يوميات الأخبار

هل نسى الأتراك التاريخ؟

محمد السيد عيد
محمد السيد عيد

محمد السيد عيد

 

يقول المثل الشعبى المصرى «إذا كنتم نسيتم ماجرى هاتوا الدفاتر تنقرا»، ويبدو أن الأتراك نسوا آخر صفحة من صفحات الصراع المسلح بينهم وبين مصر، لهذا فسنذكرهم بها.

توقفت العربة الملكية أمام قصر الجوهرة. نزل منها إبراهيم باشا، مشدود القامة، يمشى مشية عسكرية. أدى الحرس له التحية. رد التحية. وتوجه نحو القصر. كان فى الأربعين من عمره، فى عينيه بريق وعزم. خلال دقائق كان يقف أمام والده، محمد على باشا الكبير، أو عزيز مصر كما كانوا يسمونه. أدى التحية العسكرية. قال لوالده: خيراً ياأبي، قال لى رسولك إنك تريدنى بأسرع وقت.
نهض محمد علي. اتجه نحو ولده. وضع يده على كتفه. قال له: أنت تعلم ياإبراهيم أن مصر منذ أن احتلها العثمانيون عام 1517 صارت مجرد ولاية عثمانية، لكن تركيا نفسها الآن صارت ضعيفة، يسميها الأوربيون الرجل المريض. هذا الوضع ياولدى لايمكن أن يستمر. مصر والبلاد العربية يجب أن يتحرروا من الحكم التركى.
- هذا كلام خطير يا أبي.
- أعرف. لكنه سيصير واقعاً.
- كيف؟
- بالحرب.  لقد حاولت التفاهم أكثر من مرة مع السلطان العثمانى كى يمنحنى حكم الشام، لكنه كما تعلم يخشى أن نزداد قوة. لذلك فقد قررت أن أوحد الشام ومصر بالقوة.
شرح محمد على لولده فكرته التى يسعى لتنفيذها. قال له إنه يريد تأسيس مملكة عربية مستقلة عن المملكة التركية، وأن باكورة هذه المملكة هى الاتحاد بين مصر والجزيرة العربية وبلاد الشام والسودان.
- هل قررت الحرب ضد السلطان ياأبي؟
 - كلامى واضح.
وصمت لحظة، ثم سأل ابنه سؤالاً مباشراً:
هل تستطيع مواجهة الأتراك وهزيمتهم؟
قال إبراهيم فى ثقة: أنت تعرف ياوالدى أنى لم أهزم من قبل. ولو حاربت الأتراك فسأنتصر عليهم بإذن الله.
- إذن استعد للحرب.
تحركت الحملة من مصر فى نوفمبر 1831. تولى إبراهيم القيادة العامة، وكانت معه هيئة أركان حرب رفيعة المستوى، بعض رجالها فرنسيون، كانوا ضباطاً فى جيش نابليون، ولما هزم نابليون تم تسريحهم، فاستدعاهم محمد على إلى مصر، واستخدمهم لتأسيس جيش عصرى، يماثل الجيوش الأوروبية، ويتفوق تماماً على الجيش التركي.
> هزيمة الأتراك الأولي
صاح السلطان محمود الثانى غاضباً فى وجه خسرو باشا سر عسكر الجيش التركي: ماالذى يحدث فى الشام ياباشا؟ بلغنى أن الجيش المصرى فتح يافا وحيفا وصيدا وصور وبيروت دون قتال، وإنه يحاصر عكا ليستولى عليها. أين قواتك؟
طأطأ خسرو رأسه. قال بخزى: المشكلة يامولاى أن جنود الحاميات التركية فى هذه البلاد فروا أمام المصريين، وأن الشوام فتحوا صدورهم للمصريين دون قتال. وانضم الأمير بشير الشهابى وأولاده وأتباعه للجيش المصرى، فلم يعد الجيش جيشاً مصرياً فقط، بل بدا فى عيون الشوام جيشاً عربياً يسعى لتحرير البلاد، وتأسيس المملكة العربية المستقلة.
كظم السلطان التركى غيظه، قال لخسرو باشا: لن نبكى على اللبن المسكوب. أريد قائداً عسكرياً بارعاً، يقود جيشاً عثمانياً على وجه السرعة، ليواجه المصريين. من ترشح لهذه المهمة؟
- أرشح عثمان بك اللبيب
- عظيم، وكى نعطى دافعاً قوياً لهذا القائد فسأعينه والياً على طرابلس حتى يجتهد لتحريرها.
تحرك الوالى الجديد للاستيلاء على طرابلس. كان يعلم أن إبراهيم باشا مشغول بفتح عكا، لكن الحامية المصرية الموجودة فى طرابلس تمكنت من هزيمة عثمان بك وجيشه. وحين سمع إبراهيم باشا بقدوم الأتراك قال لسليمان الفرنساوى، رئيس أركانه: سنترك قوة مناسبة هنا لحصار عكا ونتوجه ببقية القوات لمواجهة الجيش العثماني. أعد الجيش فوراً.
> إبادة الجيش التركى
سأل عثمان بك مساعده الذى جاء يبلغه بخبر اقتراب إبراهيم باشا: هل أنت متأكد أنه هو نفسه الذى يقود الجيش؟
- جواسيسنا رأوه بأعينهم
- لنسرع إذن بالفرار. أنت لاتعرف إبراهيم باشا. إنه قائد لايهزم. قادتنا العظام، ومنهم خسرو باشا، حاربوا تحت قيادته فى اليونان ويعرفون أنه لم يخسر معركة واحدة.
دون دخول فى تفاصيل كثيرة، التقى الجمعان فى النهاية فى مكان يسمى «سهل الزراعة»، وكانت النتيجة إبادة الجيش التركي.
> الباشوات يتقدمون
أعلن الحاجب الواقف على باب السلطان محمود، قدوم حسين باشا، أحد ألمع القادة الأتراك. سمح له السلطان بالدخول. وقف الرجل زنهاراً أمامه. قال له السلطان: لقد اخترتك من بين رجالى لأنى أعرف قدراتك العسكرية. وسأكلفك بمهمة صعبة، فهل ستقدر عليها؟
ابتسم حسين باشا، فهو قاهر الإنكشارية الشهير، والإنكشارية كانوا عماد الجيش التركي، لكنهم اغتروا بقوتهم، وصاروا يفرضون رأيهم بالقوة على السلاطين، وأحياناً كانوا يخلعون السلطان ويولون غيره. وقد دبر لهم حسين باشا مذبحة تشبه مذبحة القلعة، لكى يعيد النظام والأمن للبلاد. وأكسبته هذه المذبحة قوة وثقة بالنفس لاحدود لهما. لهذا لم يتردد فى إجابة السلطان. قال له بكلمات قاطعة: أنا أهل للمهام الصعبة يامولاى.
- استعد إذن لمواجهة إبراهيم باشا.
- أنت تأمر يامولانا ونحن نطيع.
واستعد حسين باشا. واستعان بثمانية باشوات من القادة العارفين بالمنطقة، وأرسلهم إلى حمص كمقدمة له، واستقر هو فى بيلان.
> معركة حمص
راح سليمان بك يعرض الموقف العام بتفاصيله على إبراهيم باشا على مشارف حمص. قال له: الأتراك لم يرسلوا قائداً واحداً لمواجهتنا يامولاى، بل أرسلوا ثمانية باشوات ليقود كل منهم قوة فى مواجهتنا.
قال إبراهيم باشا: تعدد الآراء يؤدى للفشل. أكمل.
شرح سليمان بك الموقف. وبعد أن عرف إبراهيم باشا الموقف أمر بجمع القادة. شرح لهم خطته للحرب، والتقى الجيشان، وأوقع المصريون بالباشوات الثمانية هزيمة مرة. قتلوا منهم 2500 جندي، وأسروا 2000 جندى، فاضطر الباقون للفرار نحو حماة. وأصدر إبراهيم باشا أمره الحاسم : سنواصل مطاردتهم.
ولما علم الأتراك بأن إبراهيم باشا خلفهم تركوا المدافع وكل مايثقل حركتهم وواصلوا الفرار بأقصى سرعة نحو حلب.
وأصدر إبراهيم باشا أمره: ليأخذ الجيش المصرى المدافع، ولتستدعوا الفنيين لإصلاحها. وواصل تقدمه نحو حلب، ومرة أخرى فر الباشوات أمامه نحو بيلان.
بيلان منطقة جبلية وعرة، وهناك ممر ضيق بين جبلين يعوق الحركة، ولأن حسين باشا كان موجوداً منذ وقت مبكر فقد رتب قواته بحيث يسيطر على المنطقة. رأى إبراهيم باشا الوضع فقال لسليمان: الأتراك حصنوا أنفسهم جيداً، ولو حاربناهم بالمواجهة فسنهزم بالتأكيد.
- ماذا ترى إذن؟- هذه المعركة لن تكون معركة تقليدية. سنقوم بحركة التفاف وتطويق، وسنفاجيء الأتراك من الخلف، لنتمكن من هزيمتهم. وهُزم حسين باشا كما هزم كل من سبقوه من القادة، ولم يعثر له أحد على أثر.
> الصدر الأعظم يقع أسيراً
سنقفز فوق الأحداث مرة أخرى لأن التفاصيل كثيرة، وقد ذكرتها فى كتاب كامل بعنوان «إبراهيم باشا أبو العسكرية المصرية» تفضلت مؤسسة أخبار اليوم بنشره... لنصل مباشرة لواحدة من أهم المعارك التى خاضها إبراهيم باشا ضد الأتراك.
كان الأتراك يسمون رئيس الوزراء الصدر الأعظم، وبعد توالى الهزائم رأى السلطان أن يعد جيشاً جراراً بقيادة الصدر الأعظم نفسه لوقف زحف المصريين. خصوصاً أن المعارك بعد مضيق بيلان صارت فوق أراضى تركيا، وأن إبراهيم باشا استولى على أطنة التركية فى يوليو 1832، وتقدم إلى قونية، ففر الجيش التركى منها قبل وصوله. وهاهو إبراهيم باشا فى قونية ومعه رئيس أركانه سليمان الفرنساوى. قال إبراهيم لسليمان:
- من حسن الحظ أننا وصلنا قبلهم. هذا سيعطينا فرصة لتدريب القوات على القتال على هذه الأرض.
لم يكن رشيد باشا غريباً عن إبراهيم، فقد اشترك معه فى حرب المورة باليونان، لذلك توقع إبراهيم طريقته فى القتال واستعد للقائه. يوم المعركة كان يوماً كثيف الضباب، وبدأ رشيد باشا بالضرب بالمدفعية، وتمكن المصريون من رصد مواقع المدفعية، وتمكنوا من إسكاتها. وبعد أن خف الضباب قليلاً لاحظ إبراهيم أن ميسرة الجيش التركى شبه معزولة عن بقية القوات، وجاء قراره حاسماً:
- سأقودالهجوم على الميسرة بنفسي.
قال له الجنرال سليمان: مستحيل ياباشا. لنرسل أى قائد ليقوم بهذه المهمة، - لن يقوم بها غيرى
وقاد إبراهيم المعركة، وانتصر، مما حطم معنويات الأتراك.
قال رشيد باشا لمساعديه: إبراهيم باشا ليس أفضل مني. إنه يقود المعركة بنفسه ليرفع معنويات جنوده. سأنزل بنفسى للمرور على الجنود ورفع معنوياتهم.
قال أحدهم: الأمر خطير يامولانا الصدر الأعظم. الضباب كثيف، والرؤية صعبة. لاداعى لنزولك
- بل سأنزل لجنودى.
ونزل إلى ميدان القتال، لكنه ضل الطريق بسبب الضباب، فوقع أسيراً لدى المصريين. ولم تمض سوى ساعات محدودة على بدء القتال حتى ولى الجيش التركى الأدبار.
أمر محمد على ولده بالتوقف عند قونية، حتى لاتتألب أوروبا ضده. وتوقف إبراهيم باشا مضطراً. وظلت الأمور على ماهى عليه لمدة خمس سنوات. فى هذه الإثناء استدعى السلطان محمود ألمع قادته، محمد حافظ باشا، عينه قائداً لجيش جديد، واستعان بضباط من ألمانيا لتدريب الجنود، والاشتراك فى القيادة. قال سليمان لإبراهيم: - حافظ باشا يتحرش بقواتنا.
قال إبراهيم بأسف: لن نرد عليه. تعليمات الوالد حاسمة بعدم التقدم، - لكن التحرش فاق الحد
- سأكتب لوالدى مرة أخرى أطلب منه الإذن بالرد
وكتب لوالده، وأصدر محمد على أمره أخيراً بتدمير الجيش التركي. إختار حافظ باشا أرض المعركة بنفسه فى نصيبين، وحفر الخنادق وأقام الاستحكامات. واستدعى إبراهيم رئيس أركانه. قال له: أريد تدبير معركة صورية بحيث نتمكن من استطلاع موقف الجيش التركى عن قرب.
- لاداعى للمخاطرة ياباشا، - احياناً تكون المخاطرة مطلوبة
واستطلع إبراهيم باشا ورئيس أركان حربه قوات العدو، ورأيا الاستحكامات الجبارة التى أقامها الضباط الألمان، حينئذ قال الباشا: - سنكرر هنا مافعلناه فى بيلان، سنقوم بالالتفاف حول الجيش التركي، ونفاجئه من الخلف. وفى 24 يونيو 1839 اشتعلت الحرب بين الطرفين، وانتهت بتدمير الجيش التركي. وفى أول يوليو 1839 مات السلطان محمود قبل أن يعرف بهزيمة جيشه، وقام قائد الأسطول التركى بتسليم نفسه لمحمد على فى الإسكندرية، وصار الطريق مفتوحاً أمام إبراهيم باشا نحو استانبول، هل نسى الأتراك هذا التاريخ؟