رغم سرية «التحنيط في مصر القديمة » فقد كشف العلماء أسراره

التحنيط في مصر القديمة
التحنيط في مصر القديمة

 «التحنيط في مصر القديمة » دراسة أثرية للباحث خالد ناصر عبد الهادى باحث ماجستير كلية الآثار جامعة المنوفية تكشف عن ما توصل إليه العلماء عن آثار التحنيط.

ويشير الباحث خالد ناصر عبد الهادى إلى أن الديانة المصرية القديمة ارتبطت بعقيدة البعث والخلود بإيمانهم أن الموت هو باب للعبور إلى عالم الحياة الدائمة وكانوا مولعين بها فلقد أسموها حياة الجنة الأبدية وأسمى ما يتوقون إليه هو الذهاب إلى العالم السفلي مما جعل المصريين يبحثون عن طريقة لسر الخلود فقاموا باختراع فن التحنيط ، فكلمة التحنيط حولها علامات استفهام وملامح غموض عندما تذكر بين الناس .

ويلقى خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بمناطق آثار جنوب سيناء بوزارة السياحة والآثار الضوء على هذه الدراسة موضحًا أن التحنيط هو أحد الأسرار الذي اختص به فئة من المصريون القدماء، وحاولوا حفظ هذا السر ومحاولة عدم اطلاع أي إنسان من الدول المجاورة عليه لكن السر لم يستمر حتى النهاية إذا تمكن الباحثون من التعرف على هذه الأسرار عن طريق سجلات الكتاب والمؤرخون الكلاسيكيون الذين زاروا مصر والمعلومات التي قدمها العلم الحديث من خلال الاطلاع على المومياوات وتحليلها وما عثر عليه في القبور من أدوات وعقاقير تستخدم في التحنيط، رغم تقدم فن التحنيط إلا أن طرق التحنيط الجيدة من الدرجة الأولى والثانية بقيت حكرًا على الملوك والأمراء والأغنياء من الناس، أما المصريين العاديين فلم تحنط جثثهم بهذه الطرق بسبب تكاليفها الباهظة فلجأ المصريون الى اختراع طريقة ثالثة للتحنيط رخيصة الثمن .

ويتابع الدكتور ريحان من خلال الدراسة بأن التحنيط في الدولة القديمة كان يتم عن طريق تفريغ البطن ثم ملأه بالتوابل والراتينج ثم يلف الجسد بالكتان وفي الدولة الوسطى كانت طريقة التحنيط باهظة الثمن باستخدام الصموغ ذات الرائحة والتوابل والراتينج وبإزالة المخ والأعضاء الداخلية ثم ينقع في مادة النطرون لمدة 70 يومًا، وحاولوا حفظ الجسد بدون فتحة عن طريق حقن الجثة بزيت خشب الأرز ومادة التربنتين .

ويشير الدكتور ريحان إلى أن التوابيت والنعوش كانت أحد الطرق للحفاظ على الجثة من خلال وضعها داخل وعاء من خشب أو قش مجدول وهو يسمى بالتابوت، ففي الأسرة الثالثة كان عبارة عن صناديق مستطيلة من الحجر الجيري الأبيض، وكانت تخلوا من الزخارف، أما في عصر الدولة القديمة فلقد اقتصرت على تسجيل اسم صاحب الجثة وألقابه على التابوت وفي الدولة الحديثة تغيرت مواضع الزخارف فقط .

ويقوم المحنطون بغسل المتوفي وتنظيفه من الأوساخ بوضعه في حوض الغسل، وتعتمد في هذه المرحلة على مناظر مقبرة (جحوتي حتب) بالبرشا (القرن 20 ق.م) والهدف من الغسل بالماء وملح النطرون أي أنه يساعد على البعث والولادة يليها نزع المخ والأحشاء بامتصاص الماء في جسم المتوفي ونزع الأحشاء على حده ليجففها، وقد نزع المخ ثم أعضاء البطن والصدر, وكانت بمثابة أولي خطوات التحنيط التي كان يتبعها المصري القديم قبل الغسل والتطهير وكانت طريقة نزع المخ تتم من خلال العظمة المصفوية أو من فتحة خلف العنق حيث يستخدم المحنط آلة نحاسية طويلة ويحسرها داخل جمجمة المتوفي ويحرك الطرف الآخر الموجود خارج الجسد ويقوم بقطعه قطع صغيرة ليخرجها من فتحتي الأنف والفم وعند الانتهاء من تفريغ الجمجمة من النسيج يقوم بوضع سائل مستخرج من أشجار الصنوبر من خلال ادخاله عن طريق الأنف.

وعن استخراج الأحشاء يشير الدكتور ريحان طبقًا للدراسة بأنها كانت تتم بإخراج القلب والرئتين والمعدة والأمعاء والكبد والكليتين عن طريق شق فتحة في الجانب الأيسر من البطن، ويضع هذه الأعضاء في ملح النطرون ويدهنها بزيت الأرز ويلفها بالكتان ويضعها في الآنية الكانوبية، ثم يقوم بإرجاع القلب والكليتين في جسد المتوفي لأن القلب له دور في العالم الآخر كوضع النبات.

ثم تأتى مرحلة وضع مواد الحشو وكانت تقوم هذه المرحلة بالدور الذي قصد اليه المحنط في حال اكتمال 70 يومًا وكانت مواد الحشو المؤقتة عبارة عن المواد توضع في جسد الميت ولا تنزع منه لأنها تقتل البكتيريا ولكن تنزع من الجسد بعد عملية التجفيف .

وهي ثلاثة أنواع من لفافات الكتان وهي لفافات بها ملح النطرون لتمتص المياه، ولفافات كتان تمتص السوائل المتبقية ( لفافات كتان تضم مواد عطرية ) وايضا مواد الحشو الدائمة وهي مواد حشو تبقى للأبد ومنها ملح النطرون، نشارة الخشب، المر والقرفة، لفافات كتانية

( مغموسة بالراتنج الصمغي ،البصل ).

ويوجد مواد حشو تحت الجلد وهي توضع تحت جلد الميت تعطي الجسد ملامحه عندما كان حيًا لتستطيع الروح التعرف عليه، توضع في الطبقة الوسطى من البشرة هي الآدمة ومن هذه المواد: الطين ،الكتان، الرمال، نشارة الخشب، زبدة وصودا هذه المواد توضع من خلال فتحات في الذراعين والساقيين والظهر.

وينوه الدكتور ريحان إلى مرحلة التجفيف حيث يلقي المحنط كميات كبيرة من ملح النطرون على جسد الميت لمد 40 يومًا لتخليص الجسم من وزن الجسد وهو الماء، وتخليصه أيضا من الأطعمة التي تناولها المتوفي وملح النطرون يتكون من كربونات وبيكربونات وكلوريد وسلفات الصوديوم لذلك كان يلعب دور مهم في عملية التجفيف، وفي هذه المرحلة كان المتوفي يوضع على سرير حجري مائل وفي أعلى سطح السرير توجد قناة تتجمع فيها المياه من الجسد ثم تتجمع في حوض أسفل السرير، بعد انتهاء مدة التجفيف يقوم المحنط بإزالة ملح النطرون واستخراج مواد الحشو المؤقتة .

ثم تاتى مرحلة صب الزيوت والدهون و تعالج هذه الخطوة التغيرات الجسدية بعد التجفيف مثل لون الجسد واحتراق أنسجة الجلد وانكماش الدهون أسفل الجلد ، ويقوم المحنط بصب سائل أبيض مغلي وهو الراتنج على جسد الميت ، والمواد المستخدمة في هذه الخطوة الراتنج ،زيت الأرز، دهان مرحت ،شمع النحل ،زيت التربيتين، ولقد استغرق المحنط عشرة أيام للقيام بدهن الميت ولفه بالكتان والملابس، وبعد انتهاء المحنط من صب الزيوت يقوم بغلق فتحات الجسد مثل العيان ،الاذنين ،فتحتا الأنف والفم بالضغط على العينين لتسقط ويضع فوقها قشرة بصل لمنع البكتريا ،ويسد فتحتي الأذن والأنف بأقراص الراتنج ، ويعالج الفم بملئه بالكتان ثم يلصق الشفتين بشمع النحل ، أما فتحة التحنيط تخوف المحنط من دخول الأرواح الشريرة فكان يلصق على الفتحة تميمة العين الحامية (عين حورس) أما شفتا الفتحة قام بتخييطها بأوتار الكتان وإلصاقهما بشمع النحل .

ويشير الدكتور ريحان لآخر مراحل التحنيط وهى التكفين بعد وضع صبغ الوجه ووضع الباروكات والصنادل والحلي يقوم الكاهن (سشمو) بعد ذلك بلف الجسد أسبوعين بالكفن ويصاحب كل لفة قراءته تعويذة وتهدف هذه المرحلة إلى توفير حماية إضافية للجسد لمنع التحلل ، يلون الكفن باللون الأحمر وتنتهي خطوات التحنيط بوضع القناع على وجه المتوفي ومن ثم يقوم المشرف على قراءة التعاويذ من كتاب الموتى ودفن الجسد المحنط.

ويوضح أن الدراسة حددت أيضا أنواع المواد والعقاقير التى كانت تستعمل فى عملية التحنيط وهى النطرون مادة تتكون من بيكربونات وكربونات الصوديوم وهي توجد في وادي النطرون وعندما يتبخر البحيرات تتكون طبقة بيضاء من الملح وهي النطرون ،استخدمتها الأسرة الرابعة لتجفيف الجثث والقار هي مادة توضع في جوف جسم الإنسان المحنط لحفظه من التحلل وجدت بعد الأسرة الحادية والعشرين والمواد الراتنجية هي من المواد الأساسية في التحنيط وهي عبارة عن زيت ثقيل مأخوذ من عصارة جذع النباتات ومن أنواعه الصمغ والمر وشمع النحل استخدمت هذه المادة في عملية التحنيط لقفل العينيين والأنف والفم ولصق الجرح وكمادة أشبه ( بالعازلة ) و خيار شنبرد (الكاسيا) والقرفة وهي قشور مجففة من أشجار في الهند والصين وهي عبارة عن بهارات تستخدم كمواد مجففة والنباتات مثل استخدام البصل للحفاظ على الجثة من العفن والتمر لتجفيف جوف الجثة واستخدام أنواع الأزهار لتعطير الجثة ومن المواد النباتية هي نشارة الخشب والكتن لحشو جوف الجسم ونبات الحناء لتجميل الجثة والعقاقير ذات الروائح الزكية تستخدم كمواد معطرة ومنها زيت الزيتون واللبان وصمغ الراتنج (كالمر) وكان الملح (كلوريد الصوديوم) يستخدم كبديل عن النطرون .

كما قدمت الدراسة معلومات عن دور المحنطين وألقابهم غير دقيقة بسبب سر هذه المهنة ،ولكن من خلال ما ذكره هيرودوت وديودود الصقلي وما عثر من آثار كتابية تبين أن فئة خاصة من الكهنة كانت تقوم بعمية التحنيط من خلال تعلم وتورثت هذه المهنة من الآباء والأجداد ، وكان للمحنطين رئيس يشرف عليهم وهو الذي يحدد تكلفة تحنيط الجثة ، وكان المحنطون يتقاسمون الاختصاصات في عملية التحنيط وكانوا يلبسون قناع على هيئة رأس ابن أوى .

مكان العمل :- تتم عملية التحنيط في معبد خاص وهو معبد التحنيط الذي يوجد فيه الأدوات اللازمة للتحنيط والآلات الحادة وأنواع الزخارف وغيرها.

ويقسم هذا المعبد إلى ثلاثة أقسام وهي :

القسم الأول : هو مكان يسمح للأقارب المتوفي بالدخول فيه للاتفاق مع رئيس المحنطين .

القسم الثاني : هو مكان خاص بالمحنطين فقط .

القسم الثالث : هو مكان لتسليم الجثة المحنطة إلى ذويها.

 


 

ترشيحاتنا