ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب: رأس حربة القوة المصرية

ياسر رزق
ياسر رزق

«إذا أردت أن تحصن شعباً ضد التعصب والتطرف والجمود، استثمر في الفنون والآداب.. فليس بين الإخوان مبدع ولا بين السلفيين فنان»


قبل أن تتقدم الجيوش داخل مسارح العمليات، وقبل أن يدوي صوت الرصاص في ساحات القتال، تسبقها فرق الأدباء والفنانين بالتقدم نحو عقول وقلوب الخصوم والأعداء لتغزو الوجدان، قبل أن تحتل فرق المشاة والمدرعات السهول والوديان.

في أي حرب، التمهيد النيراني الحقيقي ليس قصف المدافع أو قذف الطائرات، إنما هو صوت الموسيقى ومشهد الفيلم وفصل المسرحية.

يفعلها الأمريكان قبل لعلعة الرصاص واشتعال البارود، وسبقهم الألمان، ومن قبلهم الرومان، وفى فجر التاريخ فعلها المصريون القدماء.

الفن والأدب أبقى من البندقية.

فلقد جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، ومعها المدفع والمطبعة.

وبعد 3 سنوات، رحل الفرنسيون ومعهم المدفع، بينما بقيت المطبعة وكتاب «وصف مصر».

< < <

الثورات مثلها مثل الحروب، تحيا بمؤلفات الأدب والفن، أكثر مما تعيش أحداثها في دفاتر التاريخ.

حين خرج أبناء الشعب ضد الاحتلال البريطاني في ثورة 1919، التأمت جموعهم على كلمات بديع خيري وألحان سيد درويش في النشيد الخالد «قوم يا مصري».

وفى ثورة 23 يوليو، ربما لم تصمد بعض المنجزات والمنشآت لأفاعيل الزمن، وربما لم تتحمل بعض القرارات التاريخية عوامل التعرية السياسية، لكنها مازالت حية خالدة في وجدان الشعب، بفعل الأغنية والفيلم والمسلسل والمسرحية والقصة والرواية والقصيدة.

بالمثل، يقيني أن الفنون والآداب ستُخلد ثورة 30 يونيو، حين ينتعش الإبداع من جديد، بأكثر مما سيحفظ ذكرها إعجاز الإنجاز الذي يتحقق منذ ست سنين مضت وعلى مدار سنين آتية.

< < <

عائد كل قرش تنفقه أي أمة على الثقافة أعلى بمراحل من عوائد الصناعة، وأجدى بالقطع من مصروفات القتال.

ليس بالقوة العسكرية احتلت مصر وجدان العرب، وإنما بقوتها الناعمة من فنانين وأدباء وعلماء ومعلمين وأطباء ومعماريين ورجال إعلام ودعاة وسطيين.

وليس بقدرتها الاقتصادية كونت مصر رصيدها في عالمها العربي، إنما بتضحياتها وأشياء كثيرة على رأسها ثروتها من الفنون والآداب والعلوم.

واللهجة المصرية انتشرت عربيا وتسودت على ألسنة العرب، عبر جهاز الراديو وشاشة السينما واسطوانة الأغنية والتلاوة القرآنية.

لذا بقيت مصر، وتلاشى غيرها وزال أثرهم.

داخليا.. ظلت الثقافة المصرية هى المصل الذي يصون الهوية الوطنية في أحرج الأوقات، وفي أزمة التقلبات والأنواء السياسية.

ولعلنا نذكر قبيل نزول جماهير الشعب ضد نظام الإخوان، أن بذرة ثورة 30 يونيو نبتت في شارع شجرة الدر، حيث مقر وزارة الثقافة، عندما انتفض المثقفون المصريون ضد محاولات الأخونة، واعتصم الأدباء والفنانون مطالبين بسقوط حكم المرشد البغيض.

لن تجد فناناً حقيقياً، ممثلاً، أو موسيقاراً، أو نحاتاً، أو رساماً، ولن تجد أديبا مبدعاً، ولن تجد محباً للفن أو متذوقاً للأدب، يعتنق الأفكار الدينية المتطرفة.

وإذا أردت أن تحصن شعباً ضد التعصب والتطرف والجمود، استثمر في الفنون والآداب.

هذا هو جوهر التوجه الثقافي في المشروع الوطني المصري.

فليس بين الإخوان مبدع، ولا بين السلفيين فنان..!

< < <

الثقافة هى رأس الحربة في المشروع الوطني المصري لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة، وهى مصدر القوة الحقيقية للدولة المصرية.

وعماد المشروع الوطني هو العصرنة التي تحتفظ بالجذور، وهو الوعي بمتطلبات الدولة وحقوق الشعب، وليس مجرد إحياء أمجاد قديمة، والاكتفاء بالتغني بها.

ومنذ جاء الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى سدة الحكم وهو يدرك مكانة الثقافة في مكون المشروع الوطني المصري الذي يرسي قواعده منذ عام 2014.

الحقيقة أن وعي الرئيس بدور الفنون والآداب ومعهما الإعلام في استنهاض همم الناس، هو الذي دفعه أكثر من مرة إلى أن يقول إن نظام عبدالناصر كان سعيد الحظ بإعلامه، وأن ثورة 23 يوليو كانت أسعد حظاً من ثورة 30 يونيو بما أثمره إبداع أدبائها وفنانيها.

الحقيقة أيضاً أن السيسي يعلم أن الإنتاج الثقافي كالزراعة، لابد له من إعداد تربة، وتهيئة مناخ، ولابد له من بذر وغرس وري وعناية، ولابد له من أوان للحصاد.

لذا جل ما يغرسه السيسي في مجال البنية الأساسية للثقافة المصرية، وفي مجال اكتشاف الموهوبين من براعم الأدب والفن في مختلف مجالاتهما، سوف نجنيه في السنوات المقبلة، وليس من الضروري أن ننعم به كله في هذه الأيام.

< < <

ومن قبل أن يتولى الرئيس السيسي المسئولية، كان من بين شواغله هو استعادة زخم الثقافة المصرية، وإعادة بناء الوعي وترسيخ الشخصية المصرية وتنقيتها من الشوائب التي رانت عليها في عهود الجمود والردة والاتجار بالدين.

وربما من أتيح له أن يطالع البرنامج الشامل «الحلم المصري» للمرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي في مطلع عام 2014، وجد المكانة التي يحتلها المكون الثقافي في هذا البرنامج الذي يرفع قواعد وبنيان المشروع الوطني المصري.

غير أن الانطلاقة الحقيقية للنهضة الثقافية المنشودة كأحد أبرز ركائز هذا المشروع، بدأت مع المدة الرئاسية الثانية للرئيس السيسي في منتصف عام 2018، حينما أعلن الرئيس أن رباعي الصحة والتعليم والثقافة والإصلاح الإداري يحتل صدارة أولويات مدته الرئاسية الثانية.

< < <

وفي هدوء لا يتناسب مع قدر الإنجاز حجماً وقيمة، يتواصل العمل في إنشاء وتطوير وتحديث مقومات البنية الثقافية المصرية، في الدلتا والصعيد وسيناء والبحر الأحمر والساحل الشمالي.

ولعل سبب هذا الهدوء هو شخصية الفنانة الدكتورة إيناس عبدالدايم التي تفتش عن الانجاز قبل أن تبحث عن مواقع مصابيح الأضواء.

ودون تفاصيل.. يكفي أن أشير إلى أنه قبيل نهاية العام سيتم افتتاح 11 قصر ثقافة، منها 4 قصور جديدة في منطقتي أبرق وحدربة بالبحر الأحمر ووادي النطرون وتمى الأمديد بالدقهلية بجانب تطوير وتجديد قصور ثقافة سمالوط والمنيا والعريش وشبين الكوم وغيرها، وافتتاح متحفي محمد محمود خليل للفن التشكيلي بعد تطويره ومجلس قيادة الثورة، ومسرح ليسيه الحرية بالإسكندرية ومتروبول بالقاهرة وتطوير أكاديمية الفنون لتضم مدرسة لمواد الفنون ومعملاً فريداً من نوعه للتصوير السينمائي ومتحف المعهد العالي للفنون الشعبية بجانب إطلاق المسارح والمكتبات المتنقلة وهو المشروع الذي يقام بالتعاون مع الإنتاج الحربي وتطوير مشروع مكتبة الأسرة ودراسة عودة مهرجان الطفل، مع تنشيط مهرجان القاهرة السينمائي ومهرجان السينما الأفريقية وعودة مهرجان المسرح التجريبي وافتتاح مهرجان الموسيقى العربية في موعده.

وسيتم أيضا قبيل نهاية العام افتتاح فرع لمكتبة مصر العامة في فاقوس بالشرقية وافتتاح مكتبة عامة في سيدي سالم بكفر الشيخ، وإنشاء متحف لمقتنيات فناني السينما في قاعة ثروت عكاشة بالمركز القومي للسينما، بجانب متحف مقتنيات فناني المسرح بالمركز القومي للمسرح.

ويبقى مشروع استغلال أرض البالون، وإعادة إنشاء مسرح السامر من المشروعات المهمة خلال الفترة المقبلة برغم ظروف التهدئة التي صاحبت انتشار فيروس كورونا المستجد.

< < <

دون جدال.. يبقى مشروع مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية، هو المشروع الثقافي الأهم في عهد الرئيس السيسي، ولعل كل واحدة من مكونات هذه المدينة العملاقة التي تعد الأكبر في العالم وتقام على مساحة 130 فدانا، تستحق أن تكون جوهرة تاج ثقافية لعهد رئيس للبلاد.

ليس سراً أن هذا المشروع كان محور اجتماع عقده الرئيس السيسي، السبت 15 أغسطس، وحضره رجل الإنجاز الهادئ الكفء دمث الخلق اللواء محمد أمين مستشار رئيس الجمهورية للشئون المالية والمشرف العام على الجهاز الوطني للإدارة والاستثمار الذي يقوم على إنشاء مشروع مدينة الفنون والثقافة، ومعه العقيد الشاب الدءوب وليد سامي المدير التنفيذي للجهاز.

ربما البعض لا يعلم حجم الانجاز الهائل في هذه المدينة الثقافية العملاقة، وربما لا يعرف الكثيرون بوجود هذه المدينة أصلا. وربما لا يتصور الكافة أن هذا الصرح العالمي الذي لا نظير له في حجمه، سيكتمل تماما مع نهاية العام الحالي، ومع مرور 3 سنوات فقط على بدء العمل في إنشائه بفكرة أطلقها السيسي.

< < <

إطلالة سريعة على مكونات مدينة الفنون والثقافة، لعلها تعطي لمحة عن مكانة الفنون والآداب في نظام 30 يونيو وتبين الدور المأمول للثقافة المصرية للمشروع الوطني المصري الذي دشنه الرئيس السيسي.

تضم المدينة مسرح أوبرا يسع 2200 متفرج ومسرحاً للدراما يسع 1200 مشاهد ومسرحاً للموسيقى يسع 700 شخص. كما تضم مسرحاً مكشوفاً يسع 17 ألف متفرج، ومكتبة كبرى تقارب في حجمها مكتبة الإسكندرية الشامخة، ومتحفاً لعواصم مصر يروى حكاية 25 عاصمة مصرية على مر التاريخ منها 10 عواصم لها أجنحة ومقتنيات و15 عاصمة يتم عرضها بالجرافيك.

وتشمل المدينة متحفاً للشمع تديره الهيئة التي تتولى إدارة متحف «مدام توسو» العالمي في لندن، وكذلك سينما وثائقية، وبيتاً للعود يشرف عليه الفنان العراقي نصير شمة لتعليم النشء، ومراكز للبيع ومعارض للصناعات البيئية والحرفية ومواقع للرسم والنحت والفنون التشكيلية.

ومن بين أهم مكونات المدينة، أكاديمية مصر للفنون والثقافة التي تتولى تدريب النشء والشباب على الموسيقى والمسرح والسينما والجرافيك والفنون التشكيلية، ورعاية الموهوبين بالتعاون مع صندوق الموهوبين الذي أمر الرئيس بإنشائه برعاية صندوق تحيا مصر.

ومع افتتاح هذا الصرح الثقافي العملاق، الذي سيدهش الزوار الأجانب، قبل أن يسعد جموع المصريين، وسيشكل أهم المعالم الحضارية للعاصمة الإدارية الجديدة، سيتم عرض أوبرا «طيبة» التي يجرى إعدادها الآن بالتعاون مع أوكرانيا، وهذه الأوبرا مأخوذة عن رواية «كفاح طيبة» لأديب مصر العالمي نجيب محفوظ، ومن المتوقع أن تضاهى في موسيقاها الفريدة، موسيقى أوبرا عايدة التي ألفها الموسيقار الإيطالي ڤيردى منذ 150 عاماً.

< < <

ومع كل هذه المنجزات الكبرى في مجال البنية الأساسية للثقافة المصرية من فنون وآداب، أحسب أننا نحتاج إلى عقد مؤتمر ثقافي للمبدعين المصريين يناقش إحداث نقلة نوعية في الأغنية والفيلم والدراما والمسرحية، ويبحث تقديم أوجه الرعاية للشعراء والروائيين والكتاب، وإزالة المعوقات أمام المنتجين ومنافذ العرض الفني ودور النشر.

وأعتقد أن العمود الثالث مع مدينة الفنون والثقافة في العاصمة الإدارية ومدينة الإنتاج الإعلامي بمدينة 6 أكتوبر، سيكون إنشاء مدينة عالمية لاستوديوهات الإنتاج السينمائي «ايچيوود» على غرار مدينة هوليوود في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

وفى كل الأحوال.. أظن أن التنسيق أكثر من لازم وضروري بين وزارات الدولة وهيئاتها المعنية بالإبداع والقوة الناعمة، ولعلي اقترح في هذا الشأن إنشاء لجنة وزارية للإبداع تضم وزارات الثقافة والإعلام والشباب والآثار والتعليم العالي والتربية والتعليم مع وزارة التخطيط، للنظر في وضع إستراتيجية شاملة متكاملة للإبداع والثقافة وتنسيق جهود الدولة ووزاراتها في هذا المجال الحيوي.

وقد يكون اعتبار عام 2021 عاماً للثقافة المصرية، هو أهم احتفاء، بافتتاح أبرز منجزات عهد السيسي في مجال القوة الناعمة المصرية، وهو مدينة الثقافة والفنون بالعاصمة الإدارية.
 

 

 

 

 


 

 

 

 

ترشيحاتنا