حكايات| الشعوب الأصلية في الأمريكيتين.. ملايين دمرهم الغزو الأوروبي بـ«الأوبئة»

 الشعوب الأصلية في الأمريكيتين.. ملايين دمرهم الغزو الأوروبي بـ«الأوبئة»
الشعوب الأصلية في الأمريكيتين.. ملايين دمرهم الغزو الأوروبي بـ«الأوبئة»

الأمريكان الأصليون، أو الهنود الأمريكان أو الهنود الحمر، كلها أسماء تطلق على عرقيات السكان الأصليين للأمريكيتين قبل عصر كريستوفر كولمبس وعلى السلالات التي انحدرت عنهم. 

 

يرجع اسم الهنود الحمر إلى أنه عندما عثر كريستوفر كولمبس على العالم الجديد، ظن خطأ أنه وصل إلى جزر الهند الشرقية، تمييزاً لهم عن الهنود الآسيويين، لكن هذه القبائل كانت تسمى «قبائل أوننداجو ووموهاك وشيروكي» كما كانوا يعرفون جميعًا باسم الهنود الأمريكيين أو الهنود الحمر.

 

وفي كندا كان يطلق عليهم عادة شعب أبورجينال وحين وصل (كريستوفر كولومبس) عام 1492 أرضهم؛ كان عددهم يقدّر بـ40 مليونًا، وحين جاء الإسبان وجدوا 50 قبيلة هندية في الغرب بما فيها شعب بيبلو وكوماتش وبيمان ويمان، وكان لهم لغاتهم المتنوعة. 

 

وجلب الأوربيون معهم الأمراض كوسيلة حرب بيولوجية كالجدري والحصبة والطاعون والكوليرا والتيفويد والدفتيريا والسعال الديكي والملاريا وبقية الأوبئة التي كانت تحصد السكان الأصليين. وكانت السلطات البريطانية توزع عليهم الأغطية الحاملة للأمراض عمداً بهدف نشر الأمراض بينهم وإبادتهم.

 

تاريخ الشعوب الأصلية

 

ما زال الغموض يكتنف تفاصيل هجرة الهنود الحمر القدامى إلى الأميركتين والتواريخ الدقيقة لهذه المرحلة، لكن يفترض أن نزوح سكان أمريكا الأصليين إليها من أوراسيا عبر جسر يابسة بيرنجيا الذي كان يربط شمال غرب أمريكا الشمالية «ألاسكا الحالية» بشمال شرق آسيا «سيبيريا» عبر ما يعرف الآن بمضيق بيرنغ. 

 

وقد بدأ ذلك قبل 16500 إلى 40000 عام تقريباً، وقت أن كان منسوب سطح البحر ينخفض أثناء العصر الجليدي، واستمر هذا النزوح لفترة غير معلومة المدى، كما تفترض النظريات أن السكان الأصليين نزحوا إما سيراً على الأقدام أو باستخدام قوارب بدائية على طول الساحل الجنوبي الغربي للمحيط الهادئ إلى أمريكا الجنوبية.

 

انتشر الأمريكيون القدماء في الأمريكتين واستوطنوا بها ليؤسسوا المئات من الأمم والقبائل ذات الثقافات المتباينة، وذلك قبل آلاف السنين من بدء استعمار الأوربيين للعالم الجديد في القرن الخامس عشر الميلادي، وهناك من يري أن الأمريكيين الأصليين قد استوطنوا بتلك البقعة منذ بدء الخليقة، ويدعمون رواياتهم بالعديد من الحكايات التقليدية عن بدء الخلق.

 

 

وهناك من يرى أن شعباً أوروبياً قديماً، كان من بين أوائل قاطني الأمريكيتين، غير أن هذا الرأي أيضاً يجد الكثير من المعارضين للاختلافات التي وجدت بين الأدوات المستخدمة في تلك الفترة إلى جانب المسافة الزمانية والمكانية التي تفصل بين الحضارتين، إلى جانب الدراسات الوراثية المعتمدة على تقنيات الحامض النووي قللت من شأن هذه المقولة.

 

عصر ما قبل كولومبوس

 

يضم العصر ما قبل الكولومبي كل عصور ما قبل التاريخ والعصور التاريخية التي مرت بها الأمريكيتان قبل ظهور تأثيرات أوروبية والاستيطان الأول في العصر الحجري القديم والاستيطان الأوروبي في مطلع العصر الحديث.

 

كانت قلة من تلك الحضارات ما قبل العصر الكولومبي تمتلك سجلات مدونة أشهرها "المايا"، فضلا عن وجود تجمعات آخري سكانية دائمة أو حضرية، وزراعة، وعمارة مدنية وتذكارية، وأنظمة عشائرية معقدة. قدر لبعض تلك الحضارات الزوال قبل غزو الأوروبيين، ولم يعد هناك ما يدل على سابق وجودها إلا بعض الأدلة الأثرية، إلا أن معظم الأوروبيين في تلك الحقبة لم يعتدوا بها، فكان مآلها إلى المحارق المسيحية، ولم ينج منها إلا وثائق قليلة.

 

وكانت تلك الحضارة ذات إنجازات كبيرة، من بينها مدينة تينوتشتيتلان، التي شيدها الأزتك، في موقع مدينة مكسيكو الحالية، وتعد من أكبر مدن العالم آنذاك، وكان تعداد سكانها في ذلك الحين زهاء مائتي ألف نسمة. كما وجد أيضاً إنجازات باهرة في علمي الفلك والرياضيات. 


تأثير الاستعمار الأوروبي

 

غير الاستيطان الأوروبي للأمريكيتين حياة وسلالات وثقافات شعوب القارة إلى الأبد. فكان التعرض للأمراض المعدية، والتهجير، والحروب سبابا أساسيا في تناقص أعداد السكان، وكانت أول مجموعة من الأمريكيين الأصليين التقاها كولومبوس هم شعب التاينو في هيسبانيولا، الذي كان تعداده ربع مليون نسمة، وكانت حضارته هي الحضارة السائدة في جزر الأنتيل الكبرى والبهاما. 

 

تعد قوانين بورجوس (1512 ـ 1523) أول نظام قانوني مكتوب ينظم سلوك المستوطنين الإسبان في العالم الجديد، وخاصة فيما يتعلق بالسكان الأصليين، الذين كانت هذه القوانين تحظر إساءة معاملتهم وتساند تحويلهم إلى الكاثوليكية. غير أن التاج الإسباني لاقى صعوبة في فرض هذه القوانين في تلك المستعمرة البعيدة جغرافياً.

 

 

ويشير المؤرخون إلى أن الأوبئة والصراع مع الأوروبيين، كان سبابا وراء تناقص أعداد الأمريكيين الأصليين، وإبادتهم ما بين 90% و95% من السكان الأصليين. وقد قضى نصف سكان هسبانيولا الأصليين سنة 1518 نحبهم جراء مرض الجدري؛ وقُضي على ما تبقى من حضارة الإنكا بفعل تعاقب كل من التيفويد سنة 1546، ثم الإنفلونزا والجدري معاً سنة 1558، فالدفتيريا سنة 1614، ثم الحصبة سنة 1618. 

 

وقد قتل الجدري ملايين من السكان الأصليين في المكسيك، وخلال عقداً من الزمان قتل ما يقدر بمائة وخمسين ألفا في تينوتشتيتلان مدينة مكسيكو الحالية قلب إمبراطورية الأزتك سنة 1521.

 

خلال قرن من الغزو الأوروبي للمنطقة تناقص ما قدر بنصف إلى ثلثي السكان الأصليين لشرق أمريكا الشمالية، وقد قدر أن الجدري تسبب في فناء 90% من السكان الأصليين لمستعمرة خليج ماساتشوستس، كما تسبب انتقال الفيروس في انقراض الأمريكيين الأصليين في بلايموث (بولاية ماساتشوستس الحالية) جميعاً. وقد وصل المرض إلى منطقة بحيرة أونتاريو سنة 1836 وإلى أراضي الإيروكواس بحلول عام 1679. 

 

وفي سبعينيات القرن الثامن عشر قضى الجدري على ما لا يقل عن 30% من الأمريكيين الأصليين القاطنين في الساحل الغربي للولايات المتحدة، كما تسببت أوبئة الجدري التي حلت في الفترة بين عامي 1780 و1782 وفي الفترة بين عامي 1837 و1838 في تناقص شديد في أعداد هنود منطقة السهول. ثم نظمت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية برنامجاً لتطعيم الأمريكيين الأصليين ضد الجدري سنة 1832.

 

جلب الإسبان والأوروبيين الخيول إلى العالم الجديد، وتناسلت وتزايدت أعدادها في البرية، وقد كان لدخول الخيول آثار ملموسة على حضارة الأمريكيين الأصليين في منطقة السهول العظمى في أمريكا الشمالية ومنطقة باتاجونيا في أمريكا الجنوبية. فقد أدى نجاح بعض القبائل في استئناس الخيول إلى ازدهار قبائلها وتوسعة مساحة أراضيها وتبادل العديد من السلع مع القبائل المجاورة، كما ساعده ذلك في الصيد.

 

عمل الأمريكيون الأصليون بزراعة العديد من النباتات. وكانت مرتفعات أمريكا الجنوبية مركزاً للزراعة وتشير الدراسات الجينية التي أجريت على البطاطس أن منشأها الأصلي هو جنوب البيرو.

 

وفي أمريكا الشمالية مارس السكان الأصليون الزراعة منذ ما يقرب من 4000 سنة، وبدأت صناعة الفخار وقطع الأشجار على نطاق محدود. وبالتوازي استخدام الهنود القدامى النار والحرق للنباتات لإخلاء مساحات من الغابات بغرض تسهيل الانتقال وإتاحة مناطق صالحة لزراعة النباتات الغذائية والطبية على حد سواء.

 

الشعوب الأصلية والحضارات

 

وتقسم حضارة أمريكا الشمالية وشمال المكسيك إلى حضارات جنوب شرق وشمال شرق وجنوب غرب وكاليفورنيا والحوض الكبير. وكان سكان شمال أمريكا يعتقدون أنهم جزء من العالمين الروحي والطبيعي. وكانت أعيادهم مرتبطة بمواسم الحصاد والزراعة. وكانوا يمارسون الرسم الملون على الرمل باستخدام المساحيق الطبيعية الملونة. وكانت نساء قبائل بيبلو تصنع الفخار المصقول من الطمي والملون بالزخارف الهندسية. واشتهر هنود جنوب غرب بصنع السلال.

 

وكان سكان كاليفورنيا الأصليين مشهورين بصنع المشغولات من الحجر وقرون الحيوانات والأصداف والخشب والسيراميك. وينسجون ملابسهم من الأعشاب ولحاء الشجر والجذور النباتية وسيقان الغاب. وصنعوا الحصر والأواني.

 

وأما الجاموس الوحشي فكان له أهمية كبيرة بالنسبة للشعوب الأصلية. لأنهم كانوا يصنعون من جلوده الخيام والسروج والسياط والأوعية والملابس والقوارب. وكانوا يصنعون من عظامه السهام وأسنة الرماح والحراب والأمشاط والخناجر وإبر الخياطة. ويصنعون من قرونه الأبواق والأكواب ومن حوافره الغراء. ولم يستأنسوا الجاموس الوحشي كما فعل الإنسان في آسيا وأفريقيا لأنه كان متوفرا. وكانوا يصطادونه بالسهام ويتعقبون آثار قطعانه عندما كانت ترعى في مراعيها أو تقترب لمصادر المياه لتشرب منها. لهذا أجادوا واقتفاء الأثر.

 

وكان سكان المدن لا يسلمون من غارات الرعاة، فكانوا يحرقونها ويدمرونها. وكان الأمريكيون الأصليون في الآباش يتجهون من الشمال الأمريكي إلى الجنوب حيث يعيش المايا والتولتك، ليغيروا عليها ويحرقوها. وكانوا يجيدون الكرّ والفرّ في القتال. وكانت بينهم أعراف متداولة، فمن كان يستجر بقبيلة أجارته حتى ولو كان عدوا لها وتركته لحال سبيله. ولا يقتل الأطفال أو النسوة أثناء القتال، ولا يقاتلون ليلا.

 

وظهرت بأمريكا الشمالية حضارة بوبلو التي نسجت القطن وأقامت البيوت من عدة غرف من بينها غرفة تحت الأرض ليمارس فيها الطقوس الدينية. وصنعت تماثيل المرمر والبلط النحاسية وعقود من الأصداف. وكان يصنع بها الفخار من خليط الطين مع الألياف النباتية والأواني المزخرفة بأشكال هندسية حول الحواف. وكانت المدن قد شيدت في شرق أمريكا الشمالية حيث كانت التجارة. وكانت تبني فيها القرى البسيطة وكل قرية كانت تتكون من بيتين أو خمسة بيوت خشبية ودائرية.

 

كما ظهرت حضارة أدنا (800 ق.م. –700 ق.م.) في وادي نهر المسيسبي وحضارة هوبول (400 ق.م. – 400 م.) في الجانب الشرقي منه بجنوب شرق أمريكا الشمالية. وكلا الحضارتين كانتا متماثلتين.

 

وجنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية شهد حضارة صناع السلال (100 ق.م. –100 م.). وكانت البيوت وقتها من غرفة واحدة من الطين وبقايا الشجر. كما ظهرت حضارة النحاس وحضارة الصيادين بالبر والبحر ولاسيما حول البحيرات الكبرى بكندا والولايات المتحدة. وكانوا يصنعون من النحاس آلاتهم بطرقه على الساخن أو البارد. لكنهم لم يعرفوا طريقة صهره.

 

تركت الشعوب الأصلية الشمالية آثارهم حول نهر اللينوي التي يرجع تاريخها ما بين سنة 3500 ق.م. و250ٌ.م. وهي عبارة عن سكاكين عظمية وأنسجة قطنية سميكة. وقرب بحيرة لاموكا وجدت مكاشط ومطارق حجرية وأخشاب محفورة.

 

ولأنهم لا يعرفون صهر النحاس أو صبه. كانت المشغولات النحاسية بالطرق لصنع السكاكين ونصال الرماح. وكانوا بصنعون الحلقان من الأصداف ويتزينون بالأحجار الكريمة. وكان الأمريكيون الأصليون يعيشون في غابات كندا على جمع الثمار وصيد السمك. 

 

كان كثير من الشعوب الأمريكية الأصلية يؤمنون بثلاثة عشر أسطورة هي بمثابة كتاب مقدس لهم.. تتحدث هذه الأساطير عن مجيء آلهة بيضاء من الشرق عبر أمواج المحيط، ستكون مخلصة لهم من جميع الشرور والخطايا، وبالتالي كانوا يجمعون قطع الذهب والمعادن النفيسة ليقدموها قرابين إلى هذه الآلهة المقدسة حال ظهورها.

 

وضع الأمريكيون الأصليون وأزمة الهوية

 


ما زالت العديد من أرجاء الأمريكيتين مأهولة بالسكان الأصليين، بل إن بعض الدول تضم أعداداً كبيرة منهم، من بينها بوليفيا وبيرو والمكسيك وغواتيمالا وكولومبيا والإكوادور. وما زال ما يقرب من ألف من لغات الأمريكيين الأصليين متداولة في الأمريكيتين، من بينها لغات الكيتشوا والأيمارا والغوراني ولغات المايا، والناهواتل، وهي لغات يعد متحدثوها بالملايين. 

 

 

يبلغ عدد الأمريكان الأصليين الآن 4.1 مليون نسمة، يمثّلون فقط 1.5% من إجمالي تعداد السكان في الولايات المتحدة. ينقسمون إلى 556 قبيلة معترف بها فدراليا. أن نسبة الحاصلين على شهادات جامعية بين السكان الأصليين 11 %، وأن 50% منهم لا يتمتعون ببرامج الحكومية. 

 

من مظاهر التمييز العنصري ضدهم أن لهم إدارة خدمات طبية خاصة لهم، كأن أمراضهم غير الأمراض، هذه الهيئة اسمها هيئة الخدمات الصحية للسكان الأصليين، توجد عيادة صحية للسكان الأصليين تزدحم أيام الجمعة، وتقع هذه العيادة المحلية في الطابق السفلي لأحد مساكن الطلاّب التابعة لجامعة ولاية أوكلاهوما.

 

 

 

 


 

 

 

 

ترشيحاتنا