[x]

يوميات الأخبار

اسمه.. عادل إمام !

سمير الجمل
سمير الجمل

 

بقلم/ سمير الجمل

وعندما تقدم عملك الفنى ولا يصل إلى عموم الناس.. تجد أنك تمضى فى الطريق غير السليم.. فكيف تكون هناك أكلة جيدة ولا يستطعمها غالبية الناس.

كان يلعب الطاولة فى ليلة رمضانية قرب السحور.. ولمحته ونحن ننزل بعد مقابلة مع الفنان الكبير مصطفى حسين.. وكنت بصحبة المخرج الكبير أشرف فهمى عقب جلسة عمل بخصوص أفيش فيلم «ضربة جزاء» الذى لعب بطولته كمال الشناوى مع فيفى عبده ووحيد سيف.. استأذنت أشرف وكنا فى الطريق إلى سيارته أن أسلم على عادل.. وكان رد فعله غير مشجع وقال لى حرفا: يا سيدى اشبع بيه.. انا مفيش تعامل بينى وبينه! وكان الانطباع عنده بإنه «مغرور».. وذهبت إلى عادل وسلمت  وعدت إلى أشرف وانتهى الموقف عند هذا الحد ولكل انسان الحق فى أن يحب أو يكره كما يريد.. وبعد ٣ سنوات أو يزيد اتصل بى أشرف وطلب منى الحضور على وجه السرعة إلى شقته المفروشة فى الدقى بعد ظروف مادية انتاجية صحية صعبة تعرض لها..

ونزلت لمقابلته وأنا لا أعرف ماذا عنده؟ وبمجرد أن جلست والتقطت أنفاسى من المشوار سألنى:

- عارف مين كان عندى هنا فى نفس المقعد الذى تجلس عليه؟
ولم ينتظر أن أجيب بنعم أو لا.. حيث قال:
- «لقد عرف عادل أمام بمرضى.. والظروف التى تعرضت لها وجاء بدون سابق إنذار يقدم لى عرضا للعلاج على نفقته فى أى مكان بالعالم وأبدى استعداده أن يقدم لى يد العون بالطريقة التى أريدها وبالمبلغ الذى أحدده وشكرته.. وانصرف فى مفاجأة زلزلت كيانى حيث لم يسبق لى التعامل معه إلا من بعيد لبعيد»..

ولما ظهر هنيدى وعلاء ولى الدين وأطلقت عليهم «المضحكون الجدد».. كتب البعض بأن زمن عادل إمام انتهى.. وتحرك حماس أشرف مرة أخرى وطلبنى لكى يرد الجميل إلى «عدوله» بفيلم كوميدى أكتبه خصيصا له.. وأقام لى معسكرا بالاسكندرية لكى أتفرغ لسيناريو فيلم «أحبابنا يا عين» وشاءت الاقدار أن يرحل أشرف قبل أن يرى هذا العمل النور.

حكايات عشتها
اقتربت من عادل مرات.. ولكن أكثرها جرت من خلال رحلة إلى العراق ٢٠٠٣.. وجمعت خلالها عشرات القصص التى عرفتها - الدائرة المقربة وبعضها رأيته بنفسى وحضره معى الزملاء محمود موسى ومحمود سعد والأمير أباظة وحسن عبدالفتاح المصور الصحفى.. وبعد ١٧ سنة.. وبعد أن نشرت حكاياتى فى مسلسلات صحفية صدر كتابى الذى كان عنوانه «اسمه عادل إمام».. وقد أدهشنى أن أجد أغنية تحتفل بعيد ميلاده الأخير وتأخذ اسم الكتاب عنوانا للاغنية وفكرتها.. بدون الاشارة إلى صاحب العنوان ولا استغرب ذلك حيث أصبحت الأعمال نهيبة تمتد إليها يد كل من يريد بكل بساطة وكأنها بلا صاحب.. ولا أظن انى ابتعدت عن «عدوله» وحكاياته.. فهو ينتمى إلى مدرسة استطاعت أن تصنع مجدها من تحت الصفر بدون أن يتغير أو يتلون أو يعلن عن نفسه أنه «نمبر وان» مع انه رغما عن أنف الكل هو الألفة لأكثر من ٥٠ سنة فى ظاهرة لم تحدث من قبل فى تاريخ الفن.. لا المصرى أو العربى أو حتى العالمى.

ويكفى أنه حول الممثل الكوميدى من مجرد مضحكاتى الى فنان يكرمه الملوك والرؤساء على أعلى مستوى.. وتحتضنه الجماهير فى كل مكان.. حتى لو كانت فى زيارة لأضرحة الاولياء وقد حدث هذا فعلا فى بغداد.. فقد كنا نخرج أنا ومحمود سعد الى بابل وكربلاء.. ونعود لكى نحكى لعادل ما جرى.. ويحسدنا لأن الحراسة حوله تمنعه من الحركة فقد خصصوا له ولفرقته ونحن معهم صالة نأجل ونجلس فيها.. وقرر أن ينزل إلى الشارع وأن يتفرج على بغداد.. ووافق طقم الحراسة على مضض.. وخرجنا وقت الظهيرة ووجدنا  الشوارع خالية لانه يريد الناس.. ويفخر بأنه ابن الحلمية الجديدة والجمالية وسيدنا الحسين وجذور المنصورة حيث يمكنك أن تشم رائحة مصر العطرة بكل سحرها وروعتها..

ومن السيارة الأخرى فى الموكب هتف حسن عبدالفتاح «الكاظمية يا زعيم» وسمعه عادل وطلب من السائق أن يتجه إلى ذلك الحى الشعبى العريق الذى يشبه السيدة زينب عندنا.. وأذعن للامر وتغير السير.. ونزل إلى احد محلات العصير وانتشر الخبر فى لمح البصر.. تركوا الاضرحة وخرجوا من المحلات والبيوت وداسوا على الباعة الذين يفترشون الأرصفة لأن الناس غطت الشارع بأكمله.. ووقف أعلى السيارة يشير بيده للجماهير وعينه تلمع بدمعة امتنان وشكر لله ان أستجاب لدعوة أمه..
- ربنا يحبب فيك خلقه!!

وهل هناك يا صاحب السعادة أروع ولا أجمل من هذا الحب فى كل خطوة تخطوها.. واعلم أن تاريخك لم يصنعه فنك فقط لكن صنعه استقرارك وتفرغك لشغلك وتطوير وتنوع أعمالك كأنك فى كل فيلم أو مسلسل تبدأ من أول السطر وخلف منك قصة حب عظيمة لمن أطلقت عليها فى مقال لى «الزعيمة» وهى السيدة «هالة» زوجتك ورفيقة المشوار والنجاح حتى أصبحت أنت وأولادك حكاية مصرية تضاف إلى براويز أم كلثوم وعبدالوهاب وحليم ونجيب الريحانى فلا يمكن لهذا المجد أن يحدث صدفة فهى رحلة صبر وشقاء وانكسار وانتصار وهجوم وتصفيق.

الناقد الرياضي
تحول عادل فى لحظة أمامى إلى ناقد رياضى عقر.. يطلب من الجناح الأيمن أن يرفع الاوفر «بدرى» شوية وأن يضع السنتر هاف عينه على اللاعب الفلانى.. وان يلعبوا الكرة على الارض فقد كان هناك مباراة مهمة للمنتخب المصرى وفندق الرشيد فى بغداد ليس فيه ستالايت وفتح لنا السفير المصرى بيته لكى نتفرج على الماتش.. وجلست بجواره أسجل انفعالاته مع كل لعبة دقيقة بدقيقة وفى اليوم التالى صدرت جريدة «المساء» وبها تحليل تاريخى للمباراة بقلم الناقد الرياضى «حنفى الأبهة» وعلى فكرة هو الزملكاوى الذى تحول إلى الفانلة الحمراء بعد أن سمع رامى فى طفولته يهتف. أخلى.. أخلى (يقصد أهلى).

ولاننا فى خدمة عيالنا.. تغير المسار مفيش مانع.. لكن فى حب المنتخب القومى. كله فى نفس الخندق.. وعدوله يمارس مصريته ووطنيته بلا ضجيج وفى الكثير من أفلامه رسائل يلتقطها المتفرج الذكى.. يقول وينتقد حبا فى بلده.. وهو أحد كبار سفرائها فوق العادة، ومبكرا انتبه إلى خطورة الارهاب وركب الناقة وشرخ إلى أسيوط ليس دفاعا عن مهنته فقط ولكن الأهم بلده.. وقدم هناك عرضا مسرحيا رغم الخطر ثم قدم «الارهاب والكباب»، «الارهابى»، وقدم أيضا «حسن ومرقص».

ولقصة فيلم «الارهابى» حكاية عشتها بالصدفة فى بيت الكاتب الكبير لينين الرملى ذهبت اليه.. وقال لى إن المرحوم مصطفى متولى خرج من عنده للتو بعد أن تعاقد معه على فيلم «بخيت وعديلة».. ولما وصل إلى البيت وحكى ما جرى فى اللقاء مع لينين.. وكيف أنه كتب فيلما لأحمد زكى بعنوان «الارهابى» ولكن أحمد تأخر فى تنفيذه.. هنا بحسه الفنى والوطنى تحرك وكان الارهاب فى ذروته خلال التسعينات وعلى الفور بدأ اتصالاته مع أحمد الذى تنازل له عن الفيلم وعاد مصطفى متولى إلى لينين فى اليوم الثانى لكى يشترى «الارهابى» ويصوره أولا ويؤجل «بخيت وعديلة».. وعندما نزل الفيلم كانت الحكومة كلها عن بكرة أبيه.. تشاهد هذا الحدث.. لا أحد من الدولة طلب.. ولا هو «محل دليفرى.. لكن ما يمليه الضمير والظرف له السبق.. وحقق الفيلم نجاحا هائلا.. وعداوة هائلة مع الجماعات المتطرفة التى تربصت به وحاولت تشوسه صورته بكل السبل.. ونسى هؤلاء أن الذى يعتصم بالشعب ويصبح من نسيجه لا يمكن أن ينهزم أمام هؤلاء.. لأن الوعى الشعبى يسانده ويحميه..

كوباية شاى
فى حياته العادية يعيش بمنتهى البساطة بعيدا عن عقد وكلاكيع النجومية.. وكل ما يطلبه فى أى مكان يتواجد فيه «كوباية شاى» وعندما عاد إلى نقابة الصحفيين فى التسعينات يساند صديق عمره سعيد صالح فى تجربته الغنائية.. ووقفنا حوله نسأله فقال أحدنا انت فين من السياسة يا استاذ!
وضحك بطريقته قائلا: السياسة بشكلها المباشر ليست مهنتى أنا فوق الاحزاب والايدلوجيات.. أتكلم فى السياسة من خلال أدواتى الفنية.. وانحاز أولا وأخيرا إلى المواطن وليس المسئول.. ولخص بذلك الحكاية ثم قال لمن سأله هذا السؤال:

- ممكن بقى تطلب لى قهوة!
ابن البلد الذى وصفه عمنا محمود السعدنى الكاتب الساخر الفيلسوف قائلا: عادل ده طبق فول بالشطة مع قرص طعمية ورغيف سخن بلدى.. وقد تعلم من عبدالحليم حافظ كيف يحافظ على نجوميته ومكانته.. وكان فى أوائل سنواته عندما التقى العندليب فى مسلسل إذاعى كتبه الصحفى الكبير محمود عوض واخرجه رائد الدراما الاذاعية محمد علوان.. ولعبت بطولته نجلاء فتحى.. ورأى حليم ان هذا الفتى النحيل سوف يكون له شأنه فى دنيا الفن.. والقاعدة تقول انك اذا صاحبت وعاصرت الكبار كنت منهم.. والعكس صحيح.
يكلمك عادل.. عن صداقته مع محمد حسنين هيكل ورحلة عمره مع صلاح السعدنى زميل البدايات والشقاوة والمعاناة.. وهو أبدا لا يتخلى عن أصحاب الطريق ورفقة الفن وزمالة الدراسة وقد يأتى بالفنان الفلانى ويطلب من المنتج أن يضاعف له أجره.. وقد عرف انه يعانى وفى ضائقة.. يفعل كل هذا بدون أن يجرح شعور زميله بنصف كلمة.. ومصدرى فى هذا الكلام أحد الاسماء المقربة منه جدا والذى يقوم بتنفيذ أوامر المحبة والعون وبعضهم له راتبه الشهري.. يتم كل هذا بدون «زيطة» أو «زمبليطة» لان الجدعنة لا تباع ولا تشترى.. لكنها چينات تجرى فى الانسان مجرى الدم.

بدون ضرب نار
ولانه لا يلعبها سياسة قرر ألا يزور أحداً من قيادات العراق وهو هناك حتى لا يغضب جمهوره فى الكويت وكانت الاجواء ملتهبة بعد الاحتلال العراقى للدولة الشقيقة.. وجاء كبار المسئولين إلى المسرح لمشاهدة «بودى جارد».. ومعهم أطقم الحراسة بإسلحتهم ولما كانت المسرحية تتضمن مشهدا يتم فيه اطلاق الرصاصة خاف أن ينفعل الحرس وتصبح مجزرة بلا معنى.. ثم ان وجود الحراس على المسرح فيه اعتداء على ارضه وملعبه وظلت المفاوضات دائرة لأكثر من نصف ساعة تأخر فيها العرض.. واستجابوا له بأوامر من نائب الرئيس صدام «طه ياسين رمضان».. وزيادة فى الحرص.. ألغى مشهد ضرب النار..  فهل تذكر ذلك الرسم الكاريكاتورى الشهير الذى أبدعه البعقرى مصطفى حسين لأفيش مسرحية الزعيم وهو يجلس على الكرة الارضية بثيابه المهلهلة وفى يده سيجار كوبى.. وهو يتربع على القمة يحلق فى السماء.. وقد قال المفكر والكاتب الفرنسى «ألبيركامى» طريق الحياة صعب جدا وشاق.. بدون مساعدة الدين والفن والحب.. وعندما تقدم عملك الفنى ولا يصل إلى عموم الناس.. تجد أنك تمضى فى الطريق غير السليم.. فكيف تكون هناك أكلة جيدة ولا يستطعمها غالبية الناس.. الآن راجع مرة أخرى من قالوا عن عادل إمام انه أشبه بأكلة فول وطعمية وواحد شاى ساعة عصارى على قهوة عند ساحل شبرا والنيل أمامك يرمى «التماسى» !