الأسطى علي عوض هو شيخ المهنة والمسؤول عن تعليم فنون «الشي والحا»
سليمان نجيب رفض نشر اسمه على «مذكرات عربجي» واستخدم اسمًا مستعارًا
مجلة «حمارة منيتي» أصدرها صاحبها وفاءً لمحبوبته
الخلاف على أجرة حمار.. أجبر الإنجليز على قصف الإسكندرية
المكاري في اللغة تعني الشخص الذي يؤجر الدواب ونحوها (يقصد الجمال)، وهو شخص فقير في العادة بسيط الثياب غالباً حافي القدمين، يمشي بجوار حماره ويقوم بتأجيره بالمشوار ويسير بجوار الراكب.
مهنة المكاري عرفت في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، وانتشرت في ربوع مصر خاصة في الأماكن التى يسهر فيها البهوات والأفندية وكثرت بجوار المسارح بروض الفرج وشارع محمد علي وكلوت بك، وكان المكاري يختار زبائنه من طبقة الأفندية وتعرف بالزى البدلة والطربوش والحذاء اللميع.
وقد يمتلك المكاري الحمار أو يؤجره باليوم نظير أجر يتفق عليه مع صاحبه وهو عادة شيخ المهنة الذي يمتلك عددًا من الحمير أو يعمل أجيرًا لدى صاحب الحمار.
وكان الأسطى "علي عوض" هو شيخ مهنة المكارية ثلاثينيات القرن الماضى رجل فى نهاية العقد الرابع ذو شارب كبير وجلباب ويحمل عصا غليظة يؤدب بها كل مكاري جديد بالمهنة، وكان الجميع خاضعًا للأسطى علي عوض يسمع كلامه ويتعلم منه.
وبعد أن يطمئن الأسطى علي عوض على تلميذه يسلمه حمارًا صغيرًا ويحدد له مناطق العمل وهي عادة وردية الليل أمام المسارح، حيث يكثر الزبائن وفي نهاية الوردية يتجمع "المكارية" في العربخانة العمومية لصاحبها المعلم علي عوض بمنطقة العباسية مكان التجمع اليومي لهم ويبدأ في محاسبة المكارى نظير أجر قليل جداً.
ومع انتشار المكارية وأصحاب الحمير، أصدرت الدولة المصرية رخص تسيير حمار بشوارع مصر المحروسة "رخصة من ديوان الدائرة البلدية بمصر سنة 1873 عن حمار ركوب ملك حضرة محمد بك سرور ليمر دون موانع على مراكز الدخولية وشوارع المحروسة" نظير مبلغ 60 قرشًا ويوضح في الرخصة مواصفات الحمار "بني فاتح".
ورخصة تسيير الحمار يحدد فيها المناطق الدخولية "داخليًا" وشوارع المحروسة، بينما رخصة تسيير الجمال يضاف إليها المناطق الحجازية وهي "رخصة من ديوان الدائرة البلدية بمصر عن سنة 1874 عن جمل ملك الشيخ حسن وهبة ليمر دون موانع على مراكز الدخولية وشوارع المحروسة والسفر للأقطار الحجازية" وارد العوايد 90 قرشًا.
ويختم التصريح بختم خاص بصورة جمل وهو المسموح به فقط بالدخول إلى المناطق الحجازية وقد يمنع الجمال التي لا تحمل رخصًا. 
مجلة حمارة منيتي
كان نداء أحد المكارية سبب في تسمية أشهر مجلة ساخرة "مجلة أبونظارة" عندما كان يسير يعقوب صنوع بجوار الإمام محمد عبده والشيخ جمال الدين الأفغاني للتفكير في إصدار مجلة ساخرة تنتقد الأوضاع السائدة واختلف الجميع في تسمية المجلة، وهنا نادى أحد المكارية على رجل يرتدي نضارة "يعقوب صنوع" باسم "يا أبو نظارة" ليركب الحمار ليصبح اسمًا لمجلته مجلة "أبونظارة".
وصدر العدد الأول منها في 12 ربيع الأول سنة 1295 هجرية الموافق 5 أبريل 1878، وكتب تحتها هذا العنوان «مسليات ومضحكات»، وهي رواية يعقوب صنوع نفسه، وإن كان هناك شك فيها حيث هاجم جمال الدين الأفغاني المجلة لتجاوزها حدود النقد ويبقى المصدر الوحيد يعقوب صنوع نفسه.
ولعل انتشار الحمار كوسيلة مواصلات لطبقة الأفندية والبكوات كان مصدرًا لاستخدام الاسم لأكثر من مجلة ساخرة فصدرت مجلة «بغل المعشر» سنة 1898 لصاحبها حسين زكي وهي مجلة فكاهية استخدمت أسلوب السجع والزجل واعتمدت على الديالوج الحواري ولاقت القبول لفترة ثم توقفت ثم كانت مجلة «حمارة منيتي».
واعتمدت على أسلوب الفصحى في الكتابة وصدرت في تواريخ مختلفة من عام 1898 إلى عام 1899 ثم من عام 1900 إلى عام 1908، أما عن سبب تسمية المجلة «بحمارة منيتي» فلها قصة طريفة على لسان حسين شفيق المصري حيث يقول: إن محمد توفيق صاحب المجلة وهو من أسرة ميسورة الحال كانت له صديقة وكانت توافيه في مواعيدهما الغرامية على حمارة تركبها وقد تزينت وكانت في أجمل صورة فكان كثيراً ما يغازل الحمارة ويداعبها وتقديرا لدور الحمارة التي كانت تجمعه بحبيبته.
وأطلق اسمها على المجلة باعتبارها تأتي بأغلى أمنيته ولم يكن محمد توفيق فقط من يقوم بتحرير المجلة فقد أصدرها عدد من المحررين وهم: محمد حلمي عزيز، وعبدالرحمن الهندي، والدريني.
وكان تقديم المجلة تحت شعار «الحمد لله الذي زين الدنيا بمصابيح والقلوب بالسرور والتفاريح وجعل الضحك عنوانا للانشراح ومثالا للمسرة والنجاح»، وعند صدور المجلة مرة أخرى استخدمت في الترويسة الرئيسية اللغة الإنجليزية لكتابة اسم المجلة وصورة «حمارة» صغيرة في دائرة متوسطة أقرب إلى طابع البوسطة أو الختم.
وظل هذا الشعار ثابتا فى الأعداد التالية للمجلة وقد صدرت المجلة بشكل أسبوعي وإن كانت قد تعرضت بعد ذلك للعديد من المشاكل المادية شأنها شأن العديد من المجلات الفكاهية ولكنها تظل حالة مهمة عند استعراض تاريخ الفكاهة فى مصر لما تمثله الكتابات بها من طريقة غاية فى الاتقان والروعة عند النقد والسخرية حتى وإن استخدمت الأسلوب «العامي» طبيعة المجلات الفكاهية في ذلك الوقت ولكن استخدام مجلة «حمارة ميتي» لأسلوب الطلقات السريعة فى الباب الثابت تحت اسم «تلغرافات» وفيه يوجه المحرر العديد من النقد لكل السلبيات والشخصيات القائمة على الحكم فى ذلك الوقت.
اقرأ أيضا: شعب المستحيل | ثورة 30 يونيو.. قرار المصريين
ونسجل هنا أنها رغم بساطة الطباعة واستخدام الصور الكاريكاتيرية إلا أنها تفوقت في الأسلوب والاستمرار لمدة لا بأس بها وكانت علامة بارزة في المجلات الساخرة والفكاهية فى مصر.
واستمراراً لهذا النهج فى اسماء المجلات الفكاهية كانت مجلة «الحمارة» التي صدرت 1904 مجلة أسبوعية فكاهية.
واستخدم عبدالرحمن الهندى الشهير "بالدندي" اسم الحمارة في إصدار مجلة باسم «عفريت الحمارة» وهي مجلة أسبوعية فكاهية باسمه عام 1905 ولم تستمر فترة طويلة لضعف الموارد المالية وتوقفت بعد ذلك.
المكاري والعربجي
ومع زيادة الطلب على ركوب الحمار كان التفكير فى تحميل الحمار بعدد أكبر من الركاب فصنع عربة صغيرة من الخشب تصنع بإمبابة وفيها يركب عدد أكبر من الطبقات الشعبية التى عادة لم تستطع تحمل ثمن ركوب الحمار بمفردها وأصبح اسم المكارى (العربجي) وهى كلمة من شقين عرب تعنى العربة، و"جي" وتعني صاحب الصنعة (جزمجي / مكوجي) وهي كلمة تركية الأصل.
وانتشر العربجى ليسير فى شوارع المحروسة وتم تحديد أماكن لسير الكارو كذا أماكن للتجمع وهي الأماكن المزدحمة والأسواق وأصبحت وسيلة الفقراء قبل ظهور "الترام".
ودخل الأسطى علي عوض المهنة بقوته وسطوته وأصبح شيخ العربجية والمسؤول عن تعليم فنون "الشي والحا" وكلها كلمات للحمار ليتحرك ويقف وأصبحت لغة يفهمها الحمار مع العربجي.
ولأن العربجى يجوب البلاد شرقها وغربها ويتحدث مع الجميع وأحيانا يطلق أراء نقدية للأوضاع السائدة ليصبح مقياسًا للرأي العام صدرت مذكرات عربجى بقلم الأسطى حنفى أبومحمود على صفحات مجلة الكشكول.
وأصدر سليمان فوزى مجلة الكشكول المصورة فى 24 مايو1921، وكان وكيلاً لشؤون الخديوي "جريدة مصورة اجتماعية انتقادية تصدر يوم الجمعة من كل أسبوع" وإدارة الكشكول المصور بشارع القاصد نمرة 20 بمصر تليفون نمرة 38 31 والاشتراكات عن سنة كاملة 100 قرش و60 قرشاً عن نصف السنة وفى الخارج 150 قرشاً والمخابرة بشأن الإعلانات شركة النشر المصرية بشارع مظلوم باشا نمرة 14 صدرت من 8 إلى 12 صفحة وزادت إلى 16 صفحة حتى وصلت إلى 32 صفحة فى بداية الثلاثينيات. 
وفي مذكرات "عربجي" التي جاءت على صفحات مجلة "الكشكول" بعد ثورة 1919 وتحديدا في 1922 تم رصد ساخر للأوضاع والتغيرات التي حدثت للمجتمع بعد الثورة وترصد تحولات البعض وتكشف بشكل مذهل تجارًا ومستفدين من الثورات.
وقد ثار خلاف حول صاحب المذكرات وحتى فترة قريبة اعتقد البعض أن كاتبها فكرى أباظة كاتب مقدمة الكتاب ولكن الدكتور فتحي أبوراضي أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب جامعة الإسكندرية والمشرف علي المكتبة المركزية للجامعة أكد أن كتاب «مذكرات عربجي» هي من تأليف الفنان الراحل سليمان نجيب الذي رفض أن ينشرها باسمه واستخدم اسما مستعارًا، وأن المكتبة المركزية لجامعة الإسكندرية لديها نسخة من الكتاب مكتوب عليها بخط اليد تأليف سليمان نجيب وترجع لعام 1921 ميلادية و1341.
وبقى أن نعرف أن ضرب الإسكندرية يوليو 1881 كان بسبب اختلاف أحد المكارية على أجرة الحمار مع واحد من رعايا الإنجليز الذي ضرب المكاري وثار أهالي الإسكندرية فقامت قوات الاحتلال بضرب الإسكندرية بسبب قرش صاغ.
ومع دخول الترام مصر استخدم المصريون كوسيلة مواصلات أسرع من المكارى والعربجى، وبقى المكارى حكاية على جدار الزمن وذكرى وعنوان لمقال.





«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







