«أميرة التنوير».. قصة أول سيدة تدير صالون ثقافي في مصر

الأميرة نازلي فاضل
الأميرة نازلي فاضل

شهدت منطقة وسط القاهرة أحداث قصة الأميرة «نازلي فاضل»، التي كثرت حولها الأقاويل في كثير من كتب ومذكرات عظماء الأمة المصرية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مثل الإمام محمد عبده ومعلمه جمال الدين الأفغاني، وأحمد عرابي ورجاله، وسعد زغلول ومصطفي كامل وقاسم أمين، والتي كان لها بالغ الأثر في إزدهار الحياة الثقافية في مصر.

 

مع بداية الثمانينيات في القرن التاسع عشر، وداخل "فيلا هنري" خلف قصر عابدين، كان يتردد مشاهير السياسة والمجتمع آنذاك على أول صالون ثقافي أسسته امرأة، وهي الأميرة نازلي فاضل، ابنة الأميرة مصطفى بهجت.  

 

ولدت الأميرة نازلي زينب عام 1853، فهي ابنة الأمير مصطفى بهجت، شقيق الخديو إسماعيل، كانت تعتبر المصرية الوحيدة التي تتشبه بالأجانب، حيث كانت تختلط بالرجال ولا ترتدي الحجاب، حيث كان الزي المتبع في هذه الحقبة الزمنية، ربما يرجع السبب إلى الحياة المتنقلة التي عاشتها بين الآستانة وأوروبا .

 

كان قصرها الذي كان يقع خلف «قصر عابدين»، ملتقى لعلية القوم ومفكري مصر، وقد جذب صالونها الشرق والغرب، بل الأعداء والمناضلين والثوار.. فنجد من رجال الاحتلال: اللورد كرومر وكتشنر وستورز، يقابلهم فى حينها رواد الحركة الوطنية المصرية في مقدمتهم جمال الدين الأفغاني وتلميذه النجيب الشيخ محمد عبده والزعيم سعد زغلول وقاسم أمين ومحمد فريد والمويلحي وغيرهم، وقد استمر هذا التناقض مصاحبا للأميرة نازلي طوال حياتها ومسيرتها .

 

لم ينحصر عمل الأميرة نازلي داخل هذا الصالون على تحضير المكان فحسب بيد أنها كانت به المحرّك ذا الدفع الرباعي، لذلك كانت ذات أثر بالغ وكانت هي الضارب والعامل الرئيسي في التنوير الفكريّ والمعرفيّ لرواده .

 

وقد كان لحراكها هذا بالغ الأثر لا سيما في حياة الشيخ محمد عبده الذي حثته جاهدة على دراسة اللغة الفرنسيّة وآدابها دراسة متعمقة للنهل من معينها الوافر وفكرها الزاخر. 

 

تعرف الشيخ محمد عبده عليها بعد عودته من المنفى بعد الثورة العرابية 1888، ويعرف أن الأميرة نازلي فاضل كان لها الفضل عليه إذ توسلت إلى الخديو توفيق للعفو عنه، فوافق بشرط ألا يعمل محمد عبده في السياسة مجددا، وكان قد سبقه في معرفته بها أستاذه جمال الدين الأفغاني والذي تعرف عليها في باريس، وكان وقتذاك معجبا بها لمناصرتها له في حركته التنويريّة بالعروة الوثقى التي كان يتزعمها.

 

قدم الشيخ محمد عبده اثنين من تلاميذه للإنضمام إلى الصالون فكان سعد زغلول الفلاح المصرى وهو محاميا فاعجبت بشخصيتة واتخذته محاميها الخاص وأقنعته بتعلم الفرنسية و آدابها، ورشحته للزواج من صفية هانم ابنه مصطفى فهمى باشا رئيس الوزراء، كما كانت وراء إقناع اللورد كرومر بتعيينه مستشارا بمحكمة الإستئناف، وكانت بينهما مناقشات كثيرة حول  قضايا العصر، واستمرت صداقة سعد باشا بالأميرة حتى وفاتها، ولازالت صورتها معلقة فى منزله " بيت الأمة " .

 

وكانت الأميرة نازلى فاضل وراء تبنى قاسم أمين قضية تحرير المرأة ،بعد أن كان معاديا لها ، فعندما عاد من فرنسا شن هجوما كبيرا على المرأة المصرية فى مقالاته بجريدة المؤيد ووصفها بالمتخلفة ، وكان يؤيد ضرورة حبسها وإلزامها بالبيت وعدم مشاركتها فى الحياة العامة، عندما قرأت نازلى تلك المقالات شعرت بأنه يتهمها ويتهم صالونها، فطلبت من الشيخ محمد عبده بأن يدعوه لصالونها .

 

وعندما التقى بها ناقشته فيما كتبه، فقال قاسم أمين :" أنه رأى نفسه أمام صورة رائعة للمرأة المسلمة المستنيرة تعرض أرائها بثقة وتثبتها بأسانيد من المنطق ، تتفاعل مع ضيوف صالونها فى حوارات رفيعة تديرها بعدة لغات وتتحدث بطلاقة واقتدار ". 

 

وإنبهر بها قاسم أمين كنموذج راق لما يمكن أن تصل إليه المرأة المصرية إذا اتيحت لها الفرصة ، واقتنع بأن تخلف المرأة الشرقية كان نتيجة قيود إجتماعية فرضت عليها وليس لنقص طبيعى فيها . 

 

وبمشاركة الشيخ محمد عبده  كتب قاسم أمين كتاب" تحرير المرأة " سنة 1899م على نفقة الأميرة نازلى ، ثم أصدر كتاب "المرأة الجديدة " سنة 1900م .

 

وكان الزعيم محمد فريد أيضًا من رواد الصالون الثقافي، فكثيرًا ما كان يتحدث عنها، حيث قال: "كانت لي بها صلة تعارف بسبب مهنة المحاماة وكلفتني بقضايا، ولما زورت تونس دعتني إلى دارها وأكرمتني، وإن كنا على طرفي نقيض في السياسة لكنها كانت تحترم آرائي وكانت تكره مصطفى كامل وتتهمه بالمتاجرة في الوطنية، وحضرت زواج ابنتي فريدة وزواج أحمد كمال ابن أختي". 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي