أصابع واحدة ملطخة بالدم والعار

من «السبت الأسود» إلى «جمعة الغضب»

أعمال الشغب فى أحداث يناير ٢٠١١
أعمال الشغب فى أحداث يناير ٢٠١١

أحمد الجمَّال

بخسة ودناءة، يرتكب الإرهابيون جرائمهم فى الظلام، لا هدف لهم سوى إسقاط الدولة، لبناء دولتهم المزعومة، وعلى الرغم من تسجيل الجرائم الكبرى التى شهدتها مصر "ضد مجهول" مثل حريق القاهرة فى 26 يناير 1952 بعد يوم واحد من ملحمة الشرطة ضد الاحتلال الإنجليزى فى الإسماعيلية، فإن من يعيد قراءة التاريخ ويقفز بصفحاته نصف قرن وصولاً إلى ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها من أحداث، يدرك على الفور أن "الفاعل معلوم" للجميع وأنه لا مصلحة من تدمير مصر إلا لتنظيم الإخوان الإرهابى ومن يقف من ورائه.

ما بين 26 يناير 1952 و25 يناير 2011 تاريخ طويل من الجرائم التى تؤكد خيانة كل من ينتمى إلى تنظيم إرهابى، استهدف إسقاط الدولة، مرة مع حريق القاهرة يوم "السبت الأسود"، وأخرى يوم "جمعة الغضب" بعد ثلاثة أيام من اندلاع الثورة وتحديداً يوم 28 يناير، فقد بدأت الأحداث كثورة شعبية عظيمة وسرعان ما اتشحت أيضاً بالسواد، وفى المرتين سالت دماء طاهرة وكادت تضيع البلاد لولا ثبات وتضحيات رجال الأمن البواسل وصمود المصريين جميعاً ووقوفهم ضد أعداء الوطن وطيور الظلام، لتحيا مصر على الدوام.
حريق القاهرة
نظرة سريعة على الماضى قادرة على كشف "الجانى الحقيقي" وراء محاولة إحراق مصر وإسقاط الدولة، وأن هذا الجانى لم يعد "مجهولاً" بل "معلوم" وفى إطار مؤامرة إخوانية ظلت قابعة فى الظلام وخرجت إلى السطح بوضوح تام مرتين، الأولى حين نفذت الجماعة الإرهابية حريق القاهرة فى السادس والعشرين من يناير 1952، وهو الحريق الضخم الذى التهم عدة منشآت فى العاصمة، قدرت بنحو 700 محل وسينما وكازينو وفندق ومكتب ونادٍ فى شوارع وميادين وسط البلد.
قراءة متأنية لعدد "آخرساعة" رقم "902" الصادر بتاريخ 6 فبراير 1952، تكشف لنا مدى التطابق بين ما جرى يوم "السبت الأسود" وما تكرر بسيناريو شبيه إلى حد التطابق فى "جمعة الغضب" بعد 59 عاماً بالتمام والكمال، وأن المجرم واحدٌ.
فبحسب تقرير نشرته المجلة تحت عنوان "أسرار ما حدث فى القاهرة يوم السبت الأسود"، فإنه ومنذ اللحظة الأولى بدأ المسئولون فى إجراء تحقيقات واسعة النطاق للتعرف على المجرمين الذين دبروا حوادث القاهرة وارتكبوها فى وضح النهار، حتى لقد صرح وزير الداخلية بأن الحكومة وضعت يدها فعلاً على أركان الجريمة وأمسكت بالخيط الذى سيؤدى إلى الذين دبروا مؤامرة حرق القاهرة.
التحقيقات والجناة
وبدأت التحقيقات التى تولاها أكثر من 200 وكيل نيابة فى حصر الحوادث والأضرار وكل من يكون أتيح له أن يشهد إحدى تلك الحوادث أو بعضها. وفتحت أبواب نيابة جنوب القاهرة ونيابة الشمال، لتستقبل عشرات من أصحاب المحال التى مرت بها الحوادث المؤسفة.. كل منهم يحمل فى يده كشفاً سجل فيه كل ما كان داخل محله قبل الحوادث، وما عثر عليه سليماً بعدها. ثم بدأ المحققون أسئلتهم..
أين كنت وقت الحادث؟
هل تستطيع التعرف على كل أو بعض من ارتكبوا الجريمة؟
كيف تمت الجريمة بالتفصيل؟
هل كان بابك مفتوحاً أو فُتِح عنوة؟
وهل أشعلت النار فى الخارج أولاً وألقيت فيها بضائعك ثم أحرق محلك أم قام المجرمون بإشعال النار فى المحل وما فيه؟
وهل استخدم المجرمون البترول أو المسحوق الآخر الذى كان يحمله بعضهم؟
وقرّر كثيرون من أصحاب المحال وموظفيها للمحققين أنهم يستطيعون أن يتعرفوا على مرتكبى الجرائم، ولو وُضع الواحد منهم وسط ألف شخص!
لقد قال بعضهم - مثلاً - إنه شاهد رجلاً يرتدى عِمامة، وقال بعضهم إنه شاهد رجلاً ذا لحية طويلة. وقال بعضهم إنه شاهد شباناً يرتدون ملابس صفراء وقد "شمروا" بنطلوناتهم، وقال بعضهم إنه كان يرى سيارات صغيرة من نوع "الجيب" و"الفيات" تحمل عدداً من الشبان معهم "أجنة" طويلة و"بلطة" وعدد من كرات القماش المشبعة بالبترول، واستطاع المحققون بهذا أن يضعوا أيديهم على الخيوط الأولى التى ستوصلهم إلى الحقيقة.
عناصر ملتحية
هكذا يتضح جلياً لمن يعيد قراءة التاريخ، أن ما جرى فى حريق القاهرة لا يختلف كثيراً عما شهدته البلاد من "مؤامرة" لم يكن هدفها فى الحالتين سوى إسقاط الدولة، فالعناصر الملتحية المخربة هى ذاتها التى كررت الجريمة نفسها بعد نصف قرن، والأدوات واحدة فكرات القماش المشبعة بالمواد البترولية لم تكن سوى زجاجات المولوتوف فى 2011، و"الأجَنة والبلطة" تطوَّرت إلى سلاح "الخرطوش" والشوم، والحرائق التى طالت المحال التجارية هى ذاتها التى طالت كل شيء فى "يناير" بما فى ذلك أقسام الشرطة. وفى الحالتين كان المواطن المصرى على يقين من أن "الفاعل معلوم"!
أما الآثار الناجمة عن الحرائق فقد تطابقت هى الأخرى فى الحالتين، بما يؤكد أن الأصابع التى ارتكبت الجريمتين واحدة! فتحت عنوان "هذه هى آثار جريمة حرق القاهرة"، نشرت "آخر ساعة" تفاصيل مهمة يصبح لإعادة قراءتها مغزى كبيراً بعد أكثر من نصف قرن.
تعالوا نعيد المشهد من جديد: "كان خط سير المجرمين عجيباً، لقد بدأوا من ميدان الأوبرا وانتقلوا مباشرة إلى نهاية شارع فؤاد ثم إلى بداية شارع سليمان باشا، وبعد هذا أفلت الزمام تماماً، وانتشر المجرمون فى شارع فؤاد وشارع سليمان وميدان الإسماعيلية وشارع عدلى وشارع قصر النيل وشارع عبدالخالق ثروت وميدان الأوبرا وشارع إبراهيم باشا وشارع ألفى بك وشارع توفيق وميدان توفيق وشارع الملكة وميدان المحطة. وعندما نزل الجيش وسيطر على قلب المدينة انتقل المجرمون إلى أطرافها وكانت النتيجة أن تحولت ثلاثة أرباع المبانى والمؤسسات والمحال إلى أنقاض وأطلال"!
فى كلا التاريخين اشتعلت النار فى شوارع وميادين القاهرة، وفى الحالتين كان رجال المطافئ يقومون بدورهم على أكمل وجه، بفضل عزيمة رجال الشرطة المدنية وعملهم الدءوب، وهذا ما أشارت إليه المجلة أيضاً، فعلى الرغم من أن مطافئ القاهرة لم تكن تملك فى ذلك الوقت سوى 44 سيارة إطفاء فقط، ليس من بينها إلا أربع من طراز 1951، والأربعون الباقية ترجع إلى عهود قديمة من بينها سيارة طراز 1919، قامت الشرطة بدورها من دون أى تقصير.
"كان يوم 26 يناير (1952) من أقسى الأيام التى مرت على قسم مطافئ القاهرة، فلم يحدث من قبل أن شبت حرائق فى العاصمة بالكثرة والسرعة اللتين وقعتا فى ذلك اليوم المشئوم، فلم يكن واجب الضباط والجنود مقصوراً على مكافحة النيران فقط، بل زيد عليه عبء جديد هو منع المتظاهرين من أعمال التخريب والعرقلة التى كانوا يوجهونها إلى رجال المطافئ أثناء القيام بواجبهم، فلم يكد رجال المطافئ يجهزون خراطيم المياه ويبدأون علمهم حتى هجم المتظاهرون على تلك الخراطيم فقطعوها وخطفوها وإذا علمت أن القسم فقد فى ذلك اليوم 240 خرطوماً لأدركت مدى الصعوبة التى عاناها الجند فى مكافحة النيران".
اقتلونى ولن تدخلوا
المحاولات المضنية التى بذلها رجال الشرطة لإخماد الحرائق التى تعرضت لها أقسام الشرطة فى يناير 2011، واستمرت طوال العام حتى طالت منشآت مهمة مثل "المجمع العلمي" فى ديسمبر من العام ذاته، لم تختلف عن الجهود التى بذلوها لإخماد حرائق القاهرة وإنقاذ أقسام الشرطة التى تعرضت لهجوم مماثل بعد نصف قرن، وتحت عنوان "هؤلاء حاولوا إنقاذ القاهرة" نشرت "آخر ساعة" فى عددها رقم 904 بتاريخ 20 فبراير 1952 تحقيقاً أبرز تلك الجهود فى ذلك الوقت الصعب.
"هذه هى قصة كفاح قسم بولاق.. لقد غادر مأمور القسم البكباشى عبدالفتاح حسن المأدبة الملكية فى الساعة الثالثة ليذهب إلى القسم وخرج بمجرد وصوله وفى رفقته معاون القسم اليوزباشى كمال عبدالعال للمرور فى دائرة القسم. وفى الجزء التابع للقسم من شارع فؤاد فوجئ المأمور بحفنة من المتظاهرين يقودهم شخص أطلق لحيته يحاولون كسر باب إحدى الحانات ولم يكن مع المأمور أحد سوى معاون المباحث فأسرع بالنزول وحده ليسد باب الحانة بجسمه قائلاً للمتظاهرين: (اقتلونى ولكنكم لن تدخلوا الحانة)، وفى نفس الوقت كانت سيارة المرور قد انطلقت مسرعة تحمل ضابط المباحث لإحضار مدد ولم يشأ المتظاهرون قتل المأمور فانصرفوا".
"وفى نفس الوقت كان قسم عابدين يبذل المستحيل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فى شخص أحد ضباطه، هو الصاغ نجيب بسيوني.. لقد كُلِف بسيونى بالانتقال فوراً إلى ميدان الأوبرا لأن المتظاهرين أشعلوا النار فى كازينو أوبرا.. وكانت القوة التى أعطيت له ليواجه بها آلاف المتظاهرين المتجمعين فى الميدان هى 30 جندياً واثنين من الضباط، ومع ذلك تمكنت القوة من تفريق المتظاهرين وتمكين رجال المطافئ من أداء عملهم بعد أن استعانت ببعض قنابل الغازات المسيلة للدموع".
"وكان البكباشى يوسف القفاص مأمور قسم السيدة مرابطاً بعدد من قواته أمام السفارة الإنجليزية عندما بلغته أنباء وصول المتظاهرين إلى حدود قسم السيدة، فأسرع عائداً وهناك رأى بعضهم يحاول تحطيم أحد المحال فاستقبلهم بإطلاق الرصاص فتفرقوا على الفور وألقى القبض على اثنين.. كما أسرع بإعادة توزيع قواته بطريقة كفلت صد جميع هجمات المتظاهرين طوال اليوم، فلم تقع فى دائرته حوادث تُذكر".
الذين سرقوا القاهرة
أما عمليات السلب والنهب التى حدثت فى أعقاب حالة الفوضى التى شهدتها البلاد يوم "جمعة الغضب" (28 يناير 2011) من اقتحام للمحال التجارية والمولات والبنوك وسرقتها، فلم تكن هى الأخرى جديدة، فالمشهد ذاته حدث من قبل يوم "السبت الأسود" عام 1952، وتحت عنوان "الذين سرقوا القاهرة فى اليوم المشئوم" نشرت المجلة تحقيقاً فى عددها رقم 905 الصادر بتاريخ 27 فبراير 1952، جاء فيه ما يلي: ما أعجب ما قام به رجال البوليس لكى يجمعوا من جديد البطائع التى سُرقت يوم حرق القاهرة، وما كان أكثر البضائع التى سرقت. وكانت الحملة التى قام بها بوليس قسم الوايلى هى أكبر الحملات وأوسعها نطاقاً، فقد قامت برئاسة البكباشى أحمد أبو خودة والملازم حسين السماحى ضابط المباحث بالتفتيش عن المسروقات فى عشر عزب تابعة للقسم، تؤوى عدداً كبيراً من محترفى السرقة والمشبوهين.
ولقد أصيب رجال الحملة بالدهشة عندما علموا أن الأوامر تلزمهم بأن يعثروا فى هذه العزب على مصنع كامل للفانلات ونادى شل الرياضي.. فقد ثبت أن المصنع اختفى تماماً بحيث لم يعد فيه غير جدرانه، وكذلك النادى الذى لم يترك اللصوص فيه حتى أبوابه الخشبية. وفوجئ رجال الحملة التفتيشية الضخمة بمنظر طريف، حينما كانوا يحاصرون عزبتى الصفيح وأبو حشيش.. العزبتان لا يفصل بينهما إلا شريط السكك الحديدية، فقد وقف رجال الحملة قبل أن يقوموا بالهجوم المفاجئ خمس دقائق، ولكن سكان العزبتين أحسوا بالحصار.. وأدركوا أنه لا بد سيتبعه الهجوم فبدأوا يلقون بالمسروقات من النوافذ ومن فوق السطوح.. دواليب ومقاعد وموائد وأقمشة ولعب أطفال وأحذية. ولم تجد الحملة بدًا من أن تهجم وبسرعة خاطفة.. فعثرت على آلات تليفون ومرتبة محشوة بأثواب القماش كانت ترقد عليها سيدة ادعت أنها لا تستطيع التحرك بسبب آلام الوضع، وعثرت على صناديق مغلقة مدفونة وسط المزارع، وعلى ماكينات للخياطة وعلب سجائر وأمواس حلاقة وكميات من الصابون والمظلات والمحافظ الجلدية والجاكتات وأطقم الشاى والطعام. وعادت الحملة بالمسروقات الضخمة وكان معها غير المسروقات 153 مشبوهاً من بينهم سيدتان".
يبقى فى النهاية أن هذه المقارنة السريعة تؤكد أن الليلة تشبه البارحة، وأن "الجاني" واحدٌ، وأدواته فى تخريب مصر واحدة، فالتاريخ سيظل المرآة التى صنعها "الأمس" ليرى فيها "اليوم" وجهه "غداً"، ومن أراد أن يفهم ما جرى عليه أن يعيد قراءة التاريخ جيداً.

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي

 

 

 

ترشيحاتنا