كنوز الأميرة: صلاة ومسرح وغناء.. والإفطار كباب وياميش

شهر رمضان خلف أسوار السجن

الناقوس الكبير الذى كان السجان يدقه وقت انطلاق مدفع الإفطار فى سجن القاهرة
الناقوس الكبير الذى كان السجان يدقه وقت انطلاق مدفع الإفطار فى سجن القاهرة

قراءة: أحمد الجمَّال

أميرة المجلات "آخرساعة" لها حكايات مع شهر الصيام وتحفل أعدادها من عقود طويلة بموضوعات شائقة، ربما طاولها غبار الزمن، لكنها لا تزال تحمل رائحة العبق، وحين يقع تحت يدك عدد عتيق منها فهو بمثابة كنز يلقى هالة ضوء على مرحلة مهمة من تاريخ الصحافة، بل وتاريخ مصر عموماً فى ذلك الوقت. وفى السطور التالية نستعرض «كنوز الأميرة» وما فيها من صفحات الماضى الجميل  خلال رمضان من أعوام وأعوام قبل أكثر من نصف قرن من الزمان.
الحياة داخل السجن لها نظام خاص.. النوم بميعاد والاستيقاظ بميعاد، وما بين إفاقة العين وغفوتها إيقاع يوم مكتمل، رصدت "آخرساعة" تفاصيله فى شهر رمضان عام 1959، فى تقرير شائق بعنوان "أيام رمضان ولياليه فى سجن مصر"، وكيف كان يعيش ثلاثة آلاف نزيل وراء الأسوار فى رمضان؟ ثم تأتى التفاصيل تباعاً كما وردت فى المجلة منشورة على ثلاث صفحات بالصور، نستعرضها فى السطور التالية، بتصرفٍ بسيط.

إن سجن القاهرة سوف يستهلك فى شهر رمضان 750 كيلو من الياميش والمكسرات وقمر الدين، ونسبة الصائمين فى السجن ذلك العام زادت 25 فى المائة... ساعات العمل تصبح أربعة فقط.. وباقى اليوم راحة للصائمين.

لقد أثبتت إحصائية سجن القاهرة أن الجرائم تقل فى شهر رمضان بنسبة 25%، أما حوادث المشاغبات المتعددة داخل السجن، فقد انعدمت تماماً.. فلم يسجل منها محضر واحد خلال هذا الشهر.. كما أن عدد المصلين يزداد بنسبة 38%.. وأن عدم الخطأ فى العمل ترتفع نسبته إلى 44% بين جميع النزلاء، وعدد الذين يُفرج عنهم يومياً يتراوح بين 25 و30 نزيلاً.. والذين يدخلون السجن تقل نسبتهم فى رمضان إلى 28%.

طابور الصباح

 

فى الساعة الثامنة، والدقيقة الخامسة والعشرين، يخيِّم الصمت على السجن.. لا تسمع سوى صوت أقدام الحراس وهم يدورون فى أماكنهم، والبنادق على أكتافهم.. وهواء الصباح رطب.. والجندى زكى مصطفى إسماعيل نفسه يشرب فنجان شاى وسيجارة هوليوود، فهو صاحب مزاج، وإن كان بينه وبين مدفع الإفطار عشر ساعات.

ويدق الجرس الكبير الذى يتوسط العنابر الستة، ويتردد صداه فى الهواء والحجرات.. ويقرع السجان الأبواب، فيستيقظ 3153 مسجونا.. وتبدأ 6306 أيدى فى ترتيب الفراش وغسل الوجوه.. إن 25% منهم يفتحون أعينهم بشرب سيجارة على الريق، والحركة كالسوق تماماً.. أصوات وجلبة، وعم حسين العجوز وهو يقول:

يا ناس خلى عندكم إيمان.. والله الصلاة والصوم لهم فائدة كبيرة يا رجالة.

وتتوه الكلمات.. ويرجع الصمت من جديد، وكلمات «الشاويش» السجان تدوي.

ـ اتلم إنت وهو فى الطابور.. بلاش كسل خلينا نخلص بسرعة.. الواحد صايم ومش عايز وجع دماغ.

الساعة العاشرة صباحا.. المذنبون فى سجن القاهرة ينقسمون إلى قسمين: الذين تحت التحقيق، وهؤلاء غير مقيدين بأى عمل.. ويقضون الصباح فى الطوابير العسكرية وتمرينات التربية البدنية.

أما المحكوم عليهم بعقوبات، فهؤلاء يوزعون بعد طابور الصباح.. ويراعى فى هذه التوزيعات رغبة المسجون ونوع الصناعة أو العمل الذى كان يزاوله قبل دخوله السجن.. أما الذين لم يسبق لهم القيام بأى عمل، فهؤلاء يلحقون بالورش الفنية أو الأعمال اليدوية التى لا تحتاج إلى خبرة.

وقادنا اليوزباشى سمير قلادة معاون السجن، إلى الأماكن التى يقضون فيها أوقاتهم، بين ورش التأهيل المهني، والجلود والرسم والتطعيم بالصدف.. ورأينا مكتبة السجن وهى تحتوى على أحدث وأحسن الكتب الدينية والتاريخية والأدبية والقانونية.

ويقول اليوزباشى سمير قلادة، إن ساعات العمل فى رمضان تقل ساعتين، فتصبح أربع ساعات فقط، وبعد انتهاء هذه الساعات فالسجين حر أن يذهب كيفما يشاء.

صالة الوعظ

 

بحلول الساعة الثانية عشرة والنصف، انتهت صلاة الظهر، وجلس حوالى 250 مسجوناً فى صالة الوعظ الكبيرة، ووقف الشيخ محروس محمود واعظ السجن يقول:

ـ بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين.. التائب من الذنب كمن لا ذنب له وشهر رمضان شهر مبارك كريم.. يصوم فيه الإنسان عن الأكل والمعصية.. والصوم عن المعاصى وارتكاب الذنوب، له من الحسنات الكثير.. والله يقبل التوبة.

ويتكلم الخطيب، والآذان تسمع، والعقول تفكر، وقطرات من الدموع تتساقط، ولحية بيضاء من الركن البعيد تسرح فى الكلمات.

حلم البراءة

 

عند الساعة الثانية تماماً، ينتهى العمل فى جميع الورش وكافة الأعمال.. ويعودون إلى العنابر.. وفى نفس الوقت يُفتح الباب الكبير للسجن، ويستقبل العائدين من المحاكم الذين تحت التحقيق.. إنهم يعودون وفى عقل كلٍ منهم حلم، أن يستخدم المحامى براعته ويؤثر بكلامه فى القضاة، فيصدر الحكم ببراءته.

أثناء الصلاة

 

أما الذين أدينوا وحُكم عليهم بالسجن، فتبدأ راحتهم من الساعة الثانية بعد الظهر.. بعضهم يذهب إلى «الكانتين» لشراء ما يلزمه من الصابون والسجائر.. وآخرون يذهبون إلى حجراتهم، ويجلسون على أسرّتهم ليدرسوا مع زملائهم، أو يسرحوا بخيالهم فى أيام زمان قبل أن يدخلوا السجن.

والصائمون فى هذه الساعة يحل بهم التعب.. ويذهب كلٌ منهم إلى سريره ليستريح حتى تحين ساعة الإفطار!

أغنية ومسرحية

 

عند الساعة الرابعة، تشهد قاعة الاحتفالات بالسجن بروفات تجرى بنشاط لإنهاء اللمسات الأخيرة من مسرحية «الجنة تحت أقدام الأمهات».. إن المخرج والممثلين جميعاً من النزلاء، وكذلك كاتب القصة! 

وفى مكان آخر كانت تجرى بروفة لأغنية جديدة بمناسبة عيد الأم..

ويقول النزيل أحمد منصور فى كلمات الأغنية: (طول عمرى باحبك وهواكِ فى دمي/ وهنايا فى حبك يا حبيبتى يا أمي/ طول عمرى أتمنى اللى بيرضيكي/ علشان الجنة دى بساط رجليكي/ وأنا نفسى أنولها برضاكِ وأطولها)

ومن الغريب أن المغنى والملحن من نفس نزلاء السجن.. فسجن القاهرة يعتمد فى إقامة حفلاته الموسيقية والتمثيلية على النزلاء أنفسهم..

مواهب أخرى كثيرة تتكاتف فى إخراج الحفلات الترفيهية فى ثوب لائق.. فهذا زجَّال آخر يقول عن الوحدة بين الإقليمين الشمالى والجنوبي:

مصالحنا دى صبحت مشتركة

خلينا الاتنين بقوا واحد

وتسير الشركة على البركة

والإيد على الإيد بتساعد

ومن الطريف أن مؤلف هذا الزجل الوطنى دخل السجن بتهمة الهروب من العسكرية.. والطريف أيضاً أنه لا يُسمح بحضور الحفلات العامة داخل السجن إلا للذين تثبت التعليقات داخل دوسيهاتهم أنهم على قدر من حسن السير والسلوك.. وهؤلاء وحدهم يتمتعون بحضور الحفلات.. أما الآخرون فإنهم لا يحرمون من متعة السماع عن طريق الميكروفونات داخل عنابرهم.

مدفع الإفطار

 

فى الساعة السادسة إلا خمس دقائق، تحس أن الحركة التى تملأ السجن طوال النهار، أصبحت ساكنة، لا تسمع إلا أصوات الحراس وهم ينادون، والكلام بين النزلاء أصبح قليلا.. فيه تعب وإرهاق.. والأفواه فى انتظار الطعام.. إنه الشيء الذى يسكت المعركة التى تنشب فى المعدة. 

ويضرب المدفع.. ويقوم فريق إلى الصلاة.. وتنحنى رؤوس العتاة على الأرض.. تستغفر الله وتتوب إليه وتبدأ الأيدى فى التهام الطعام.. الطعام يتكون من الكباب والمكسرات والفواكه.. ثم يستريحون بعد تناول الطعام، أما أصحاب المزاج فإنهم يذهبون للتدخين وشرب الشاي، ثم تعود حركة الأجسام والأفواه، وتسمع القصص.. قصصا من الحياة.. من المجتمع.. من الناس الذين دخلوا السجن!!

وفى الساعة التاسعة تماماً.. تهدأ الأصوات، وتُطفأ الأنوار، وترتاح الأجساد على فراشها.. ويعود الصمت من جديد، ولا تسمع سوى أصوات أقدام الحراس.

(آخرساعة ـ ٢٥ مارس ١٩٥٩)

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي