عشق عبدالوهاب صوته وسألته أم كلثوم عن سره..

الشيخ مصطفى إسماعيل.. مقرئ الملوك والرؤساء

الشيخ مصطفى اسماعيل
الشيخ مصطفى اسماعيل

 

يحيي الأزهر الشريف وإذاعة القرآن الكريم ذكرى رحيل القارئ الشيخ مصطفى إسماعيل. كل عام ورغم مرور 42 سنة على رحيل الشيخ فهو مازال حيا فى قلوب محبيه وعشاق صوته وهم بالملايين.

وُلِد الشيخ في محافظة الغربية عام 1905م، ونشأ في أسرة كريمة متدينة، ولما صار عمره خمس سنوات ألحقَه والده بكُتَّاب القرية كعادة أهل القرية؛ فحَفِظَ القرآن الكريم وأتمَّه في الثانية عشرة من عمره، ثم ألحقه والدُه بالمعهد الأحمدي بطنطا؛ ليُتمَّ دراسة القراءات وأحكام التلاوة.

ذاع صيتُ الشيخ مصطفى إسماعيل في وسط الجماهير بعذوبة صوته، وتمَّ تعيينه قارئًا لسورة الكهف بالجامع الأزهر؛ ثم تم إجازته قارئًا بالإذاعة.

دُعِيَ الشيخ إلى العديد من الدول العربية والأجنبية للقراءة، منها: سوريا والسعودية ولبنان والعراق وإندونيسيا وباكستان والقدس، كما قرأ في مساجد ميونخ وباريس ولندن.

اقرأ أيضا|ذكرى رحيل الشيخ مصطفى إسماعيل

وبعد رحلة عظيمة مع القرآن، انتقل الشيخ -رحمه الله- إلى رحماتِ الله يوم 26 ديسمبر 1978م، فرحمة الله رحمة واسعة، وغفر له، وجعل القرآن شفيعًا له.

المهندس عاطف مصطفى اسماعيل نجل الشيخ يروى سيرة أبيه ويقول: "لعبت الصدفة دوراً كبيراً في ظهور موهبة الشيخ حين دعى الشيخ محمد رفعت في عزاء أحد الأصدقاء بالقاهرة ويدعى القصبي بك، ولما انتهى الشيخ رفعت من قرائته ترك مكانه لهذا القارئ الشاب ليقرأ، فانبهر الشيخ رفعت به وبقراءته، وطلب منه أن يستمر في التلاوة، فظل يقرأ مدة تزيد على الساعة ونصف الساعة وسط تجاوب الحاضرين وإعجابهم، ولما انتهى قبّله الشيخ محمد رفعت وهنأه.. وكانت إشادة الشيخ محمد رفعت بمثابة شهادة رفيعة من «قيثارة السماء» للشيخ مصطفى إسماعيل لينطلق في سماء عظام قراء القرآن الكريم الذين كتبوا بأحرف من نور اسم مصر علي قمة هرم التلاوة.

التحق الشيخ مصطفى إسماعيل بالمعهد الأحمدي، بناء على نصيحة من الشيخ محمد رفعت، ليتعلم القراءات السبع وأحكام التلاوة ولتميز صوته حظي الشيخ بشهرة واسعة، كان كثيرًا ما يطلب من الناس لإحياء المآتم وسهرات الذكر ويغدقون عليه بالمال الوفير، فترك الدراسة بالمعهد بعد أن تجاوز ثلثي مدة الدراسة وهو ما أغضب جده، إلا أن الأخير تفاجأ بحفيده يعطيه 30 جنيهًا ادخرها من عمله بتلاوة القرآن، ويطلب منه أن يشتري له أرضًا زراعية «نصف فدان» بقرية ميت غزال، فشعر الجد أن حفيده أصبح رجلًا يعتمد عليه، خاصة بعد أن وعده أن يصبح في منزلة الشيخ محمد رفعت، ويستطرد عاطف مصطفى اسماعيل قائلاً.. وفي ذات يوم كانت الإذاعة ستنقل حفلًا على الهواء من مسجد الإمام الحسين وسيحيي الحفل القارئ الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، إلا أنه تخلف، فما كان من الشيخ الصيفي إلا أن أجلس الشيخ مصطفى على دكة القراءة ليقرأ، فرفض المسؤولون لأنه غير معتمد في الإذاعة فقال لهم الشيخ الصيفي: دعوه يقرأ على مسؤوليتي الخاصة، وقرأ في سورة التحريم لمدة نصف ساعة وسط استجابة الجمهور، وما أن انتهى من قراءته حتى أقبل عليه الجمهور يقبله ويعانقه، وكان ذلك بداية تعرف جمهور القاهرة على صوت الشيخ مصطفى إسماعيل مع بداية عام 1943.


هو والملك

ويستمع الملك فاروق فى ذات اليوم من الإذاعة الا اسمه يرسل من يبحث عن القارئ المجهول الذى لا تعرفه الإذاعة سوى اسمه، فيذهبوا إلى الشيخ محمد صيفي الذي أخبرهم عن عنوانه، وبينما كان الشيخ يجلس بين أهله وأولاده بقرية ميت غزال، إذ به يفاجأ بعمدة القرية ومأمور المركز يقتحمان عليه بيته ويسأله مأمور المركز أنت مصطفى إسماعيل؟ فقال: نعم وقد ظن أنه ارتكب جرمًا كبيرًا دون أن يدري، فسأله: ما الأمر؟ فقال: عليك أن تذهب غدًا إلى القصر الملكي لمقابلة مراد باشا محسن ناظر الخاصة الملكية بقصر عابدين. فسأله الشيخ: ولماذا؟ قال: لا أدري وعليك أن تنفذ الأوامر. فسافر إلى القاهرة في صبيحة اليوم التالي، والتقى ناظر الخاصة الملكية الذي هنَّأه بتقدير الملك لصوته وموهبته وأخبره بالأمر الملكي بتكليفه قارئًا للقصر لإحياء ليالي رمضان بقصري. 

أزمة الإذاعة

ويحكى المهندس عاطف أن الشيخ قد مكث طويلا رافضاً القراءة وراء ميكروفون الإذاعة لإدراكه أنه يحتاج لأكثر من النصف ساعة المعروضة عليه تلك لمجرد التسخين كي ينفتح صوته ويجلجل في الأرجاء للكشف عن مكنون جواهره، وذلك لتعوده علي القراءة في السرادقات والاحتفالات الدينية المختلفة بالساعات، كما كان لا يستمر القراءة بين جدران الاستوديو المسمطة بمعزل عن التواصل علي الطبيعة مع سخونة وقع ترتيله علي أفئدة المستمعين وعبارات التشجيع المأثورة الله الله يا عم الشيخ ويسكت فيلف الصمت العميق الأرجاء إلا من رجع الأنفاس، ويعاود القراءة فينتشي المستمعون يلهجون بالثناء يمددون تعابيره مدا يطالبونه بالتكرار، فالنطق صحيح للغة العربية، وشئنا أم أبينا فهو أداء غناء، فهي لغة شعورية حسية، قبل أن تكون تشكيلية بصرية، إنها اللغة الشاعرة كما يسميها العقاد‏،‏ ويروي الشيخ في حديثه عن بداياته الإذاعية فيقول‏:‏ جاءني بعضهم في عربة الإذاعة واستقبلتهم في ميت غزال لأقول لهم إن لي ثلاثة مطالب أولها القراءة لساعة كاملة، والثاني أن تتم التسجيلات في المساجد، والثالث أن أجري خمسين جنيها في القراءة الواحدة،  وأبداً لم أكن أريد منهم خمسين ولا ستين، ولكني أردت الخلاص من الإلحاح من جهة.

ومن جهة أخرى كانت الإذاعة تدفع للمونولوجست محمود شكوكو في مونولوج حدرجي بدرجي خمسة وثلاثين جنيها، بينما تدفع للشيخ محمد رفعت اثني عشر جنيها، بينما تدفع للشيخ عبدالفتاح الشعشاعي أقل من ذلك، وللبقية أمثال الفشني وعبدالعظيم زاهر وشعيشع أقل من الأقل، ولكي أسهل عليهم الأمر عرضت عليهم القراءة مجانا مع مطلبي الساعة والمسجد، وأعطيتهم وعدا بزيارة مبني الإذاعة في القاهرة تلبية لدعوة المشرف علي برامجها الأستاذ محمد فتحي الذي أطلقت عليه الصحف لقب كروان الإذاعة، وسافر الشيخ يطرق باب الكروان ليتذكر محبطا أول لقاء يرويه لصديقه الكاتب والناقد الفني كمال النجمي‏ :‏ لم ألق الاستقبال اللائق بي كقارئ للقرآن الكريم، انتظرت ثلاثة أرباع الساعة في حجرة سكرتير الأستاذ محمد فتحي، ثم أذنوا لي بالدخول عليه فوجدته مشغولا بمكالمة تليفونية طويلة، ومكثت واقفا دون أن يدعوني للجلوس، فلما انتهي من مكالمته الطويلة، نظرت إليه بغضب وقلت له ‏:‏ أنا لا أريد العمل في الإذاعة، ولم أحضر إلي هنا لاستعطافك، ولكني حضرت لأني وعدت رجالك بالحضور إليك، وقد أدهشتني طريقة استقبالك لي، ولهذا لن أعمل في الإذاعة، وأرجو ألا تتصلوا بي مرة أخري لأني لن أحضر‏، ولبث الشيخ مصطفي إسماعيل رافضا التعامل مع الإذاعة حتي عام ‏1948‏ عندما أقعد المرض الشيخ محمد رفعت، ولم يوقع الشيخ مصطفي عقد الإذاعة للتلاوة علي مدي نصف الساعة فقط إلا رضوخا علي إلحاح مراد محسن باشا وحيدر باشا ليظل بعدها يقول‏:‏ الثلاثون دقيقة ليست هي مصطفي إسماعيل فجواهر إسماعيل تتكشف كلما امتدت ساعات القراءة وازداد الأداء تمكنا وارتيادا لآفاق المقامات مجلجلا بجوابات الجوابات التي لم يصل إليها صوت غير صوته، ولا حكمها أداء إلا أداؤه.

وعن السر الذي سألته عنه أم كلثوم يقول، وسر الشيخ مصطفى إسماعيل سألته عنه أم كلثوم دون قصد بينما كان بيت القصيد‏:‏ انت تعلمت مزيكا فين يا مولانا؟‏!‏ فأجابها نافياً علمه بالموسيقي، فعادت تستجوبه باندهاش‏:‏ وألم تعزف يوما على أوتار عود أو تداعب أصابع البيانو؟‏!، فقال صادقا بعفويته الجميلة‏:‏ لا  أنا عرفت المقامات من السميعة فكلما أقرأ آية أسمع واحد يقول يا حلاوة الصبا‏..‏ يا مش عارف إيه النهاوند‏..‏ إنها الفطرة..‏ طريقتي في الأداء، وحول تلك الفطرة قال الشيخ درويش الحريري‏:‏ إنها أقوى وأصح من كل الدراسات ولا يمكن لأي معهد فني بأكمله الوصول إليها‏.

مثل أم كلثوم قال محمد عبدالوهاب لعاطف مصطفى إسماعيل‏: كان والدك يتمتع بمقدرة فائقة في تركيب السلالم الموسيقية، أبوك كان يا ابني عبقري‏..‏ زمان كان يحيي ليالي رمضان عند الملك فاروق وكنا نأخذ عربية علشان الناس ماتعرفشي احنا رايحين نسمع مين لأنهم كانوا بيتلموا حولنا بشكل غير عادي‏..‏ أنا كنت حريصا على سماع أبيك كل ليلة، أروح أسمعه وأتعجب، أربعين سنة فشلت في أني أضبط ودني مع صوته لأنه كان عنده عنصر المفاجأة في كل آية من البداية للنهاية‏..‏ فإذا ما حاولت اللحاق بصوته يفاجئك حتي في حالة تكراره للآيات ويكفينا سماعه في قوله تعالي ‏(الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة‏..‏ كذبت ثمود وعاد بالقارعة‏)‏ عندها نكتشف عظمة الأداء والمفاجآت‏.

تمنى الشيخ مصطفى دفنه في منزله وبعد وفاته كان الأمر يستلزم الحصول علي تصريح خاص وكان الامر صعباً، وعندما علم السادات بالوصية أشار على سكرتيره فوزي عبدالحافظ بتنفيذها، وبينما كان الجثمان الطاهر قادما من المستشفى بالإسكندرية كان قد تم تجهيز القبر في حديقة بيتنا في ميت غزال، رحم الله سلطان التلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل الذي يقرأ لنا من آيات الذكر الحكيم‏ 53069‏ ساعة، وإن لم يبق لدينا منها سوى ثلثمائة ساعة فقط، ويبقى الشيخ مصطفى إسماعيل معجزة القراءة وثاني اثنين في دولة التلاوة بعد الشيخ محمد رفعت.
 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي