ابداعات عربيه

يَدُ جَنَّة

للفنان: تيباري قنطور
للفنان: تيباري قنطور
Advertisements

كتبت:لطيفة‭ ‬لبصير

أشجار‭ ‬التين‭ ‬الشوكي‭ ‬كما‭ ‬أعرفها‭ ‬قصيرة‭ ‬القامة‭ ‬دوما،‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭ ‬جدي،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬باسقة،‭ ‬متطاولة‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬متكاثفة‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬أنها‭ ‬تنبىء‭ ‬بسر‭ ‬يختفي‭ ‬دوما‭ ‬في‭ ‬تلافيفها‭. ‬وما‭ ‬عمق‭  ‬هذا‭ ‬الإحساس‭ ‬لدي،‭ ‬وجعلني‭ ‬أدرك‭ ‬أنها‭ ‬أشجار‭ ‬غير‭ ‬بريئة،‭ ‬هو‭ ‬رؤيتي‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬لصديقتنا‭ ‬الجميلة‭ ‬البيضاء‭ ‬‮«‬جنة‮»‬‭ ‬وهي‬تعدو،‭ ‬محاولة‭ ‬التستر‭ ‬خلف‭ ‬أغصان‭ ‬هذه‭ ‬الأشجار‭ ‬وخلف‭ ‬أوراقها‭ ‬المنتفخة‭ ‬العريضة،‭ ‬وكأنها‭ ‬بطلة‭ ‬حكاية‭ ‬خرافية‭ ‬تفر‭ ‬من‭ ‬مملكة‭ ‬مرعبة‭. ‬

كانت‭ ‬حبيبات‭ ‬العرق‭ ‬المتصبب‭ ‬من‭ ‬جبينها‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬حمرة‭ ‬وجنتيها،‭ ‬وحين‭ ‬أوشكت‭ ‬أن‭ ‬تصطدم‭ ‬بي،‭ ‬سرت‭ ‬في‭ ‬جسدي‭ ‬قشعريرة‭ ‬أشبه‭ ‬بالصعقة‭ ‬الغريبة،‭ ‬بدت‭ ‬لي‭ ‬جنة‭ ‬وكأنها‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬جنسي،‭ ‬مع‭ ‬أنني‭ ‬أعرفها‭ ‬جيدا‭ ‬وسبق‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬رأيتها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬تستحم‭ ‬كما‭ ‬ولدتها‭ ‬أمها؛‭ ‬فلها‭ ‬نهدان‭ ‬جموحان‭ ‬يشبهان‭ ‬نهدي‭ ‬بالتحديد‭. ‬ولكن‭ ‬جنة‭ ‬كانت‭ ‬تختلف‭ ‬عني‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬خبايا‭ ‬نفسها،‭ ‬فهي‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬أغلب‭ ‬فتيات‭ ‬القرية،‭ ‬كانت‭ ‬دائمة‭ ‬الذهول،‭ ‬وكأنها‭ ‬تعيش‭ ‬بيننا‭ ‬وتنظر‭ ‬بعينيها‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬عنه‭ ‬أي‭ ‬شيء‭. ‬وما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬غرابتها‭ ‬لون‭ ‬عينيها‭ ‬اللوزيتين‭ ‬اللتين‭ ‬يطغى‭ ‬عليهما‭ ‬اللون‭ ‬الأزرق‭ ‬السماوي‭ ‬الذي‭ ‬جعلها‭ ‬حديث‭ ‬القرية‭ ‬كلها‭. ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يقال‭ ‬عنها‭ ‬وعن‭ ‬عينيها،‭ ‬فإنني‭ ‬لم‭ ‬أفهم‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الذهول‭ ‬الذي‭ ‬يتصاعد‭ ‬منهما،‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬كبرت‭ ‬وأصبحت‭ ‬أفهم‭ ‬إشارات‭ ‬الكبار‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الجن‭ ‬الذين‭ ‬سكنوا‭ ‬جنة‭ ‬والذين‭  ‬سجنوها‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬اسمه‭ ‬الرغبة‭.‬

كانت‭ ‬جنة‭ ‬صديقتي‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬العطل‭ ‬الصيفية؛‭ ‬أنا‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬زحام‭ ‬المدن،‭ ‬كنت‭ ‬شغوفة‭ ‬جدا‭ ‬بها؛‭ ‬الفتاة‭ ‬الجميلة،‭ ‬الشقراء،‭ ‬زرقاء‭ ‬العينين،‭ ‬مثل‭ ‬السماء‭ ‬الصافية‭ ‬في‭ ‬الآيام‭ ‬الحارقة،‭ ‬كانت‭ ‬فتاة‭ ‬لا‭ ‬تخاف،‭ ‬وكانت‭ ‬جدتي‭ ‬تحذرنا‭ ‬منها‭ ‬كثيرا‭ ‬وتسرد‭ ‬كلمات‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أفهم‭ ‬معناها‭ ‬بلهجتها‭ ‬البدوية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نألفها‭: ‬‮«‬هذيك‭ ‬زفانية‮»‬‭ . ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تحذير‭ ‬جدتي‭ ‬ذا‭ ‬أثر‭ ‬علي،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬أجد‭ ‬متعة‭ ‬في‭ ‬مجالستها‭ ‬والحديث‭ ‬معها،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الضوء‭ ‬المنبثق‭ ‬من‭ ‬عينيها‭ ‬كان‭ ‬يشعرني‭ ‬بمغادرة‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬والانفصال‭ ‬عن‭ ‬نفسي‭ ‬وتحولي‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬طيف‭ ‬خفيف‭. ‬لذلك‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أتلمس‭ ‬يدها‭ ‬بحنان‭ ‬كي‭ ‬أنتقل‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬العوالم‭ ‬التي‭ ‬أتصورها‭ ‬أشبه‭ ‬بالجنة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جدتي‭ ‬تقبل‭ ‬رفقتي‭ ‬لها،‭ ‬لذلك‭ ‬كانت‭ ‬تعيدني‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬كلما‭ ‬رأتني‭ ‬أركض‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬العرصات‭ ‬الشاسعة‭ ‬ونحن‭ ‬ننزع‭ ‬الثياب‭ ‬عن‭ ‬الفزاعات‭ ‬العملاقة‭ ‬الرابضة‭ ‬وسط‭ ‬العنب‭ ‬لإفزاع‭ ‬الطيور،‭ ‬كنا‭ ‬دوما‭ ‬نعبث‭ ‬بالفزاعات‭ ‬العارية،‭ ‬وكان‭ ‬لدي‭ ‬الوهم‭ ‬أننا‭ ‬حين‭ ‬سننزع‭ ‬الثياب‭ ‬سنجد‭ ‬أجسادا‭ ‬حقيقية،‭ ‬لكننا‭ ‬كنا‭ ‬لا‭ ‬نعثر‭ ‬سوى‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬قصب‭ ‬معقود‭ ‬بحبال‭ ‬صلبة‭. ‬

 

للفنان‭: ‬حسان‭ ‬بورقية

كنت‭ ‬معتادة‭ ‬أن‭ ‬أذهب‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬المدينة،‭ ‬لكن‭ ‬جنة‭ ‬كانت‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬ذلك‭ ‬الوجه‭ ‬الحارق‭ ‬الذي‭ ‬يربطني‭ ‬بهواجس‭ ‬القرية‭ ‬ولعناتها،‭ ‬وكأن‭ ‬بها‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬المس‭ ‬المرعب‭ ‬الذي‭ ‬يغذي‭ ‬خيالي‭ ‬الراغب‭ ‬في‭ ‬تصديق‭  ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترويها‭ ‬جدتي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬الظلام،‭ ‬لكنني‭ ‬حين‭ ‬عدت‭ ‬لآخر‭ ‬مرة‭ ‬أحسست‭ ‬بأن‭ ‬جنة‭ ‬قد‭ ‬تغيرت‭ ‬طبيعتها،‭ ‬وعلت‭ ‬التعاسة‭ ‬وجهها؛‭  ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬انتفخت‭ ‬كثيرا‭ ‬و‭ ‬صارت‭ ‬سمينة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المعتاد،‭ ‬واختفت‭  ‬يدها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تدخلني‭ ‬لعوالم‭ ‬السحر‭. ‬وفي‭ ‬صباح‭ ‬ثقيل‭ ‬استيقظنا‭ ‬على‭ ‬صراخ‭ ‬حاد،‭ ‬وهرعنا‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬الأصابع،‭ ‬ونظرت‭ ‬مندهشة‭ ‬كما‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬طفل‭ ‬صغير‭ ‬متكور‭ ‬نائم‭ ‬تحت‭ ‬كومة‭ ‬من‭ ‬القش،‭ ‬كانت‭ ‬حمرة‭ ‬وجنتيه‭ ‬أليفة‭ ‬لدي‭ ‬تماما،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬جمهور‭ ‬غفير‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬يغمغمون‭: ‬إنه‭ ‬ابن‭ ‬جنة،‭ ‬شعره‭  ‬أشقر‭ ‬مثل‭ ‬لون‭ ‬شعرها،‮ ‬‭ ‬وعيناه‭!... ‬أنظروا‭ ‬إلى‭ ‬عينيه‭. ‬

كان‭ ‬الطفل‭ ‬ملاكا‭ ‬صغيرا،‭ ‬عيناه‭ ‬زرقاوان‭ ‬يحيطهما‭ ‬صفاء‭ ‬آسر،‭ ‬وأصابعه‭ ‬الوردية‭ ‬تقبض‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬ما،‭ ‬وكأنه‭ ‬يمسك‭ ‬بيد‭ ‬تحميه،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يراه‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬حبه،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬الكل‭ ‬كان‭ ‬يلعن‭ ‬جنة‭ ‬في‭ ‬السر‭ ‬والجهر،‭ ‬ويتمنون‭ ‬لو‭ ‬ألقوا‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬جب‭ ‬عميق‭. ‬أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي،‭ ‬فإن‭ ‬مشهد‭ ‬الطفل‭ ‬رسخ‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬بأن‭ ‬أطفال‭ ‬الحب‭ ‬هم‭ ‬أكثر‭ ‬جمالا‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬و‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الخوف‭ ‬المعجون‭ ‬بالرغبة‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يمنحهم‭ ‬ذلك‭ ‬البهاء‭ ‬الذي‭ ‬يغذي‭ ‬الأسطورة‭ .‬

كانت‭ ‬جدتي‭ ‬بين‭ ‬الحضور‭ ‬المتجمهرين،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬رأتنا‭ ‬حتى‭ ‬أخذت‭ ‬تحثنا‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬للبيت،‭ ‬وأومأت‭ ‬لنا‭ ‬بنظرتها‭ ‬الفاتكة،‭ ‬نحن‭ ‬معشر‭ ‬بناتها‭ ‬وبنات‭ ‬بناتها‭ ‬وهي‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬مخارج‭ ‬الحروف‭ ‬بقسوة‭: ‬ألم‭ ‬أقل‭ ‬لكن‭ ‬إنها‭ ‬‮«‬زفانية»؟

لكنني‭ ‬لشدة‭ ‬حبي‭ ‬لجنة‭ ‬تسللت‭ ‬ولم‭ ‬أعر‭ ‬كلام‭ ‬جدتي‭ ‬أي‭ ‬اهتمام،‭ ‬وانتظرت‭ ‬طويلا‭ ‬علني‭ ‬أرى‭ ‬جنة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬لكنها‭ ‬اختفت،‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬الوعيد‭ ‬والشتائم‭ ‬والتهديد‭ ‬يلاحقها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالس،‭ ‬بل‭ ‬بدأ‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬يكرهونها،‭ ‬يطاردونها‭ ‬لمعاقبتها‭ ‬وجعلها‭ ‬عبرة‭ ‬للأخريات‭. ‬

لم‭ ‬يتمكن‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬رؤيتها‭ ‬ولا‭ ‬الإمساك‭ ‬بها‭. ‬شاع‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬أنها‭ ‬امتطت‭  ‬جوادا‭ ‬أحمر‭ ‬اللون،‭ ‬وأن‭ ‬الجواد‭ ‬حفر‭ ‬الأرض‭ ‬وغاص‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الأعماق‭ ‬وكأنها‭ ‬فارسة‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬قديم‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬القرية‭ ‬يبحثون‭ ‬عنها،‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يعثروا‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬أثر،‭ ‬وعادوا‭ ‬متعبين،‭  ‬وكأنهم‭ ‬نفضوا‭ ‬أيديهم‭ ‬من‭ ‬لعنتها‭. ‬ومن‭ ‬الغريب‭ ‬جدا‭ ‬أن‭ ‬عائلتها‭ ‬احتفظت‭  ‬بالطفل‭ ‬الملعون‭ ‬والمحبوب‭ ‬معا‭. ‬وبعد‭ ‬أيام‭ ‬قلائل‭ ‬مات‭ ‬والدها‭ ‬بسبب‭ ‬إحساسه‭ ‬بالعار‭  ‬ولمعاناته‭ ‬من‭ ‬مرض‭ ‬القلب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يفرض‭ ‬عليه‭ ‬قلة‭ ‬الحركة‭ ‬ولزوم‭ ‬البيت‭.‬

مرت‭ ‬سنوات‭ ‬لم‭ ‬ألتق‭ ‬فيها‭ ‬جنة،‭ ‬لكن‭ ‬إسمها‭ ‬لم‭ ‬ينمح‭ ‬من‭ ‬أحاديث‭ ‬القرية‭ ‬وهواجسها،‭ ‬فقد‭ ‬أكد‭ ‬الكثيرون‭ ‬بأنها‭ ‬تظهر‭ ‬بملابس‭ ‬بيضاء‭ ‬كلما‭ ‬جن‭ ‬الليل،‭ ‬وهي‭ ‬تصدر‭ ‬صوتا‭ ‬كسجع‭ ‬الحمام،‭ ‬تحت‭ ‬أشجار‭ ‬التين‭ ‬الشوكي‭ ‬العالية‭. ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تنتابني‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عنها‭ ‬ليلا،‭ ‬لكنني‭ ‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬بالخوف،‭ ‬فقد‭ ‬تسامقت‭ ‬الأشجار‭ ‬بشكل‭ ‬غريب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬متعانقة‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬وكأنها‭ ‬رؤوس‭ ‬شياطين‭ ‬تعانق‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬بحنو‭ ‬بالغ‭.‬

لا‭ ‬أزال‭ ‬لهذا‭ ‬اليوم‭ ‬أذكر‭ ‬يدها‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أمسك‭ ‬بها‭ ‬كلما‭ ‬التقيتها،‭ ‬فحين‭ ‬كبرت‭ ‬كنت‭ ‬أراها‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬كل‭ ‬الفتيات‭ ‬اللواتي‭ ‬تشدهن‭ ‬عيونها،‭ ‬وأحسست‭ ‬بنمو‭ ‬أوراق‭ ‬صبار‭ ‬كثيرة‭ ‬وعريضة‭ ‬بداخلي‭ ‬تشبه‭ ‬أوراق‭ ‬الأشجار‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬القرية‭ ‬وتجاور‭ ‬منزل‭ ‬جدي،‭ ‬فكنت‭ ‬ألعن‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسي‭ ‬كل‭ ‬أشجار‭ ‬الصبار‭ ‬التي‭ ‬يسميها‭ ‬الآخرون‭ ‬باسم‭ ‬شجرة‭ ‬الشيطان؛‭ ‬واستعدت‭ ‬وجه‭ ‬جنة‭ ‬وهي‭ ‬تأكل‭ ‬فاكهتها‭ ‬المغطاة‭ ‬بالشوك‭ ‬دون‭ ‬نزع‭  ‬قشرتها‭.‬

كانت‭ ‬فكرة‭ ‬الطرد‭ ‬من‭ ‬الجنة‭ ‬تراودني‭ ‬كل‭ ‬حين،‭ ‬وكأني‭ ‬بكل‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصرخ‭ ‬تستعيد‭ ‬ثأرا‭ ‬قديما‭ ‬للخلق‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬الأرض،‭ ‬وكأن‭ ‬السعادة‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬نزع‭ ‬الجنين‭ ‬من‭ ‬الرحم‭ ‬وإخفاء‭ ‬آثار‭ ‬ما‭ ‬جنته‭ ‬الأم‭. ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تنتابني‭ ‬كوابيس‭ ‬غريبة‭ ‬أستيقظ‭ ‬منها‭ ‬وأنا‭ ‬أصرخ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أنزع‭ ‬كل‭ ‬الأرحام،‭ ‬وكأنني‭ ‬بذلك‭ ‬أعدم‭ ‬الولادة،‭ ‬ثم‭ ‬أسأل‭ ‬نفسي‭:‬

ماذا‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬النساء‭ ‬قررن‭ ‬نزع‭ ‬أرحامهن،‭ ‬هل‭ ‬سيتوقف‭ ‬الخلق؟

حين‭ ‬كبر‭ ‬الملاك‭ ‬الصغير‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬بدأت‭ ‬تلاحقه‭ ‬الأعين،‭ ‬فالكل‭ ‬يناديه‭ ‬بابن‭ ‬جنة،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تلاحق‭ ‬والده‭ ‬الذي‭ ‬تزوج‭ ‬امرأة‭ ‬أخرى‭ ‬بصمت،‭ ‬وأنجب‭ ‬أبناء‭ ‬وثق‭ ‬أسماءهم‭ ‬وتواريخ‭ ‬ميلادهم،‭ ‬ولم‭ ‬تشر‭ ‬إليه‭ ‬الأصابع،‭ ‬ولم‭ ‬يطرد‭ ‬من‭ ‬الجنة،‭ ‬أتخيل‭ ‬حجم‭ ‬الملائكة‭ ‬الذين‭ ‬يرتعون‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬بدون‭ ‬صكوك‭ ‬اعتراف،‭ ‬وأتصور‭ ‬انتقامهم‭ ‬الشديد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الرحم‭ ‬الذي‭ ‬أنجبهم‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬فتيات‭ ‬جميلات‭ ‬يشبهن‭ ‬جنة،‭ ‬وأحاول‭ ‬لو‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬أعجن‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يموت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يتلذذ‭ ‬بأكل‭ ‬التين‭. ‬

كنت‭ ‬دوما‭ ‬أستعيد‭ ‬الطرد‭ ‬من‭ ‬الجنة‭ ‬وكأنه‭ ‬يتكرر‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬وأرى‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقف‭ ‬قبالتي‭ ‬بصوته‭ ‬القوي‭ ‬وهو‭ ‬يؤكد‭ ‬بأن‭ ‬الخطيئة‭ ‬جعلت‭ ‬الله‭ ‬يطرد‭ ‬آدم‭ ‬وحواء‭ ‬من‭ ‬الجنة،‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬حواء‭ ‬وقد‭ ‬أطرقت‭ ‬خجلا‭ ‬وهي‭ ‬تغادر‭ ‬الجنة‭ ‬وتبكي،‭ ‬وأرى‭ ‬الخلق‭ ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬وهم‭ ‬يخطئون‭ ‬ويصرخون‭ ‬ويقتلون‭ ‬ويعشقون‭ ‬ويرغبون‭ ‬ويموتون‭ ‬ويتعلمون‭ ‬وينامون‭ ‬ويستيقظون،‭ ‬ثم‭ ‬أسأل‭ ‬الأستاذ‭:‬

‭- ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬يطردوا‭ ‬عشيق‭ ‬جنة‭ ‬من‭ ‬القرية؟‭ ‬لقد‭ ‬أكلا‭ ‬معا‭ ‬تلك‭ ‬الفاكهة‭ ‬الملعونة‭ ‬؟‮ ‬‭!‬

لم‭ ‬تختف‭ ‬جنة‭ ‬تماما،‭ ‬فلشدة‭ ‬ما‭ ‬نسجت‭ ‬حولها‭ ‬من‭ ‬حكايات‭ ‬خارقة،‭ ‬رأيتها‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الليالي‭ ‬الدامسة،‭  ‬تهبط‭ ‬واقفة‭ ‬فوق‭ ‬غيمة‭ ‬كبيرة‭ ‬وقد‭ ‬اكتملت‭ ‬أنوثتها‭ ‬الشامخة،‭ ‬وكانت‭ ‬تتناسل‭ ‬من‭ ‬يدها‭ ‬نساء‭ ‬كثيرات‭ ‬يشبهنها‭ ‬وهن‭ ‬يتساقطن‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬كان‭ ‬المشهد‭ ‬مخيفا‭ ‬وهي‭ ‬تنظر‭ ‬نظرات‭ ‬حانية‭ ‬إلى‭ ‬الأسفل،‭ ‬وكأنها‭ ‬كانت‭ ‬تروي‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬الظمأ،‭ ‬كنت‭ ‬ألتف‭ ‬بملابسي‭ ‬بقوة‭ ‬وصوتي‭ ‬لا‭ ‬يسعفني‭ ‬على‭ ‬الصراخ‮…‬

وروت‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬مجامعهن‭ ‬الخاصة‭ ‬ووشوشاتهن‭ ‬الهامسة‭ ‬بأن‭ ‬عشيق‭ ‬جنة‭ ‬أدخل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سيدي‭ ‬بولكوان‮»‬‭ ‬لاختناقه‭ ‬الدائم‭ ‬ليلا‭ ‬بسبب‭ ‬يد‭ ‬جنة‭ ‬التي‭ ‬تلاحقه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬وسيظل‭ ‬هناك‭ ‬ليحميه‭ ‬الولي‭ ‬الصالح‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬المحقق‭.‬

لا‭ ‬أدري‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬جدتي‭ ‬تتعاطف‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬مع‭ ‬حكايات‭ ‬جنة،‭ ‬فقد‭ ‬أسرت‭ ‬لنا‭ ‬أنها‭ ‬ربما‭ ‬قد‭  ‬ظلمت‭ ‬وأنها‭ ‬قتلت‭ ‬وبأن‭ ‬روحها‭ ‬تسكن‭ ‬القرية،‭ ‬لذلك‭ ‬ترى‭ ‬بالليل‭. ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فكنت‭ ‬أشعر‭ ‬بيد‭ ‬جنة‭ ‬رطبة‭ ‬ناعمة‭ ‬تلمس‭  ‬كل‭ ‬الأمكنة‭ ‬التي‭ ‬أحل‭ ‬بها،‭ ‬وكأنها‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬القمر‭ ‬تنير‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تلمسه‭. ‬

مر‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬حصلت‭ ‬بعدها‭ ‬على‭ ‬دكتوراه‭ ‬في‭ ‬الأنتربولوجيا،‭ ‬وصرت‭ ‬أدخل‭ ‬بيوتات‭ ‬نائية‭ ‬لأعرف‭ ‬رأي‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬كما‭ ‬أبحث‭ ‬في‭ ‬العادات‭ ‬والمعتقدات‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬تخزنه‭ ‬الثقافات‭ ‬من‭ ‬أسرار،‭ ‬ولكن‭ ‬فهم‭ ‬الإنسان‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬صعبا‭ ‬جدا،‭ ‬فكلما‭ ‬أنرت‭ ‬زاوية،‭ ‬تعتمت‭ ‬زوايا‭ ‬أخرى‭. ‬لكنني‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬اكتسبت‭ ‬جرأة‭ ‬ولم‭ ‬أعد‭ ‬أثق‭ ‬بما‭ ‬يقال‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬من‭ ‬تعليقات‭ ‬ساذجة‭ ‬عن‭ ‬جنة‭. ‬فلغيابها‭ ‬وحضورها‭ ‬القوي‭ ‬تفسير‭ ‬آخر،‭ ‬ومقاومة‭ ‬يدها‭ ‬للجميع‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تؤرقني‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬

كنت‭ ‬أعود‭ ‬للقرية‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬وفي‭ ‬يوم‭ ‬مشهود‭ ‬ظل‭ ‬الجميع‭ ‬يخبر‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬بأن‭ ‬جنة‭ ‬ستعود‭ ‬اليوم‭ ‬للقرية،‭ ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬مدخلها‭.  ‬لم‭ ‬أصدق‭ ‬الخبر‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬لكنني‭ ‬التحقت‭ ‬بجماعة‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬القرية،‭ ‬وكأنني‭ ‬مدفوعة‭ ‬بيد‭ ‬لا‭ ‬ترى،‭ ‬ومشيت‭ ‬معهم‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬اصطف‭ ‬حشد‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬جنبات‭ ‬الطريق‭. ‬

بدت‭ ‬جنة‭ ‬وكأنها‭ ‬أميرة،‭ ‬خرجت‭ ‬للتو‭ ‬من‭ ‬حكايات‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة،‭ ‬وحين‭ ‬اقتربت‭ ‬من‭ ‬الحشد‭ ‬البشري‭ ‬الهائل،‭ ‬ارتمت‭ ‬عليها‭ ‬النساء‭ ‬يقبلنها‭ ‬وأخذ‭ ‬الرجال‭ ‬بيدها‭ ‬يتحسسونها‭ ‬وكأنهم‭ ‬يتبركون‭ ‬بها‭. ‬مظهر‭ ‬جنة‭ ‬تغير؛‭ ‬فهي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬أنوثتها‭ ‬اللافتة‭ ‬التي‭ ‬جللتها‭ ‬علامات‭ ‬الثراء‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تخطئها‭ ‬أعين‭ ‬أهل‭ ‬القرية‭. ‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الهمهمات‭ ‬والابتسامات‭ ‬علت‭ ‬زغاريد‭ ‬النساء‭ ‬والتي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ريح‭ ‬ورعد‭ ‬وبرق‮…‬‭ ‬ومطر‭ ‬بلل‭ ‬كل‭ ‬أهل‭ ‬القرية‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يقلبون‭ ‬أعينهم‭ ‬في‭ ‬السماء‮…‬‭ ‬وينظرون‭ ‬إلى‭ ‬جنة‮…‬‭ ‬وأمها‭ ‬تعانقها‭ ‬باكية‭ ‬وهي‭ ‬تصرخ‭: ‬إنها‭ ‬ابنتي‮…‬‭ ‬إنها‭ ‬جنة‭.‬

‭---------‬

هامش

1‭ - ‬يرد‭ ‬فعل‭ ‬زفن‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬بمعنى‭ ‬رقص‭ ‬والزفانة‭ ‬بمعنى‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬يرقصون،‭ ‬لكن‭ ‬الزفانية‭ ‬هنا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحرف‭ ‬معناها‭ ‬في‭ ‬المنظور‭ ‬الشعبي‭ ‬أصبحت‭ ‬تعني‭ ‬المومس‭ ‬وهو‭ ‬استعمال‭ ‬شائع‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬دكالة‭ .‬

‭ ‬2-‭ ‬سيدي‭ ‬بولكوان‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬دكالة،‭ ‬وهو‭ ‬سيد‭ ‬مدفون‭ ‬هناك‭ ‬له‭ ‬كرامات‭ ‬بحكم‭ ‬كلام‭ ‬أهل‭ ‬القرية،‭ ‬يزوره‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فك‭ ‬ضيق،‭ ‬يسقونه‭ ‬بالحليب‭ ‬ويقدمون‭ ‬له‭ ‬التمر‭ ‬والزبيب‭ ‬واللوز،‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬أشجار‭ ‬السدرة‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬النبق،‭ ‬وتزوره‭ ‬النساء‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الانجاب‭ ‬والزواج‭.‬

Advertisements

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي

 

ترشيحاتنا