التكية المصرية أنشأها محمد على باشا الكبير رداً على معاهدة لندن

التكية المصرية 
التكية المصرية 

 

أحمد عبد النعيم

 أمسك السلطان العثمانى سليم الثالث بقلمه المذهب وخشبه العاج المطرز بالياقوت ووقع على المرسوم السلطانى بعزل خورشيد باشا والى مصر من ولاية مصر وتولى محمد على بناءً على رغبة الشعب المصرى وفى يوم الثلاثاء الرابع عشر من صفر، أحضر المصريون كركًا وعليه قفطان،  وقام السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي فألبسها لمحمد على وأرسلا إلى خورشيد باشا وقال إنى مولى من طرف الوالى ولكن أنزله الجنود حتى صدر الفرمان العثمانى.
تولى محمد علي باشا  (المسعود بن إبراهيم أغا قوللي الألباني) حكم البلاد، وخاض محمد على فى بداية حكمه حروباً داخلية ضد المماليك والإنجليز إلى أن خضعت له سائر البلاد واستمد قوته الأولى من التأييد الشعبى ورغبته فى التغيير وبناء دولة ترضى طموحه اللامحدود .. استراح محمد على ولكن رغبته فى الملك أكبر دفعته إلى حروب خارجية كاد أن يستولى على الإمبراطورية،  العثمانية لولا تدخل المصالح الإنجليزية واستطاع ابنه إبراهيم باشا أن يقود حرباً فى وسط الجزيرة العربية وأرض الحجاز .. هنا كان تفكير محمد على فى إنشاء التكايا المصرية فى الأراضى التى تخضع لحكمه وسيطرته ربما يكون من نوع التقرب إلى الأهالى أو يكون نوعاً من الإحساس بالذنب أو كما يتصور الكثير من باب التقرب إلى الله، وقد راح البعض إلى أن إنشاء التكيتين جاء رداً على معاهدة  لندن 1840 بتقليص طموح محمد على فى حدود مصر فقط، ومن هنا جاء رد محمد على بإنشاء التكايا واختار أرض الحجاز باعتبارها أرضاً مقدسة  .. وكلها قابلة للتصديق.
 
تكية مكة والمدينة  

أنشأ محمد على باشا رأس الأسرة الخديوية في سنة 1238 هجرياً تكية  مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقد خصصت لخدمة الفقراء والمحتاجين من سائر البلاد ولا تقتصر على جنسية معينه يقصدها المحتاج ليحصل على رغفين من العيش المخبوز بداخلها وبعض من الشربة داخلها قطعة من اللحم، وقد يزيد لمن كان أشد فقراً لمن يتردد على التكايا يومياً .. ويصرف الرز والخبز والسمن واللحوم يومياً للنساء وتزيد الكميات كل يوم خميس ويستفيد من التكية الواحدة أكثر من 400 متردد يومياً ليصل إلى أكثر 4000 شخص فى مواسم الحج، وتتردد النساء على التكايا لتحصل على المعونة اليومية، وقد تستريح لتحصل على الرغفين وصحن الشربة. 
أوقف محمد على سنة 1844 عدداً من الأفدنة لتصل إلى 2877 فداناً وقفاً مصرىاً خاصاً للتكيتين وأوصى بأن يصل المستفيدون من التكية إلى 4000 شخص سنوياً، وقد وصل العدد إلى أكثر من 4150 مستفيداً فى عام 1850 ، وتولى محمد على بنفسه الإشراف على التكيتين والوقف الخاص بهما،  وأوصى أن تظل المسؤولية لأسرته حتى انقراض آخر رشيد بالأسرة العلوية.. انشغل محمد على بأمور البلاد وعين للتكية ناظراً  وموظفين للقيام بأمور التكيتين فى الحصول على المحاصيل وإرسال إلى ديوان الخديو  يومياً المرسوم بحاجة التكايا من المعلوم يوميا وكان محمد على حريصاً على تلبية الاحتياجات بسرعة ومن ماله الخاص ومن ريع أرضه.. ويقوم ناظراً التكية بالإشراف بنفسه ومعاونيه على توزيع وصرف الحصص اليومية، ويشاهد الناظر وهو يقف بنفسه على آذان الشربة لتوزيعها داخل طبق مخصص لها ومعها رغيفان من العيش الأسمر .. وما أن ينتهى من عمله حتى يدخل إلى مخبز التكية وهو مكان كبير له بابان وملحق به طاحونة يعمل عليها العمالة المصرية التى تستقبل القمح، وتقوم بعملية الطحين وتسلم الدقيق من الباب الخلفى ليتم عجنه وصرفه من الباب الثانى للمخبز .. وفى نهاية التكية يوجد المطبخ الكبير ذات الأبواب العالية وعدد كبير من الأوانى والأزانات الضخمة التى تخصص للشربة يقف عليها طباخ ماهر يعيين من الدولة المصرية ويقبض شهرياً من ناظر التكية .. ينتهى العاملين يومياً من أعمال الطبخ وتوزيع المعونات على المترددين على التكايا ويستريحون فى أماكن خاصة بهم مبنية على الطراز المصرى وهى أماكن للمبيت وهناك أماكن أخرى  تفتح إلا أيام الحج فهى مخصصة لبعض عمال المحمل كالطبيب والصيدلي وكاتب القسم العسكري، وكان الحاج المصرى  لا يكلف نفسه سوى تكاليف الحج وهو مبلغ 3 جنيهات .. يصرفها جنيهات لتأجير الجمل وجنيه للمعدية وجنيهاً وجبات الجمل اليومية ويعتمد الحاج المصرى على التكية فى باقى أموره من مأكل ومشرب ومبيت وحتى العلاج والمرض،  وهناك الحجرة الملكية (الغرفة الملكية دار التكية المصرية بمكه) وتفرش بأفخر أنواع المفروشات الملكية ومكان مخصص لجلوس كبار القوم والوالى عند الزيارة يتوسطها نافورة مياه ويقوم خادم خاص بلا اعتناء بها والاهتمام بها ولم تقتصر التكايا على صرف الطعام يومياًولكنها وصلت إلى حد تخصيص طبيب يقوم بعلاج المرضى وصرف العلاج بالمجان يومياً  وتوسعت التكية لإنشاء مدرسة ومكتبة تضم أمهات الكتب التى تأتى من مصر وبعض الدول وتعمل المكتبة حتى فترة متأخرة من الليل ويشرف عليها مسؤول يرشدك إلى ما تحتاجه من الكتب. 

تكية الخديو سعيد 

تولى الابن الرابع محمد سعيد باشا حكم البلاد فى 1854 ، وكان صاحب ميول غربية لتعليمه فى أوروبا، حيث تزوج من ملك هانم وإنجى هانم (يوجد الآن أحد أفراد أسرته من سلالته، هو الأمير محمد فاروق شريف وهو  الحفيد الأكبر لأحمد شريف باشا ابن محمد سعيد باشا، وهو الآن يعيش في الإسكندرية في منطقة سابا باشا، وقد تزوج من الأميرة نجوى وأنجب منها الأمير شريف والأميرة منى وهما يعيشان في نفس المنطقة في الإسكندرية جليم).. اهتم الخديو سعيد بتكية المدينة المنورة وأشرف عليها بنفسه وخصص لها وقف 252 فداناً من أجود الأراضى الزراعية وقفاً لخدمة التكية فقط،  وأصدر أوامره فوراً بزيادة المخصص من الأرز واللحم والسمن والغلال وزيادة مرتبات العاملين على التكية إلى الضعف، وكانت تصرف من أراضى الخديو فى فارسكور وديروط والبحيرة.. وتحمل مصاريف نقل الغلال والقائمين على النقل من ماله الخاص وبلغت مساحة الأراضي الموقوفة على هذه الأمور الخيرية أربعة آلاف وسبعمائة وواحداً وخمسين فداناً وفي عام 1909 بلغت نفقات التكيتين في مكة والمدينة 1960 جنيهاً، فيما بلغ إجمال نفقات مصر في الحرمين 50 ألف جنيه ويعتبر مبلغاً كبيراً بمقياس الوقت والزمن. 
وقد أضاف الخديو عباس حلمى الثانى (عباس حلمي الثاني بن محمد توفيق، هو سابع من حكم مصر من أسرة محمد على وآخر خديو لمصر والسودان وتم عزله 1914) عيادة لكل تكية بها طبيب مقيم يعين من قبل الحكومة المصرية مهمته الإشراف وعلاج المرضى دون مقابل ويرفق بكل عيادة صيدلية يصرف منها العلاج مجاناً دون مقابل ويوكل إليه أيضا مهمة إرسال كشف شهرى بالمطلوب قبل نفاذ المخزون، ويكتب على يافطة واضحة يومياً مواعيد الكشف،  وظلت هناك يافطة تحمل (عيادةخارجية.. من الساعة... إلى الساعة.. ما عدا أيام الجمع والأعياد.. الفحص الطبى والأدوية وسائر ما يلزم المريض مجاناً) وأنشأ السبيل العباسي فى مدينة منى لخدمة الحجيج،  وقد كتب قمندان المحمل إبراهيم رفعت باشا  عندما رأى اصلاحات وإضافات عباس حلمى للتكية بيتاً من الشعر على الباب الداخلى (لعباس مولانا الخديو فضائل .. عليها دليل كل يوم مجدد رأيناه قد أحيا تكية جده… فقلنا أعباس بني أو محمد)،   وكان اهتمام اسرة محمد على بالتكايا المصرية واضحاً وتبار كل خديو فى توسعة الوقف الخاص بالتكية وزيادة المخصص لها،  واستمر عطاء الأسرة حتى كان قرار الغلق . 

تكية الدراويش (المولوية)  

خلف قسم الخليفة يأخذك المكان على عتبة صوفية خاصة ومبنى روحانى جميل يطلق عليه تكية الدراويش، يستقبلك باب خشبى كبير ومسافة صغيرة حتى تصل إلى عدد من سلالم الحجر الجيرى لتصل إلى أعلى بقليل عن الأرض لتقف فى ساحة تكية الدراويش أو المولوية (إحدى الطرق الصوفية، مؤسسها الشيخ جلال الدين الرومى، عاش معظم حياته في مدينة قونية  التركية،  وقام بزيارات إلى دمشق والعراق، وهو ناظم معظم الأشعار التي تنشد في حلقات الذكر)، وأمامك مسجد زاوية ومساحة للطعام كانت مخصصة لخدمة القائمين على أمر المسجد، وتوسعت لتشمل مفهوم التكية، وعلى امتداد السلالم أنت فى حضرة حجرة السمع خان، مكان دائرى يسمع فيه الذكر والتواشيح وأغانى الصوفية والمولوية (اشتهرت الطريقة المولوية بما يعرف بالرقص الدائرى لمدة ساعات طويلة، حيث يدور الراقصون حول مركز الدائرة التي يقف فيها الشيخ، ويندمجون في مشاعر روحية سامية ترقى بنفوسهم إلى مرتبة الصفاء الروحى، فيتخلصون من المشاعر النفسانية ويستغرقون في وجد كامل يبعدهم عن العالم المادي ويأخذهم إلى الوجود الإلهي كما يرون)، وفى قاعة سمع خان غنت أم كلثوم وعبد الوهاب، وفى نهاية التكية توجد الخلوة الصوفية، وكانت فى الماضى مكان يلجأ إليه عابر سبيل أو بلا مأوى وبعد فترة  لم يصبح هناك قاصداً للمبيت فأصبحت خلوة خاصة يجلس فيها المتعبد فى حالة روحانية خاصة.

حيلة الملك فؤاد

تولى الملك فؤاد حكم مصر 1868 وأصبح حاكم مصر والسودان وسيد النوبة وكردفان ودارفور وكان مشغول إلى درجة كبيرة فى أمور الحكم، وقد لاحظ المقربون منه عدم زياراته للحجاز ولا القيام بفريضة الحج وهو أمر قد يأخذ عليه، ولكن أمام انشغاله اقترح عليه البعض لتكفير ذنوبه وعوض على أداء الفريضه تعيين رجل صالح بالتكية المصرية تكون كل مهمته الصلاة داخل الحرم يومياً والدعاء للملك فؤاد والمبيت يومياً بالتكية هناك وقد قام الرجل بالمهمة وتقاضى اعلى راتب لموظف مصرى مبلغ 25 جنيهاً مصر  والإقامة مجاناً.
حكايات من دفتر أيامنا الحلوة ويبقى التاريخ شاهداً ويبقى جدار الزمن يحكى حكايات من سيرة الأجداد.