعثات المسيحية إلى روائع الفنون النادرة، كما أن خطر سد النهضة يتمتد أيضاً إلى أحد أهم مواقع التراث الثقافى العالمى فى مدينة"أكسوم القديمة"، التى تقع على مقربةٍ من حدود إثيوبيا الشماليّة، وفى قلب إثيوبيا القديمة،عندما كانت مملكة أكسوم الدولة الأعظم بين الإمبراطوريّة الرومانيّة فى الشرق وبلاد فارس. وتشتمل المدينة على الآثار الكثيرة، التى تعود إلى الحقبة الممتدة من القرن الأوّل إلى القرن الثالث عشر الميلاديين، سواء من العمائر والمسلاّت العملاقة أو القبور الملكيّة وآثار القصور القديمة. وقد أدرجت هذه المدينة العريقة فى قائمة التراث العالمى عام 1980.

من أهم مواقع التراث الثقافى العالمى فى أثيوبيا الذى سيلحق به الضرر جراء بناء سد النهضة، هو"المشهد الثقافى فى كونسو"، الذى يبلغ مساحته 55 كيلومترًا مربعًا، ويضم المسلات المرتفعة فى "كونسو" بإثيوبيا، وتشكل نموذجًا مذهلاً للتقاليد الثقافية الحية القديمة، ويشهد المكان على القيم المشتركة والتضامن الاجتماعى والمعارف الهندسية لهذه الجماعات. ويتضمن أيضًا تماثيل خشبية، عبارة عن مجسمات توضع على مدافن زعماء هذا المجتمع القبلى تجسيدًا لأعمال بطولية - فى شهادة حية استثنائية لتقاليد الجنازات التى هى على وشك الزوال. والتماثيل الحجرية فى المدن هى تعبير عن نظام مركب يحيى تعاقب الأجيال. وقد أدرج هذا الموقع فى قائمة التراث العالمى عام 2011.

ورقة ضغط 

وما الإجراءات التى يجب أن يتم اتخاذها فى الوقت الراهن؟

منظمة "اليونسكو" لن تتدخل من نفسها، ولكن هناك إجراءات ينبغى اتخاذها للاستفادة بجهود المنظومات الدولية العاملة، ومنها: اليونسكو لمساندة موقفنا لحماية الآثار من أخطار السد، منها: أولا: دعوة وزير التعليم العالى والبحث العلمى بصفته رئيس اللجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة " اليونسكو، الإيسيسكو، الألكسو"، إلى عقد اجتماع عاجل مع مديرة منظمة اليونيسكو والجهات الدولية ذات الصلة، لدراسة وتقييم المخاطر المحدقة بمواقع التراث العالمى فى مصر، ودول حوض النيل، ووضع الحلول المناسبة لحماية مواقع التراث الثقافى العالمي".. وثانيا: تكليف وزارة السياحة والآثار بإعداد ملف متكامل عن المخاطر، التى ستتعرض لها مواقع التراث العالمى فى مصر جراء بناء سد النهضة لرفعه إلى اليونسكو والمنظمات الدولية ذات الاختصاص"..

ثالثا: تكليف اللجنة الوطنية بالتواصل مع لجنة التراث العالمى ومندوب مصر الدائم باليونسكو لتقديم تقرير حول أخطار سد النهضة على مواقع التراث العالمى، لوضعه على جدول أعمال الدورة القادمة للجنة التراث العالمى باليونسكو إستنادا إلى اتفاقية حماية التراث الثقافى والطبيعى لسنة 1972، تمهيداً لتعميمه على مؤتمر وزراء الخارجية فى منظمة التعاون الإسلامى، لمطالبة أثيوبيا بالالتزام بالمعايير الدولية فى بناء سد النهضة".

كما يجب تكليف مندوب مصر الدائم لدى اليونسكو بالتنسيق مع المجموعة العربية والدول الصديقة بمنظمة اليونسكو، لاستصدار قرار دولى بشأن ضرورة توفير الحماية الدولية للمواقع الثقافية، والطبيعية الاستثنائية العالمية فى مصر، وأثيوبيا، وكافة دول حوض النيل من المخاطر المتوقعة جراء بناء سد النهضة، وضرورة الالتزام بالمعايير الدولية الواجب توافرها لحماية مواقع التراث العالمى

ملف نهر النيل

كما يجب تكليف وزارة البيئة والرى والموارد المائية، بإعداد ملف لتسجيل نهر النيل ومنابعه الطبيعية فى قائمة التراث العالمى باليونسكو، بهدف حماية نهر النيل ومنابعه من الإعتداءات المستمرة، والحد من إقامة سدود مستقبلية، وبخاصة فى دول منابع النيل، ويعطى مصر الدور الرئيسى فى حماية النهر، والمحافظة على موارده الطبيعية، ومتابعة أعمال صيانته وحمايته، كما يحفظ لمصر، وبقية دول حوض النيل الحِصص العادلة فى مياهه بصفة دائمة، بالإضافة إلى أن هذا الملف سيكون ورقة ضغط مهمة فى المفاوضات الجارية حول استكمال سد النهضة فى أثيوبيا.

وهل القانون الدولى يقف فى صف هذه الاجراءات؟

المعروف أن القوانين الدولية والاتفاقيات ذات الصلة تسمح بتسجيل مثل هذا النوع من الملفات وفق النصوص الأساسية المتعلقة باتفاقية حماية التراث الثقافى والطبيعى لسنة 1972، وضمن بند تسجيل التراث العابر للحدود، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، تعطى لمصر الحق فى تسجيل نهر النيل ومنابعه الطبيعية فى قائمة التراث العالمى باليونسكو، سواء باسمها فقط، أوباسم مصر والسودان أوباسم مصر ودول حوض النيل.

وماذا عن دور وزارة السياحة والآثار

تكليف وزارتى السياحة والآثار، والبيئة، بإعداد تقرير فنى وقانونى، بالتنسيق والتعاون مع دول حوض النيل، حول مخاطر سد النهضة على المواقع الثقافية، والطبيعية المُدرجة فى لائحة التراث العالمى، وشرح الأضرار التى ستُلحق بدول حوض نهر النيل، مثل كينيا حيث سيترك المشروع آثاره السلبية على الجماعات التى تعيش قرب البحيرات العملاقة التى تستقى مياهها من مياه نهر "أومو"، وتوضيح الآثار البيئية جراء إقامة سد النهضة، على المناطق المحيطة بهذا النهر، والذى يُعد مصدر المياه لبحيرة "توركانا" الشهيرة فى كينيا، والتى يعيش عليها أكثر من 300 ألف شخص، كما يوضح التقرير الآثار البيئة المدمرة لمشروع سد النهضة على قبائل التى تعتمد على الصيد، والرعى، والزراعة فى مناطق باتت تعانى من الجفاف بسبب تحويل مسار المياه، وتوضيح الأضرار التى ستتعرض لها حياة 200 ألف شخص موزعين فى 8 قبائل، تقطن تلك المنطقة التى تمتد عبر كينيا بإجمالى 760 كيلومتراً. 

تهديد السودان 

 وما هى المخاطر التى تهدد السودان؟

من مواقع التراث العالمى المُهددة بالخطر بالسودان جراء بناء سد النهضة المواقع الأثرية "النوبية" في"جبل البركل" فى شمال السودان..

ويضم خمسة من المواقع الأثرية على مساحة يفوق طولها 60 كيلومتراً فى وادى النيل..

وتحمل هذه المواقع كلها آثار الثقافة النوبية 900- 270 قبل الميلاد"، والمروية 270 قبل الميلاد- 350 ميلادية السائدتين فى ظل دولة "كوش الثانية"..

وتتضمن هذه المواقع قبوراً مزوّدة بأهرامات، بالإضافة الى معابد، وأبنية سكنية، وقصور..

ومنذ عصور ما قبل التاريخ، ارتبط جبل البركل ارتباطاً وثيقاً بالتقاليد الدينية والفولكلور، أما المعابد الأساسية فلا يزال ينظر إليها كأماكن ذات طابع عريق، وقد أدرج هذا الموقع فى قائمة التراث العالمى سنة 2003.

كما أن من المواقع الأثرية المُهددة بالخطر كذلك جراء بناء سد النهضة تلك المواقع الأثرية فى جزيرة "مروى"، التى تأثرت كثيرا ببناء سد مروى فى شمال السودان، وهى عبارة عن مناطق شبه صحراوية، بين نهر النيل، ونهر عطبرة، معقل مملكة "كوش"، التى كانت قوة عظمى بين القرنين الثامن، والرابع قبل الميلاد، وتتألف من الحاضرة الملكية للملوك الكوشيين في"مروي"، بالقرب من نهر النيل، وتضم العديد من الآثار: مثل" الأهرامات، والمعابد، ومنازل السكن"، وكذلك المنشآت الكبرى، وهى متصلة كلها بشبكة مياه، وقد امتدت إمبراطورية الكوشيين الشاسعة من البحر الأبيض المتوسط إلى قلب أفريقيا، وتشهد هذه المساحة على تبادل للفنون والهندسة والأديان واللغات بين المنطقتين، وقد أدرج هذا الموقع على قائمة التراث العالمى سنة 2011.

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي