​​​​​​​إحداثيات خريطة يوليو.. توفير رغيف الخبز كان أخطر من مواجهة القوى العظمى 

 قرار  ٣ يوليو جسر عبرت عليه الأمة المصرية إلى المستقبل والدولة الحديثة
قرار ٣ يوليو جسر عبرت عليه الأمة المصرية إلى المستقبل والدولة الحديثة

إيهاب فتحي

بكل المقايسس السياسية والاستراتيجية كان قرار الثالث من يوليو 2013 واحدا من أخطر قرارات الأمة المصرية فى تاريخها الحديث والذى اتخذه بجسارة المواطن القائد عبدالفتاح السيسى فى هذا المساء الصيفى الحار من قلب القاهرة.


تأتى خطورة وأهمية هذا القرار المصيرى لأنه ينتمى إلى نوعية القرارات الفارقة فى تاريخ الأمم فالكلمات التى يحتويها مضمون القرار تعنى أن الوضع القادم سيختلف تماما عما سبقه، وأن تأثيرات وتداعيات الوضع الجديد على المستوى الداخلى والإقليمى والدولى تحمل الكثير من التحديات والصعاب لمتخذ القرار وللأمة التى ساندته. 


تمتلك الأمة ومتخذ القرار الحق فى تغيير الوضع القائم لأن هذا التغيير لم يعد ترفا أو بحثا عن شعبية لمتخذ القرار، أو أن الأمة تريد التغيير من أجل التغيير.. فالقرار هنا أصبح حياة وإذ لم تحسم الأمة أمرها فى هذه الساعات الفاصلة من تاريخها فقدت وجودها والتهمها الفناء. 


يعنى إصدار القرار وتغير الوضع القائم بالنسبة للأمة تحقيق الانتصار لكن فى نفس الوقت فهوالهزيمة المؤلمة للقوى المعادية للأمة على المستوى الداخلى والإقليمى والدولى التى تريد أن يظل الوضع كما هو حتى تستفيد من حالة الوهن والضعف التى تسببها رداءة الواقع. 


بين انتصار الأمة وهزيمة الأعداء تتكشف التحديات والصعاب وتشتعل معارك الوجود.. أمام حقيقة هذا الكشف تقاس خطورة قرار 3يوليو على عدد من المستويات.. لم يكن قرار يوليو فى مواجهة جماعة فاشية سطت على السلطة فى لحظة فوضى.. بل كان إعلان حرب على التنظيم الأكبر فى هذا العالم.. تنظيم صنعته الإمبراطورية الإنجليزية من أجل أغراض يطول شرحها، وفى لحظة أفولها سلمته إلى الإمبراطورية الأمريكية لترعاه ويستمر فى تحقيق أغراض تأسيسه. 


تعمل على خدمة التنظيم كوادر تترواح درجاتها من رؤساء الدول والأمراء إلى آلاف التابعين من القتلة والإرهابيين، تدير قيادته العلنية والسرية مؤسسات اقتصادية ومالية تدر عليه مليارات الدولارات، يمتد الذراع الإعلامى للتنظيم دون عوائق ويلقى الدعم والحماية ليمارس أبشع أنواع الدعاية السوداء ضد من يقف فى طريق تحقيق مخططاته الشريرة. منحت أجهزة الأمبراطورية الأفلة والبازغة التنظيم الإخوانى كل أسباب القوة السوداء ولم يكتفوا بل وفروا له غطاء بإسم الدين حتى يتخفى وراءه ويسهل عليه الانتشار بشكل سرطانى خبيث فى المجتمعات التى يتسلل إليها ثم يستولى عليها.


هذا مستوى من مستويات خطورة قرار يوليو.. لكن ترتفع درجة الخطر عندما تصبح الصورة أكثر وضوحا فهذا التنظيم السرطانى وتسلله إلى السلطة لم يحدث مصادفة.


رتبت قوى عظمى أوضاع المنطقة ولا نبالغ إن قلنا العالم على أساس استخدام التنظيم الذى صنعته من أجل تنفيذ هذا الترتيب، وبذلت هذه القوى الجهد وأنفقت الكثير من الوقت والمال لتكن الجائزة الكبرى إحكام سيطرتها على دوائر النفوذ فى العالم من داخل القاهرة لتتغير حسابات المعادلة الدولية إلى صالحها فى مواجهة قوة عظمى أخرى صاعدة تطل بتحفز من الشرق وتريد إثبات وجودها. 


كانت تلك الإحداثيات الخارجية الخطرة لقرار يوليو.. لكن مستويات الخطر لا تتراجع.. بل تزيد عند تدقيق إحداثيات الداخل فالتنظيم الفاشى الإخوانى لم يكن وليد لحظة فوضى أو قفز إلى المشهد فجأة فالتنظيم يرجع تاريخ تأسيسه على يد صانعيه إلى مايقترب من قرن واستطاع بإسم الدين.. والدين منه براء.. وبالمال الذى ينهمر عليه تغييب الكثير من العقول وجعلها مسلوبة الإرادة لتنفذ أغراضه الشريرة ضد الوطن الذى يعيش على أرضه هؤلاء المغيبين.


كل هذه الأخطار كانت أمام متخذ قرار يوليو وهو يطلع على خريطة الأوضاع الداخلية والخارجية ويدقق فى إحداثيات لحظة التنفيذ وبالتأكيد وضعها فى ميزان حساباته.. لكن متخذ القرار رأى فى هذه الأخطار رغم جسامتها أنها مرحلة الجهاد الأصغر من يوليو وهو يمتلك القدرة على مواجهتها والانتصار عليها لأن هناك رجالا فى مصر من قواتها المسلحة وشرطتها عاهدوا الله والأمة على هذا الانتصار.


لم ير متخذ القرار فى يوليو لحظة اشتباك ستنتهى بمجرد إعلان القرار وتحقيق نصرعلى أعداء الداخل والخارج بل هى لحظة إقرار بالمسئولية أمام هذه الأمة لتنفيذ مطالبها من بناء الدولة الحديثة وتحقيق حياة كريمة لها. 


أدرك القائد وقتها أن الجهاد الأكبر فى يوليو هو صناعة المستقبل والعلامة الكاملة للنصر تتحقق عندما يصل رغيف الخبز بيسر وكرامة إلى هذه الملايين المحتشدة وراءه.. انتقال آلاف الأسرمن العشوائية إلى مسكن أدمى.. إنهاء الفوضى ومكافحة الفساد وتحقيق إصلاح اقتصادى حقيقى.. يجد المواطن المصرى منظومة صحية تليق به ولا ينتظر مريض سنين ليجرى عملية جراحية تتوقف عليها حياته، ينتهى عار إصابة ملايين المصريين بفيروس الكبد.. تتوفر آلاف المساكن لمن يحتاجها.. يشعر ذوو الهمم بأنهم فى دولة تراهم وتقدرهم وتحميهم.. تقدم للمصريين حزمة من الخدمات الاجتماعية تحفظهم من العوز.. يتمسك المصرى بهويته ويتعزز انتماؤه لوطنه عندما يجد دولته تذهب وراءه إلى آخر العالم من أجل استعادة حقه وحمايته. 


انتصر قرار يوليو بصناعة هذا المستقبل وتحققت العلامة الكاملة للنصر عندما أصبحت الدولة المصرية دولة رعاية ورحمة. 


نرى أثر قرار يوليو وماحققه من انتصار عندما واجه العالم ومصر هذه الجائحة الوبائية فالدولة الحديثة التى صدر قرار تأسيسها فى هذا المساء من يوليو قبل سبع سنوات هى التى وفرت للمصريين كل أنواع الدواء التى ظهرت فى العالم لعلاج آثار هذا الفيروس، ولم تكتف بالتوفير بل تصنعه فى مصانعها.. هى من شيدت قواتها المسلحة واحدة من أكبر مستشفيات العزل فى أيام تحسبا لأى تداعيات.. وقف اقتصادها ثابتا يواجه أزمة عاصفة تأثرت بها اقتصاديات دول كبرى، وأمتدت مظلة هذا الاقتصاد الذى أصلحناه تظلل البسطاء وتمنحهم ما يعنيهم فى مواجهة الأزمة. 


عندما نرى كل ماتحقق لهذه الدولة وما اجتازته من تحديات ندرك أن القائد الذى أعلن هذا القرار المصيرى كان يعلم جيدا أن 3 يوليو لم يكن قرارا لمواجهة أخطار محيطة بالأمة وينتهى بزوال هذه الأخطار بل كان يوليو ومازال هو الجسر الذى نعبرعليه إلى الدولة الحديثة والمستقبل.

 


 

ترشيحاتنا