حكايات| ثبات الألوان برسوم المصري القديم.. سر الخلطة «المعدنية»

ثبات الألوان برسوم المصري القديم.. سر الخلطة «المعدنية»
ثبات الألوان برسوم المصري القديم.. سر الخلطة «المعدنية»

من زار مقابر وادي الملوك بالأقصر، سيعرف أن ثمة سر يقبع وراء رسوم المصري القديم فعبقريته لم تتوقف عند سيميترية المشهد المصور على الجدران ودقة النحت، إنما خلطته السرية أيضا للألوان والتي تصمد حتى يومنا هذا بعد آلاف السنين ورمزيتها ودلالاتها المختلفة.
  

الدكتور حسين دقيل الباحث المتخصص في الآثار اليونانية والرومانية، تناول عبقرية التلوين لدى مصر القديمة في دراسة أعدها، قائلا إن المصريين القدماء قاموا بتزيين معابدهم ومقابرهم ومنازلهم وحدائقهم بالأعمال الفنية الرائعة، مشيرا إلى أن أعمالهم عكست أذواقهم الفنية السامية وخاصة عندما جمّلوها بتلك الألوان النابضة بالحياة ولم يكن اختيار المصريين القدماء لتلك الألوان اختيارًا عشوائيًا بل كان لكل منها رمزية معينة. بل واعتبروا أن للألوان صفات وقدرات سحرية. 


ويضيف: «استخدم الفنان المصري اللون البني المحمر للتعبير عن الرجل المصري بما فيه من رمزية للأرض الطينية النيلية في حين استخدم اللون المزيج بين الأبيض والأصفر للتعبير عن المرأة للدلالة على أنها تعيش في البيت بعيدة عن أشعة الشمس الحارقة وكان اللون الأحمر المأخوذ من أكسيد الحديد للتعبير على التناغم بين الجسد البشري والحياة، كما كان رمزًا للشر والدمار في نفس الوقت».

 

ألوان من المعادن


كان لهذا التنوع دورا مهما في البحث عن خلطات جيدة وزاهية، ويلقي خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بمناطق آثار جنوب سيناء بوزارة السياحة والآثار الضوء على هذا في دراسة، موضحًا أن المصري القديم استخدم اللون الأزرق الذي كان يُصنع من أكسيد النحاس فكان أكثر شعبية وكان يرمز للخصوبة والإحياء والبعث في حين استخدم اللون الأصفر المصنوع من الرصاص في تصوير الماء والسماء.

 


أما اللون الأخضر الذي استنبطوه من المالاكيت والنحاس فكان يرمز إلى الخير والنمو والحياة واللون الأبيض المصنوع من الجبس فكان يرمز للنقاء والقداسة والنظافة والوضوح واللون الأسود استخدم في تلوين الشعر المستعار وشعر النساء، كما استخدم للتعبير عن الكحل، وعبر به الفنان أيضا عن أرض مصر الطينية.

 

ويشير الدكتور ريحان من خلال الدراسة إلى أسباب ثبات الألوان المصرية القديمة الذي بررها العديد من الباحثين لأسباب تمثلت في أن الألوان كان منها ما يُستخرج من النباتات وبعضها الآخر كان يُستخرج من المعادن وأن الألوان المستخرجة من المعادن وخاصة اللون الأزرق كان يبقى محتفظًا ببريقه ولم يتأثر بعوامل التعرية، وإن الألوان كانت تُحضر على لوحة ألوان صغيرة وأن أكاسيد الحديد ذات اللون الأصفر والأحمر والأحمر الطوبى كانت من الصبغات الأرضية ولم تكن تتغير كثيرًا على مر السنيين أما اللون الأخضر ولأنه كان يُحضر بمزيج من اللون الأزرق وأكسيد حديد أصفر أو الرهج الأصفر، وكان يحضر أحيانا من أملاح النحاس، إلا أن أملاح النحاس لم تكن ثابتة لذلك كان اللون الأخضر المستمد منها يتحول إلى لون الصدأ.

 

 

في حين أن اللون الأزرق ولأنه كان يتركب من رباعي ساليسلات النحاس والكالسيوم، فقد ظل ثابتًا ورغم ذلك فكل هذه النظريات لم تصل إلى الحقائق المؤكدة وما يزال سر ثبات الألوان فى مصر القديمة سرًا يحتاج لمزيد من الدراسات أو اكتشاف أثرى يكشف عن هذا السر.

 

الخلطة


الباحثة الأثرية نورا مجدي، كشفت في دراسة أن اختيار الألوان في رسوم المصري القديم، لم تكن اعتباطا إنما كانت رمزية الألوان مهمة للغاية وثابتة عبر التاريخ توارثت من جيل لآخر، ولم يتم اختيار أي لون عشوائياً وكان لكل لون معنى ورمزية خاصة به ، وفهم رمزية هذه الألوان يعتبر ضرورياً للمساعدة فى كشف أسرار العقيدة المصرية القديمة بصفة خاصة والحضارة المصرية القديمة بصفة عامة.


وتضيف أن المتأمل في فنون مصر القديمة يجد أن المناظر الجدارية في المقابر والمعابد وغيرها من آثار مصرية في متاحف العالم قد بقيت فيها الرسوم والنقوش بألوانها الزاهية التي تدلل على مهارة فنان ذو حس جمالي وله تجارب متعددة في اختياره للألوان وتنسيقها.

 

 

وأردفت: «استخدم المصريون فى أعمالهم الفنية ستة ألوان أساسية هم الأبيض – الأسود – الأحمر – الأصفر- الأخضر- الأزرق»، مشيرة إلى أن إنتاج اللون كان يتم اللون بواسطة صبغات من أصول معدنية ومنها أكسيد الحديد للون الأحمر – أكسيد النحاس للون الأزرق – الجبس للون البيض – فحم الخشب للون الأسود، مضافاً اليها راتنجات نباتية ، أو بياض البيض ، لزيادة تماسكها وهذا هو السبب فى بقاء الألوان حتى اليوم بالاضافة الى إغلاق بعض المقابر التى لم يعبث قيها اللصوص بإحكام تام فحافظ ذلك على وجود هواء دافئ جاف لم يؤثر على صفاء الألوان ، ولم يكتفى المصرى القديم بتلك الألوان بل كان يضع احدى الصبغات على الأخرى للحصول على الظلال المتوسطة.

 

وأضافت أن عملية تلوين المناظر تطورت باستخدام الألوان تطورا مستمرا من عصر إلى آخر حيث نلاحظ في الدولة القديمة كان الفنان المصري القديم يستخدم خمسة ألوان فقط ألا وهي الأحمر – الأصفر- الأبيض – البنى – الأزرق، بينما فى عصر الدولة الوسطى قد استعمل ألوان أخرى بجانب هذه الألوان مثل الأخضر، وأثناء الدولة الحديثة كانت الألوان الخفيفة الرقيقة شائعة في التلوين بالإضافة إلى استخدام التظليل، وبحلول العصور الرومانية كان الفنانون قد طوروا تقنية الرسم بالألوان الشمعية المثبتة بالحرارة "الشمع المصبوغ" الذي سمح بتنوع أضخم من عجائن أصباغ مسحوقة.

 

 

 

 


 

 

 

 

ترشيحاتنا