ابتداءً من العام القادم المشكلة السكانية في مصر مقرر إجباري بكل الجامعات

 د. منصور حسن /  د. محمد لطيف /  د. هشام مخلوف
د. منصور حسن / د. محمد لطيف / د. هشام مخلوف

 لأول مرة وابتداء من العام الجامعى القادم سيتم تدريس مادة عن «المشكلة السكانية فى مصر» لجميع طلاب الجامعات فى مختلف الكليات وستكون متطلب تخرج، أى لن يتخرج أى طالب من أى كلية إلا بعد نجاحه فى هذه المادة.


هذا ماقرره المجلس الأعلى للجامعات مؤخرا برئاسة د.خالد عبد الغفار وزير التعليم العالى والبحث العلمى بعد أن اجتمع المجلس واطلع على تقرير اللجنة المشكلة لهذا الشأن برئاسة د.السيد دعدور رئيس جامعة دمياط وعضوية د.عبد العزيز قنصوة رئيس جامعة الإسكندرية، ود.منصور حسن رئيس جامعة بنى سويف ود.عبيد صالح رئيس جامعة دمنهور لوضع تصور للقضية وماسيتم تدريسه فى هذه المادة لكل طلاب الجامعات بعد أن أصبحت المشكلة السكانية مشكلة أمن قومى فى مصر بل وأخطر من الإرهاب بعد استمرار تزايد عدد السكان بشكل غير رشيد بسبب الفهم الخاطئ للدين فى هذا الشأن، مما يؤثر على كل مظاهر التنمية فى مصر، ويؤدى إلى استمرار المشاكل الاقتصادية التى تحاول الدولة القضاء عليها، وتصعب من فرص الارتقاء بالرعاية الصحية والتعليم والقضاء على الأمية. 

عدم السماح بتخرج أى طالب إلا بعد نجاحه فى المادة التى سيطلع عليها ذاتيا 

أكد د.محمد لطيف أمين المجلس الأعلى للجامعات أن الهدف من إقرار المجلس لهذه المادة لتكون متطلب تخرج هو أن يكون جميع طلاب الجامعات على علم ودراية بخطورة المشكلة السكانية فى مصر حاليا، وأن يقوموا بدور تنويرى لكل الأسر المنتمين إليها أو لبقية أفراد المجتمع لخطورة الفهم غير الصحيح للإنجاب غير الرشيد، وكيف نجعل الزيادة السكانية نعمة وليست نقمة سواء على الأسرة أو المجتمع أو مظاهر التنمية فى الدولة.


وأوضح د.السيد دعدور رئيس جامعة دمياط ورئيس اللجنة أن هذه المادة سيكون بها جزء عملى يقوم من خلاله طلاب كل كلية على حدة بعمل العديد من المشروعات التطبيقية فى المجتمع لخدمة البيئة والمجتمع فى هذا الشأن وفى هذه القضية سيتم تحديدها بدقة بعد ذلك فى كل كلية حتى يتحقق لهم اجتياز هذه المادة بنجاح.


أما عن تدريس هذه المادة فأكد أنها ستتم من خلال التعليم الذاتى للطلاب واطلاعهم عليها وامتحانهم فيها لأنها ليست فى حاجة إلى متخصصين فى كل كلية.


أرقام صادمة 
ويوضح د.هشام مخلوف استاذ الإحصاء السكانى المتفرغ بكلية الدراسات والبحوث السكانية بجامعة القاهرة فى مضمون دراسته التى أعدها لتكون بمثابة المقرر الذى سيتم تدريسه لكل طلاب الجامعات أنه فى مجال النمو السكانى السريع أظهرت نتائج التعدادات التى أجريت فى مصر أن عدد السكان فى أواخر القرن التاسع عشر قد بلغ حوالى 9،6 مليون نسمة، ثم تضاعف هذا العدد تقريبا خلال نحو خمسين عاما، حيث وصل فى عام 1947 إلى حوالى 19 مليون نسمة، ثم تضاعف مرة أخرى خلال تسعة وعشرين عاما فقط، حيث بلغ عام 1976 حوالى 37 مليون نسمة. وطبقا لنتائج تعداد السكان لعام 2017، بلغ عدد السكان المصريين بالداخل 94،8 مليون، وهو ما يزيد على تسعة أضعاف عدد السكان عند بداية القرن العشرين.


 وتحتل مصر حاليا المرتبة السادسة عشرة بين دول العالم من حيث حجم السكان، وتعتبر ثالث دولة أفريقية بعد نيجيريا واثيوبيا، وأكبر دولة عربية فى عدد السكان خاصة بعد ما وصل عدد السكان إلى نحو 100 مليون نسمة.


ويرجع د.هشام الأسباب التى يرجع إليها ارتفاع معدلات المواليد وبالتالى حجم السكان بصفة عامة منها: 
ارتفاع القيمة الاقتصادية والاجتماعية للطفل وانخفاض تكلفة تنشئته: خاصة فى الريف والسكان الأقل مستوى فى التعليم والأكثر فقراً.

والزواج المبكر بين الإناث: يؤدى إلى طول فترة الحياة الإنجابية للمرأة، كما أدى ارتفاع مستوى الأمية بين الإناث، وانخفاض المستوى التعليمى لهن، إلى عدم تأهيلهن بصورة مناسبة للالتحاق بسوق العمل، فضلاً عن انتشار النمط الثقافى الذى يحد من دور المرأة فى المجتمع، وبالتالى تصبح الحياة المنزلية وإنجاب وتربية الأطفال محل الاهتمام الأساسى لغالبية النساء خاصة فى الريف.

والعادات والتقاليد السائدة فى المجتمع، حيث لازال الإنجاب المبكر وإنجاب عدد كبير من الأطفال صمام أمان للمرأة خاصة الريفية، حيث لازال يعتقد أن ذلك يمكن أن يقى من خطر الطلاق أو من خطر تزوج الزوج بأخرى.

واستمرار ثقافة تفضيل إنجاب الذكور وبخاصة فى الريف: حيث تفضل العادات والتقاليد الأبناء الذكور فى الأسرة استنادا إلى القيمة المرتفعة للعزوة بهم، ودلالاتها فى الثقافة التقليدية، فقد يستمر الأبوان فى إنجاب البنات على أمل أن يكون المولود ذكراً.

وعدم الفهم الصحيح للدين : إلى جانب بعض المعتقدات الخاطئة يجعل الكثير من سكان الريف ينظرون إلى تنظيم الأسرة ووسائله بعين الريبة من الناحية الدينية وعدم الرضا. هذا إلى جانب التيار المتحفظ والذى ساعد على انتشاره فى المجتمع عودة أعداد من المصريين من دول الخليج محملين لأفكار متحفظة نحو تنظيم الأسرة واستخدام وسائلها بل أيضا تجاه الحديث عن خفض معدل النمو السكانى باعتبار هذا الحديث نتيجة أفكار غربية تهدف إلى خفض عدد السكان المسلمين فى العالم.

كما لا يمكن تجاهل سيطرة الجماعة الإسلامية على الحكم ودورها فى تحفيز وتشجيع التيار المتحفظ فى المجتمع المناوئ لتنظيم الأسرة وضبط النسل.


 ارتفاع معدل البطالة
وأضاف أن نتائج تعدادات السكان قد أشارت إلى ارتفاع مستوى البطالة فى الآونة الأخيرة، وارتفاع هذا المعدل يعتبر « بالإضافة إلى عومل أخرى » من تداعيات الزيادة السكانية، ووصل معدل البطالة عام 2018 إلى 9،9، وذلك لعدم قدرة المجتمع على خلق وظائف جديدة عاماً بعد عام يتناسب مع حجم المنضمين إلى سوق العمل سنويا.وتتركز البطالة فى سن الشباب، حيث توضح الإحصاءات أن حوالى 90% من المتعطلين أعمارهم أقل من 30 سنة، كما تتركز البطالة فى الحاصلين على مؤهلات متوسطة خاصة بين الإناث. 


تزايد ظاهرة العشوائيات
وأكد د.هشام مخلوف أن مصر أصبحت تعانى حاليا بشدة من تزايد المناطق العشوائية وبالتالى تعانى من تزايد أعداد ونسب السكان الذين يعيشون فى تلك المناطق، وذلك نتيجة لظاهرة الهجرة من الريف للحضر، وعدم قدرة الدولة على توفير السكن الملائم لهؤلاء المهاجرين بحثا عن الرزق فى ظل عدم وجود فرص عمل فى الريف مع تزايد عدد السكان، وفى ظل محدودية الأرض الزراعية، وقد تباينت التقديرات المتاحة عن أعداد المناطق العشوائية وكذا أعداد السكان المقيمين بها، فمن ناحية قدرتها وزارة التنمية المحلية بعدد 916 منطقة عشوائية، بينما يقدرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بحوالى 1034 منطقة، ويقدر عدد سكانها بما يزيد على 16مليون نسمة وذلك لاختلاف تعريف العشوائيات.ويعيش سكان العشوائيات عيشة غير آدمية، حيث تفتقر على المرافق الأساسية، بالإضافة إلى المعاناة من الفقر والبطالة.


ـ انخفاض نصيب الفرد من المياه : فمع ثبات حصة مصر من المياه والتى تبلغ 55٫5 مليار متر مكعب، ومع الزيادة السكانية المستمرة، أدى هذا الوضع إلى وصول مصر إلى مرحلة الفقر المائي، حيث وصل نصيب الفرد من المياه 500 متر مكعب فقط، وطبقا للمؤشرات الدولية إذا انخفض نصيب الفرد عن 1000 متر مكعب فإن هذا يعبر عن معاناة الدولة وسكانها من الفقر المائي، ومع استمرار الزيادة السكانية عام بعد عام فإن الوضع ينذر بأخطار كبيرة، حيث إن المياه أساس زراعة الغذاء من أجل محاربة الجوع وتحقيق الأمن الغذائى.. فالأمن المائى والأمن الغذائى يعتبران وجهين لعملة واحدة.


ـ انخفاض نصيب الفرد من الأرض الزراعية مع زيادة عدد السكان ومحدودية الأرض الزراعية، فإن نصيب الفرد من الأرض الزراعية يتناقص عام بعد عام، حيث اصبح نصيب الفرد من الأرض الزراعية (0٫1) فدان فقط، ومحدودية الأرض الزراعية ومحدودية المياه يعنى محدودية الأمن الغذائي، فهناك فجوة غذائية تقدر بـ (60%) من جملة الإنتاج، وللقضاء على هذه الفجوة يتطلب الأمر زراعة 6 ملايين فدان بالإضافة إلى توفير 6 مليارات متر مكعب من المياه.، فهل هذا ممكن فى ظل الزيادة السكانية وتداعياتها !.


ـ زيادة الاعتماد على الاستيراد لتوفير احتياجات المجتمع من الغذاء كنتيجة لكل من الفقر المائى والفجوة الغذائية مع الزيادة المستمرة للسكان، فقد أدى إلى الاعتماد على الاستيراد، حيث أصبحت مصر مستوردة لحوالى 80% من احتياجاتها الغذائية.
ـ ارتفاع كثافة الفصول خاصة فى مرحلة التعليم الابتدائى مع زيادة عدد الأطفال فى سن الإلزام عاماً بعد عام بسبب الزيادة فى أعداد المواليد ومع المحدودية النسبية لميزانية التعليم أدى ذلك إلى ارتفاع كثافة الفصول خاصة فى المرحلة الابتدائية، حيث وصل أعداد التلاميذ فى بعض المدارس وبعض المناطق إلى ما يزيد على 80 أو 100 تلميذ فى الفصل الواحد، مما يؤثر على درجة استيعاب تحصيل التلاميذ وعلى المستوى التعليمي.


-تزايد معدلات الجريمة وتفاقم مشاكل المرور: مع تزايد أعداد السكان تزايدت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية بين السكان، وتزايد الجرائم حيث أصبح المجتمع يعانى من أشكال وأنواع جديدة من الجرائم التى تتسم بالعنف أو الجرائم الحديثة الناجمة عن سوء استغلال تكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى ظاهرتى أطفال الشوارع والبلطجة واللذان يعتبران بحق من تداعيات النمو السكانى السريع، مما يؤثر على السلام الاجتماعي.


التحديات المستقبلية
وقد تحققت بعض الإنجازات فى مجال التعامل مع المشكلة السكانية، إلا أن هذه الإنجازات يجب ألا تدعو إلى تجاهل الحقائق شبه المؤكدة والمتوقع حدوثها فى المستقبل والعمل على مواجهتها، ومن أهمها :
أنه وعلى الرغم من الجهود المبذولة حاليًا وبافتراض استمرارها خلال الفترة القادمة، فمن المسلم به أن حجم السكان سوف يستمر فى الزيادة المطردة وذلك يرجع لطبيعة الهيكل العمرى والنوعى للسكان، والذى يتميز بزيادة نسبة الأطفال والشباب.. ونتيجة لقوة الدفع الذاتى لهذا الهيكل والذى نتج عن ارتفاع معدلات الخصوبة منذ منتصف القرن الماضي.. كما أن حجم السكان المتوقع عام 2050 يمكن أن يصل إلى ما يزيد على 140 مليون نسمة.


وفى هذا المجال يستلزم الأمر أن تعمل الحكومة بالتعاون مع الجمعيات الأهلية والقطاع الخاص على هذين المحورين معا، من أجل أن يصل معدل النمو الاقتصادى المستهدف إلى ثلاثة أمثال معدل النمو السكانى على الأقل، وحتى يرتفع متوسط نصيب الفرد فى الدخل القومى إلى 150% مما هو عليه وتنخفض معدلات الفقر ويشعر المواطن بعوائد التنمية.


ولابد من التعامل مع كلا المحورين السالف ذكرهما معا باعتبارهما متلازمين ومكملين لبعضها البعض، حيث يؤثر ويتأثر كل منهما بالآخر، وتنفيذ تلك السياسات والاستراتيجيات السكانية بأسلوب علمى سليم وبجدية يمكن أن يحقق لمصر الاستفادة مما يعرف بـ «الفرصة الاقتصادية» أو «الهبة الديموجرافية» والتى يمكن الوصول إليها نتيجة تنفيذ سياسات واستراتيجيات سكانية وتنموية فعالة، تؤدى إلى انخفاض فى معدلات الخصوبة لعدة عقود، وبما يؤدى إلى تناقص نسبة الأطفال إلى السكان فى سن العمل.

ومن ثم تناقص معدلات الإعالة، بحيث يمكن توجيه الموارد التى أمكن توفيرها «نتيجة لنقص عدد الأطفال وبالتالى تناقص نفقاتهم فى الغذاء والصحة وجودة التعليم» إلى استثمارات إضافية من شانها رفع جودة التعليم والتدريب وتوفير فرص عمل حقيقية، وبما يزيد من حجم الإنتاج القومى وزيادة الصادرات ويحفز النمو الاقتصادى ويساعد على الحد من الفقر.

وذلك كما حدث فى الصين وبعض دول أمريكا اللاتينية وبلدان شرق أسيا المعروفة بالنمور الأسيوية.

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي