[x]

يوميات الأخبار

أعيدوا الأوقاف للأزهر

 د. محمد أبو الفضل بدران
د. محمد أبو الفضل بدران

 

كنت أتخيل أنها بقايا آنية فخارية تكسّرت فى التنقيب رغما عن الحافرين بالمعاول والفئوس لكنى فوجئت أن هذه تكسّرت على يد مُكتشفيها.

بالعقل، ما علاقة الأوقاف بالدعوة؟ من يودّ أن يُوقِف شيئا لله فالأزهر أولى به، جامعة الأزهر تخرج آلاف الخريجين كل عام ويعملون بمساجد الدولة فلماذا ينفصل الخريج عن أزهره ليلتحق بوزارة أخرى تعنى بالدعوة ولا علاقة لها بالدعوة وأما إدارة الوقف ماليا فتُنشأ لها إدارة تابعة للأزهر من المحاسبين والمهندسين تدير شئون الوقف إنشاءً وإيراداً ومصروفات وبهذا نعيد الأمر إلى أهله، فالأزهر هو المنوط به الدعوة والتعليم والإرشاد، والناس تتبرع وقفا لله، حبا فى الدعوة وطمعا فى الجنة والثواب من الله. فحبذا لو أعدنا ذلك للأزهر وألغينا وزارة الأوقاف وجعلنا مصروفات هذه الوزارة ومخصصاتها المالية للصرف على التعليم والصحة والدعوة.​
إن ميزانية وزارة الأوقاف تتعدى 250 مليار جنيه سنويا إذا أُلغيت كفيلة بإنشاء مستشفيات ومدارس وزيادة رواتب الأئمة والوعاظ، وسيقبل الناس على التبرع والوقف الذى كاد أن يتوقف بعدما كان الوقف فى كل مدينة وقرية بل فى داخل مصر وخارجها.. ​
ليست المسألة انتصار الأزهر على الأوقاف أو العكس إنما الأمر حُسن إدارة شئون الوقف ماليا وحُسن الدعوة ووسطيتها بالأزهر، من ناحية أخرى كم واحدا أوقف أرضا أو مالاً لوزارة الأوقاف فى العشرين سنة الأخيرة؟ سنجد أن عددهم قليل قياسا بالأبعديات والقصور والأموال والحلى التى كانت توقف فى الماضى؛ ألم يسأل أحد منا لماذا تقلصت هذه الأوقاف؟ ربما نجد من يتبرع ببناء مسجد أو مدرسة ولكن لم نجد من يتبرع بمال للوقف أو المِنح الدراسية إلا من القليل أقلا. أعيدوا الثقة للناس فيمن يتولى الوقف وسوف تجدون الوقف يزداد أضعافا. ما علاقة الوقف بتعيين الدعاة والوعاظ؟ ما علاقته بدروس الأسبوع الدينية؟. وينبغى ألا يضار موظف حالى بالأوقاف فهم من العاملين عليها وإنما تئول إدارتهم إلى إدارة الوقف الخيرى التابعة للأزهر الشريف. فما رأيكم؟​
أَنْسَنة العلوم ​
حسنا قررت لجنة كليات الآداب التى يرأسها أ. د. صلاح فضل تغيير لوائح كليات الآداب التى لم تتغير منذ سنوات بل إن بعض الكليات لم تتغير لوائحها منذ إنشائها، وكَم تطورت علوم ولاسيما فى نظريات النقد الأدبى والعلوم الإنسانية عامة لذا جاء التغيير واجبا تأخّر كثيرا، وقد اطلعت على اللائحة الاسترشادية فوجدت أنها تسير على نظام الساعات المعتمدة وهى بعثٌ لنظام شيخ العمود فى الأزهر الشريف حيث كان كل شيخ يتخذ أحد الأعمدة سندا لظهره ويجلس ويتحلّق حوله طلابه الذين اختاروه أستاذا وليس مفروضا عليهم، وكان الطالب يتنقل من عالِمٍ لعالم يراه جديرا بالتتلمذ على يديه؛ وفى الشهادة أو «العالمية» التى يحصل عليها ينصّ أنه درس علم الفقه على يد الشيخ فلان ودرس الحديث النبوى على يد فلان وهكذا، أخذت الجامعات الأوربية والأمريكية هذا النظام وطبقته فى جامعاتها واستوردناه منها دون أن نفطن أننا قد اخترعنا هذا النظام قبل قرون، كما تركت اللوائح الجديدة للطالب حرية اختيار بعض المواد خارج تخصصه ولاسيما المواد الأدبية والفنية حتى تتسع مداركه ولا يكون منغلقا على تخصصه، فلماذا لا يدرس موسيقى الشعر أو النحت أو الرسم أو المسرح وغير ذلك من الفنون التى كان أسلافنا ماهرين فيها، ومن يقرأ كتب شيوخ الأطباء كابن سينا وابن الهيثم وغيرهم يجد لهم مؤلفات واهتمامات بالأدب والثقافة والفنون، فلم يدخلوا كهف التخصص المظلم ويغلقوا أبواب عقولهم بل تبحروا فى العلوم وأخذوا من كل علم بطرف. وكم أتمنى من لجان قطاع العلوم التجريبية والعملية والطبية والهندسية أن تحذو حذو لجان قطاع الآداب وتفتح المجال لطلابها كى يدرسوا بجانب تخصصاتهم العلوم الإنسانية ولاسيما الأدب والمسرح والموسيقى والتاريخ والجغرافيا والفلسفة حتى يخرجوا من التخصص الدقيق إلى آفاق التخيّل حتى ينطلقوا فى اختراعاتهم واكتشافاتهم لأن المخترع لن يخترع شيئا لم يتخيله من قبل؛ فنَمّوا خيال علمائنا حتى نرى المخترعات والاكتشافات العلمية وحتى لا نرى التزمت والتشدد الفكرى، نَمّوا الجانب العلمى التطبيقى ولا تنسوا العلوم الإنسانية فهى غذاء الروح.​
إعدام الآثار​
عندما كنت صغيرا كنت أتساءل عن كثرة «الشقف» «القطع المكسّرة من الفخار» المتناثرة فى المناطق الأثرية، وكنت أتخيل أنها بقايا آنية فخارية تكسّرت فى التنقيب رغما عن الحافرين بالمعاول والفئوس لكنى فوجئت أن هذه تكسّرت على يد مُكتشفيها لماذا؟ لأنها كثيرة ولأنها مكررة... يا سلام... جرّة أو مكحلة أو قُلة فخارية كان يستخدمها أجدادنا قبل قرون لا فائدة أثرية لها فيعدمونها؟ ولا أدرى كيف تعارفوا على ذلك؟ ومَنْ سمح لهم بذلك؟ فهل للسيد وزير الآثار والسيد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن يفيدونا إن كان هذا الإعدام مستمرا.. ولماذا، وما قانونيته وإذا كان ذلك قد انتهى وتوقف فلماذا لا نهدى هذه القطع العريقة لمتاحف المحافظات والجامعات وللمدارس ولجامعى التحف التراثية على سبيل الاستعارة، أما أن نعدمها لعدم أهميتها فهذا عُرف غير قانونى فهل قنينة كان يشرب منها توت عنخ آمون أو مكحلة لنفرتيتى أو إيزيس لا فائدة لها؟ لقد توصل العلماء لعمر كوكب الأرض وتطور البشرية من خلال الحجر والفخار فكيف نحطمها؟؛ ربما ترونه عبئا على المخازن وعُرضة للكسر فامنحوه لمتاحف المدارس والجامعات فإنه عبق التاريخ.. أفيدونا ولكم الشكر. ​
روائع الأقوال فى مناقب الشيخ كمال​
​يعد الشيخ كمال حجزى الفقيه القفطى الذى رحل مؤخرا من أهم علماء الصعيد علما وعملا، فقد كان -رحمه الله تعالى- من أدباء العربية فصيحا فى لفظه، بليغا فى جُمله وقد كتب تلاميذه ومحبوه كتابا فى مناقبه أسموه «روائع الأقوال فى مناقب الشيخ كمال» أعده وقدمه الأديب القفطى نور على وجمع فيه ما نشرته بيومياتى عن الشيخ كمال حجزى بجانب كتابات الأساتذة إبراهيم مبارك خطاب ود.حسن الصغير ود.جمال محمد إسماعيل ود.إبراهيم الدسوقى ود.عبد الناصر أحمد خليل ونصر الدين حامد وعبد النعيم القويضى ومحمد عطية ومحمد كمال ود.أشرف حسن على وعبد الفتاح حامد وأحمد الجارد عمار ومحمد حسين أبو معين وأشرف محمد عثمان ومحمد حسن حجزى وعبد الرحيم قرشى والشيخ جاد أبوغاى ومحفوظ على محفوظ وسيد خضير وجمال صابر آدم وقد نُشر فيه حوار جميل مفيد أجراه معه عبد المبدى أبو الحمد ومحمود سلامة؛ وهذا الكتاب يقدم قدوة لأجيالنا من الشباب قدوة عالم وأستاذ أثر فى أجيال كثيرة متمنيا جمع تفسيره للقرآن الكريم وخطبه فى موقع يليق به وبعلمه فقد كان كما قال الشاعر سيد خضير. ​
وهو الذى رَبَّى الرجال بحاله​
ولعلمه كم ترتجيه رجالُ ​
وكما قال الشاعر جمال صابر: يا أيها الرجل العظيم تحية ​
فى عالَم... بدأت تخور رجالهُ​
وأما الشيخ جاد أبوغاى فقد رثى أستاذه قائلا:​
فى ذمة الله يا شيخ الدعاة ويا​
برّ النجاة ويا من كنت خير ولى​
شيخى كمال وأستاذى بأضلعنا ​
لا بالثرى صرتَ بل بالقلب والمقل​
ويقول الشاعر محفوظ على محفوظ:​
أفنيتَ عمرك عاِلما ومعلما​
فأزحت جهلا... ثم ضاء ظلامُ​
بينما أنشد الشاعر سعد جاد الرب:​
كم طالب نهل المعارف ظامئا​
ثم ارتوى أنهار علمك هاديه​
ولقد كان نجم المصالحات الثأرية فى الصعيد وكم فدى أرواحا كان من الممكن أن تُزهق فى الثأر، لذا قال الشاعر صلاح جودة:​
إن قيل صلحٌ كان أول مَن أتى​
فيقيم بعد الحقد جسر ودادِ​
بينما يرثيه الشاعر عبد الرحيم قرشى:​
إذا ركب المنابر فهو لسنٌ​
وإن خطبَ المحافل ذا المثالُ​
لقد كان كما قال الشاعر أحمد عبد العزيز مصطفى:​
شيخ جليل جميل الطبع والأدب ​
سليل بيت كريم العرق والنسب ​
فى النهايات تتجلى البدايات:​
من وحْى يومياتى عن «كورونا» كتب الصديق الشاعر السورى مصطفى النجار قصيدة أهداها إليَّ، فله كل الشكر والتقدير ​
«حوار صامت بين صديقين» ​
وجاءنى الخبر ​
صديقى المحفوظ فى الفؤاد/ صديقى المحجور: مات!؟ ​
فى زمن معقّدٍ ومُبهم الأثر​
لم أستطع من رؤية الصديق إلا مبعدا ​
مقيداً مغلفاً بالخوف، بصمته المريب ​
فى غرفةٍ مغلّقةْ/ ومشفِقة ​
وحوله المقنّعون البيض خائفون، من(فيروسه) الرهيب ​
الباذلون الروح للبعيد والقريب​
اُستذكر الآن: أنا فى وهدة الضمير ​
حديثَه الأخير ​
تقطُّعَ الكلامِ بمدية الوباء فى الظلامِ ​
بارتعادة الأثير ​
لا الصوت صوته، قد كان مثل وردة... فكيف صار؟​
فصوته فى الهاتف المحزون شبه نحلةٍ مرتبكة ​
مسكونةٌ بالنار/ كم كنتُ دونه أحارْ!​
أبكى بكاء الطفل ضائعاً فى زحمة النهار ​
حتى أتانى النعى مثل الصاعقة ​
مثل انهدام شاهقة ​
ومثل نخلةٍ تقصّفت بالأمس كانت سامقة​
فلا لقاء... لا وداع ​
فى زمنٍ مميّز بوخذه/ وغامض عن بعد​
لا أستطيع أن أودّعهْ ​
أن أُودع الجبين قبلة الوداع ​
هل أستطيع نفيه عن أضلعى/ ونفيه عن واقعى ​
لا أستطيع، لم أستطع تشييعه والسّير فى جنازته ​
لا أستطيع من نقْل شخصه من خانةِ الحياة​
لخانةِ الأموات ​
فكيف تُذهب الليالى المثقلات بالأسى من محْو ذكره وعطره ​
لا أستطيع ؟!​​