ورقة وقلم

إذا لاح الخيار «صفر»...!

ياسر رزق
ياسر رزق

الكتلة الوطنية تثق ثقة مطلقة فى حكمة الرئيس السيسى فى إدارة أزمة «سد النهضة»، وقدرته على إنهائها بجرأة محسوبة لصالح شعب مصر

أبسط مبادئ السياسة أن تحيد العدو، وأن تجتذب المحايد. وأبسط مبادئ الاستراتيجية العسكرية ألا تفتح أكثر من جبهة قتال، إنما تثبت الجبهات الأقل خطراً، وتركز مجهودك الحربى على جبهة واحدة.

وما يصح فى أمور الدبلوماسية والقتال، يصلح فى شئون الحياة بشكل عام.

المراقب لجغرافيا العلاقات الإقليمية لمصر فى الشهور الأخيرة، لابد أن يرفع القبعة لراسم السياسة الخارجية المصرية، ولمعاونيه فى مؤسستى الدبلوماسية والمعلومات الاستراتيجية.

فلقد استطاعت مصر تمتين أواصر المصير الواحد التى تربطها بالسودان، وتمكنت من بناء تحالف واسع مؤيد بوضوح وحسم للموقف المصرى من أزمة سد النهضة، ومساند دون مواربة لحق مصر القانونى والتاريخى فى حصتها من مياه النيل دون انتقاص، يمتد من تونس غرباً إلى العراق شرقاً، وشرعت عبر اتصالات دبلوماسية تتدرج فى مستواها، فى تهدئة التوتر الذى ظل يسود العلاقات مع تركيا على مدى ثمانى سنوات مضت، وكاد يصل إلى حد المواجهة المباشرة.
من زاوية دوائر الأمن القومى، نجحت الدبلوماسية الرشيدة معززة بقدرة ردع عسكرية، تمسك بخيوطهما قيادة تتمتع بالحكمة، تدعو للحوار بديلاً عن الصدام، وتنتهج السلم والتعاون وتنبذ الحرب وتدمير المقدرات، فى تأمين دائرة الجوار الجغرافى المباشر فى ليبيا والسودان، وصون علاقات السلام مع إسرائيل، وحماية مكتسبات الشعب المصرى وثرواته فى البحر المتوسط.

وإذا عدنا بالذاكرة بضع سنين إلى الوراء وأجرينا مقارنة بين الوضع عند حدودنا مع دول الجوار حينئذ والوضع الآن، لا شك أننا سندرك قدر التطور الإيجابى الهائل الذى حدث وحجم الجهد الذى بذلته القيادة المصرية خلال السنوات الأخيرة، لتأمين الأضلاع الأربعة لمربع الإقليم المصرى.

غير أن دائرة حوض النيل،  تختلف عن باقى دوائر الأمن القومى المصرى، فى أن أى تهديد من اتجاهها يؤثر على تدفق حصة مصر من مياه النيل، يمثل خطراً وجودياً على الدولة وحياة الشعب.

< < <
الصبر سمة تاريخية يتصف بها الشعب المصرى، ولقد مدت مصر حبال الصبر مع إثيوبيا على مدار عقد كامل، ورغم المراوغة والملاوعة والمناورة التى انتهجتها القيادة الإثيوبية، احتفظت القيادة المصرية بهدوء الأعصاب والثبات الانفعالى، فى التعامل مع أزمة سد النهضة، سعياً لإنهاء الأزمة والحيلولة دون تحولها إلى كارثة تفجر الأوضاع فى القرن الأفريقى، وسيكون الشعب الإثيوبى أكثر من يتأذى من شظايا الانفجار ولهيبه.

لكن للصبر حدوداً..!

الآن.. وصلت الأزمة إلى حافة الهاوية.

بعبارة أخرى.. تقف عند مفترق طريقين إما المؤدى لاتفاق قانونى ملزم يحدد قواعد ملء وتشغيل السد، عبر وساطة إفريقية لم تنجح حتى الآن أو ضغوط دولية، أو المؤدى إلى مواجهة لا بديل عنها لحماية حق شعبى مصر والسودان فى الوجود.

الخيار بيد القيادة الإثيوبية وحدها، إذا أوقفت عربة العناد قبل أن تسقط بها فى هاوية الخراب، وأصغت أذنيها إلى صوت العقل المصرى، الذى يدعو مع صون حق الشعب المصرى، إلى ضمان تطلعات الشعب الإثيوبى فى التنمية، بل يفتح الأبواب على مصاريعها نحو تعاون على أوسع نطاق، فى مجال ترشيد موارد المياه المهدرة هباء على أرض إثيوبيا، ودفع عجلة التنمية لهذا الشعب الذى يزيد عدد سكانه على 110 ملايين نسمة.

الوقت فى هذه الأزمة ليس ترفاً، إنما هو أقرب لقنبلة نووية موقوتة بتاريخ محدد هو الملء الثانى لخزان سد النهضة، دونما اتفاق ودونما تنسيق ودونما حفظ لحق مصر الكامل غير المنقوص من حصتها فى مياه النيل.

< < <
الغريب فى أمر أزمة سد النهضة، لمن يتابع فصولها بموضوعية وإنصاف، أن القيادة المصرية تبدو مع حرصها على مصالح البلاد ومقدرات الشعب، أكثر حرصاً على مصلحة الشعب الإثيوبى وأمنه واستقراره ومستقبله من القيادة الإثيوبية..!

ذلك أن رئيس الوزراء الإثيوبى الذى أعطيت له جائزة نوبل للسلام لأسباب لم تعد خافية على أحد، لا يبالى فى سبيل صراعات السلطة ومنافسات الانتخابات التى تبدأ يوم ٥ يوليو المقبل، بمصير شعب بلاده، ويبدو أنه يظن أن العدوان على حق الشعبين المصرى والسودانى فى الحياة، من شأنه أن يجمع حوله الرأى العام الإثيوبى عبر لى ذراع الحقائق وتحويل الأزمة إلى قضية كرامة وطنية..!

ولعله يتوهم أن اقتياد أزمة السد إلى مواجهة مباشرة، سيؤدى إلى لصق الموزاييك الهش للدولة الإثيوبية بغراء نزعات الحرب.

لكن الحقيقة أن سوء التقدير الذى يحالفه حتى الآن، لن يحفظ له سداً ولن يصون شعباً، ولن يحمى دولة، بل سيفتت مكوناتها، فى حرب أهلية ضروس، تزداد بها يداه تلطخاً بدماء أكثر غزارة من تلك التى أراقها فى إقليم «تيجراى» المنكوب.

< < <

عندما تقول مصر إن كل الخيارات مفتوحة فى أزمة سد النهضة، فالمعنى أن السيناريوهات الموضوعة ليست بدائل متاحة للاختيار فيما بينها، وإنما هى خطوات متتابعة متصاعدة، تبعاً لقرار الجانب الإثيوبى، بكل الخيارات المتاحة بدءاً من الأداة الدبلوماسية التى شارفت صلاحيتها على الانتهاء، وصولاً إلى الخيار (صفر) الذى لا نتمناه، لكننا لن نتردد فى اللجوء إليه كملاذ أخير..!

لا تحتاج مصر فى خياراتها إلى دعم من أحد ولا إسناد من دولة، إنما تريد الحكمة من منظمات إقليمية ودولية، وحسن التقدير من جانب قوى عظمى مؤثرة.

< < <
الصراحة تقتضى القول إنه لابد من أن تراجع دول شقيقة نفسها، وأن تبدد غيوم الريبة التى تظلل موقفها إزاء أزمة سد النهضة.

إن شعب مصر الذى قد يغفر ولو على مضض، سوء التقدير فى سياسات قصيرة النظر، لن يتسامح أبداً مع غدر نوايا وطعن فى الظهر، سواء من جانب شقيق جانح، أو من جانب عدو يظن أن فرو الأغنام لو ارتداه، يجعل من الذئب حملاً وديعاً..!

< < <
من حقنا كشعب ومواطنين أفراد، أن نشعر بالقلق إزاء تداعيات أزمة سد النهضة، فعلى ماذا نقلق إذا لم يكن على نهر النيل، مصدر الوجود، ومنبع الحضارة، وسبيل التقدم؟!
لكن الكتلة الوطنية متراصة الصفوف وموحدة القلوب، تثق ثقة مطلقة فى قائد البلاد الرئيس عبدالفتاح السيسى.

لا تخالجنا ذرة شك فى حكمته وحنكته فى إدارة الأزمة، ولا فى قدرته على إنهائها بكل التدابير لصالح شعب مصر، بجرأة محسوبة، وبإقدام لا يتنكب الخطو، وبتصميم لا ينفك لصون حق الشعب فى الحياة.

أكتب هنا، ويكتب غيرى ويتكلمون على الشاشات، ويتحدث المصريون عبر وسائل التواصل الاجتماعى يعبرون عن مشاعرهم إزاء التهديد المحتمل والخطر الذى يلوح والعناد الأحمق، حتى يحين  آوان الذى ليس منه بُد.

العاقل لا يتمنى الحرب، ونحن لا نتمناها ولا نشتاق إليها، فإذا اضطررنا لها، لا نخوضها إلا بغية حماية أمن أو الدفاع عن وجود، وإذا خضناها فالنصر -بإذن الله- حليفنا.

لكنه مجرم مجنون، من يشعل فتائلها، وينفخ فى كيرها، خاصة أن من سيكتوى بنيرانها هم بنو وطنه البؤساء.

المجرمون لا يستحقون جوائز السلام.
والمجانين مكانهم ليس فى سدة الحكم.

سن القلم

لم أتتلمذ على يد الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد، ولكنى تتلمذت قارئاً لكتاباته، ومشاهداً له وهو يتابع الأحداث بقلمه ومفكرته الصغيرة، وكأنه صحفى مبتدئ وهو من أكبر وأمهر الصحفيين وعاصرت 3 نقباء للصحفيين خلال عضويتى بمجلس نقابة الصحفيين (١٩٩٩-٢٠١١) هم الأساتذة العظام إبراهيم نافع وجلال عارف ومكرم محمد أحمد. تتفق مع الأستاذ مكرم فى آرائه أو لا توافقه عليها، لكنك أولاً تحترم فيه إيمانه بما يكتب، وجرأته فى الحق، وشجاعته فى الدفاع عن حقوق الصحفيين وكرامتهم. أميز ما فى أستاذنا مكرم النقابى أنه كان يصفو سريعاً إذا ثار، وكان لا يجد غضاضة فى أن يراجع نفسه إذا اكتشف فيما يقال رأياً سديداً كان يختلف معه.

على أنه أيضاً ككاتب وكصحفى، كان يقدر الموهبة حتى فيمن يناصبونه الخصومة الفكرية، ويمسك بسماعة التليفون يهنئهم على خبر انفراد، أو تحقيق متكامل، أو حوار ثرى، أو مقال أعجبه.

يوم الخميس الماضى، فقدنا قامة شامخة من قامات الصحافة العربية الحديثة، ورمزاً من رموز حركة التنوير المعاصرة، هو الأستاذ مكرم محمد أحمد.

ويالها من خسارة للرأى والفكر والمهنة.

أترقب افتتاح مدينة الثقافة والفنون فى العاصمة الإدارية، مع الاحتفالية الضخمة التى ستقام لإطلاق العاصمة الجديدة، فى حدث سيكون الأبرز خلال عقود طويلة مضت.

المدينة تقع على مساحة 127 فداناً، وتضم داراً للأوبرا، ومسارح وقاعات عرض ومكتبات منها واحدة تسع 6 آلاف شخص ومتاحف منها متحف للشمع، ومعارض فنية وقاعة عرض سينمائى متصلة بالأقمار الصناعية وستديوهات وقاعة كبرى للاحتفالات تسع ٢٥٠٠ شخص ومركزاً للإبداع الفنى للشباب.

أتمنى لو صاحب افتتاح مدينة الثقافة والفنون تنظيم مؤتمر ثقافى موسع لكبار المبدعين من فنانين وأدباء وخبراء، يناقش وضع رؤية ثقافية للجمهورية الثانية التى سيعلن عن تأسيسها الرئيس السيسى خلال افتتاح العاصمة الجديدة.

الجهد الفائق المبذول من إنشاء هذه المدينة الثقافية الفريدة من نوعها فى المنطقة وراءه نخبة من عقول وخبرات وسواعد أبناء مصر فى شتى الميادين، يقودهم رجل الإنجاز العازف عن الأضواء اللواء محمد أمين مستشار الرئيس للشئون المالية.

إذا قلبت محطات التليفزيون، لن تجد على الفضائيات العربية إلا مسلسلات مصرية فى الأغلب الأعم، وكلها فى ساعات الذروة، ولن تجد إلا برامج ترفيهية مصرية، حتى الإعلانات والأغنيات المصاحبة لها مصرية الموسيقى والكلمات والأصوات.

الفن المصرى هو الوجبة المتنوعة أمام المشاهد العربى فى ليالى رمضان، التى ترضى كل الأذواق.

الملاحظ هذا العام ونحن فى بواكير الشهر الفضيل، هو ارتفاع منسوب المسلسلات التى تتناول بطولات للمصريين من رجال الشرطة والمخابرات، وهو أمر يعزز من نظرة الرأى العام العربى لمصر ومكانتها فى قلوب شعوب الأمة.

لست ممن يهتمون كثيراً بالقنوات الأكثر مشاهدة، وهل هى مصرية أم عربية.

أيا كانت القناة، فالمحتوى ستجده مصرياً، وتبدو القنوات العربية بما تعرضه من نتاج الفن المصرى نوافذ تضيف إلى منظومة الفضائيات المصرية، ومنافذ لتصدير صناعاتنا الإبداعية، وتشكيل الوجدان العربى.

فى دراما رمضان، تبرز أسماء شابة من المخرجين والمؤلفين، وتعود إلى الواجهة وجوه محترمة من الفنانين أمثال العظيم يحيى الفخرانى والقدير طارق لطفى ونجمة النجوم يسرا.

هذا الشهر، يحتفل أبناء دار «أخبار اليوم» بالعيد الخامس والثمانين لعميدهم الكاتب الكبير جلال دويدار.

٦٤ عاماً أمضاها أستاذنا العظيم فى جريدة «الأخبار»، دون أن يفارقها يوماً، محرراً قديراً، ومديراً للتحرير، ورئيساً للتحرير، ومعلماً ترك فى وجدان تلاميذه، بصمات لا تمحى، مقدرة فى إدارة الجريدة وإصدارها فى أبهى صورة، وصوناً لشرف الكلمة، ودفاعاً عن مرءوسيه بشراسة فى الحق، وأخذاً بالحق ممن يخطئ حتى لو كان من أقرب تلاميذه.

فى قلوب 3 أجيال على الأقل من أبناء جريدة «الأخبار»، يسكن أستاذنا جلال دويدار ويتربع.
ليس هذا المجال يتسع لذكريات عشتها مع أستاذى، منذ انضممت متدربا بالجريدة وأنا فى السنة الأولى بكلية الإعلام قبل ٣٨ عاماً مضت، وحتى هذه اللحظة.

لكن يكفى أن أقول إن شهادة النجاح لأى صحفى نابه، أو محرر كفء، أو سكرتير تحرير مبدع، أو رئيس تحرير يقدم جديداً، هى كلمة تشجيع يسمعها من كبيرنا وعميدنا الأستاذ جلال.
كل سنة وأنت طيب يا صاحب الأفضال.

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي