[x]

يوميات الأخبار

القوة الناعمة ومسألة الوعى

رفعـت رشـاد
رفعـت رشـاد

 

إن التأثير فى الوعى يتحقق عندما يكف الناس عن إدراك الحجج المنطقية ، وعندما يبدون وكأنهم يرغبون فى التغرير بهم وهم لا يريدون إهدار وقتهم أو قواهم الذهنية فى التشكيك فيما يتلقونه من أنباء.

فى عام 1993 رفض مهرجان القاهرة السينمائى عرض فيلم « قائمة شاندلر «. فى صيف 1994 كنت مع زملاء صحفيين فى بعثة لعدة شهور للدراسة والتدريب الصحفى فى أمريكا من خلال منحة مخصصة لنقابة الصحفيين. فى بوسطن رتبت لنا السيدة المسئولة عن إعداد البرنامج مشاهدة لفيلم قائمة شاندلر الذى لم يعرض فى مهرجان القاهرة. تدور أحداث الفيلم خلال الحرب العالمية الثانية بتركيز على التعذيب الذى لاقاه اليهود على يد الألمان. تدخل المليونير شاندلر لكى يرشو البعض فيتم إنقاذ مجموعة من اليهود هم الذين تضمنتهم قائمة أعدها شاندلر. خلال عرض الفيلم شاهدنا نسبة كبيرة من جمهور الحاضرين تبكى ، بل إن بعضنا بكى من تأثير الفيلم الذى كان يعرض بالأبيض والأسود باعتبار أن هذا حدث بالفعل ولكن فى الماضى ، أما الحاضر فقد تجسد فى المشاهد الأخيرة التى شاهدناها بالألوان بدء من مشهد فتاة صغيرة خرجت من هذه الحرب سليمة ومتفائلة تحمل وردة ـ إسرائيل ـ وكذلك مشهد اليهود من كل أنحاء العالم يزورون قبر شاندلر فى إسرائيل.

بكى الجمهور وبعضنا بكى معه رغم أننا كعرب مصريين نعلم تماما زيف هذه الأحداث ونعلم تماما ما تفعله إسرائيل مع إخواننا الفلسطينيين. لكن دلالة الفيلم أن أوضحت مدى تأثير القوة الناعمة فى السيطرة على الوعى.

فى الفترة الأخيرة انتشرت موجة هائلة من الحديث عن القوة الناعمة لمصر وعن الوعى وضرورة مواجهة من يريدون التأثير على وعينا. لا مانع من مناقشة هذه الموضوعات لكن هذا النوع من المناقشات لا جدوى منه إذا تم بهذه الطريقة ومن خلال غير محترفين ، فماذا يفيدنا أن يشحذ أحدهم قلمه ويصرخ قائلا : انتبهوا لأنهم يريدون التأثير على وعيكم ؟ !! ماذا يفيدنا ؟؟ لا فائدة بالطبع لأن الحديث فى هذه الأمور يكون بين خبراء فى معامل بحثية وتحليلية ويفضل ألا يعرفها أحد فالحديث المكشوف يأتى بنتائج كارثية ويذكرنى ذلك بقصة « محطة المطار السرى فى الستينيات» حيث كان هناك مطار عسكرى يجب أن يظل مكانه سريا حتى لا يعرف العدو ، لكن كل العالم عرف بمكان مطارنا السرى لأن سائقى السيارات العامة كانوا ينادون على الركاب : اللى رايح محطة المطار السرى.. اللى نازل محطة المطار السرى !!
إن مناقشة أمور القوة الناعمة ومواجهة التأثير على الوعى علانية كأنك حامل سلاحا تهدف من خلاله إلى ردع من يعتدى عليك لكنك تنبه كل من يلتقيك أنك تحمل سلاحا وأنك تضعه فى طيات ملابسك فيأخذ المعتدى حذره ويفكر فى ألف طريقة لكى يخدعك. دعونا نأخذ جولة بسيطة جدا على قشرة هذا البحر اللانهائى لما يسمى القوة الناعمة والتأثير على الوعى.

الاتحاد السوفييتى
مع بدايات الثورة الشيوعية فى روسيا ، فى عام 1925 أنتج الشيوعيون فيلما من إخراج العبقرى آيزنشتاين بعنوان « المدرعة بوتمكين « ، يعد هذا الفيلم من أهم وسائل التأثير التى أفادت منها الثورة الشيوعية ويعتبر من كلاسيكيات مفهوم القوة الناعمة. يتناول الفيلم الظلم الواقع من بعض قادة المدرعة على البحارة وموت أحدهم فيثور زملاؤه ويستولون على المدرعة فى مشاهد امتلأت بالتعاطف من جانب الرأى العام مع الجنود البسطاء من أبناء الشعب مع إظهار القوة المفرطة التى تعامل بها الإمبراطور فى مواجهة موقف البحارة. حرص قادة الثورة على أن يتجول الفيلم فى كل أنحاء البلاد لكى يشاهده أكبر عدد من المواطنين ، أتت جهودهم ثمارها فى خطوة دفعت الشيوعيين إلى التوسع فى الاستفادة بالقوة الناعمة فجاءت الأفلام والمسرحيات وجاء الباليه وفرقة البولوشوى الأسطورية. هذه القوى الناعمة ساعدت الثورة على تدعيم مكانتها لدى المواطنين وانطلق الشيوعيون ليؤسسوا الاتحاد السوفييتى الذى صار قوة عظمى يشارك فى حكم العالم ويسيطر على نصف أوروبا الشرقى.

تفكيك الاتحاد السوفييتي
لو قفزنا عقودا من الزمن ووصلنا إلى فترة الثمانينيات من القرن الماضى وعكسنا المشهد سنجد أن أمريكا والغرب فككوا الاتحاد السوفييتى بدون أن يطلقوا رصاصة واحدة ، لقد أنفقوا الجهد والعلم والمال لكى يدفعوا الشعب السوفييتى العنيد لأن يتخلى عن مكانته ومكانة دولته العظمى برضا نفس. اختلقوا ما يسمى البروسترويكا أو ـ إعادة البناء ـ ( علينا أن ننتبه لدلالات الألفاظ.. فعبارة : إعادة البناء توجد تأثيرا لدى العامة ).. والجلاسنوست أو ـ المكاشفة ـ !! لخداع الشعب الذى اندفع عن اقتناع وحماسة بل وإعجاب بمن خدعوه لكى يقاد إلى مذبح الرأسمالية الغربية وتحطيم الحلم الاشتراكى والعدالة الاجتماعية والسيطرة بدون قوة على كل دول المعسكر الشرقى.
لقد صمد الشعب الروسى العنيد أمام جحافل نابوليون وهزم جيوش هتلر وتحمل كل تبعات الحرب الباردة والحصار الاقتصادى والحرب فى كل الجبهات المعنوية والعسكرية ، لكنه لم يصمد أمام الغزو الناعم والتأثير على وعيه. انهارت المقاومة أمام كلمات معسولة من جورباتشوف وحوارييه ، قال: لنلحق بأمريكا ، لنقم بإنتاج اللحم والحليب ، لنزرع الذرة ، بعدها سوف نعيش فى جنة الشيوعية. كانت كلماته جزءا من بداية النهاية للدولة الاشتراكية الأكبر فى العالم.
كان الشعب السوفييتى صلبا لا ينهار بسبب الأزمات بينما الشعوب الغربية تخرج فى مظاهرات وتسقط الحكومات لو تأثرت دخول الرأسماليين ، لكن سلم الشعب السوفييتى الراية فى مواجهة التأثير على الوعى. إن التأثير على الوعى يشمل استخدام التحليل النفسى وعلم دلالات الألفاظ وفهم الثقافة المشتركة للحشد وهو ما جعل شعوبا تستسلم بدون مقاومة.

مفهوم القوة الناعمة
يسألنى زملاء شبان عن القوة الناعمة والوعى ، أقول إن الأمرين متشابكين لا ينفصلان ، فأنت فى سعيك للتأثير على الآخرين تستخدم ما تسميه القوة الناعمة أو التأثير على الوعى الجمعى لمجتمع ما أو شعب ما ، والعكس صحيح ، فلو عكسنا الموقف لسعينا نحن إلى ترقية الوعى لمواجهة سعى الآخر للسيطرة على عقولنا ، لكن ترقية الوعى لن يكون بالطريقة الساذجة التى يتعامل بها البعض مثل نشر مقال أو الصراخ فى برنامج تليفزيونى : أن كونوا واعين !! التأثير فى الوعى أمر يشابه التيار الكهربائى الذى « يعمل العمايل « لكن لا أحد يراه أو يلتقط سيلفى معه. التيار الكهربى ينير المصابيح ويدير آلات المصانع ويشغل الآلات المنزلية مثل الثلاجات والغسالات والمراوح وغيرها ويفعل الكثير مما لا يعد ولكن لا أحد يراه ، هكذا يتم التأثير فى الوعى ولنضرب أمثلة بسيطة. لو أن قراء القرآن المصريين استمروا على عادتهم فى السفر إلى الدول الإسلامية فى شهر رمضان والتف حولهم الآلاف وشاهدهم الملايين فى التليفزيون، أليس هذا قوة ناعمة ؟ لو أننا استمررنا فى السيطرة على الإنتاج الدرامى واستفدنا من اتساع السوق العربية فى هذا المجال ونحن نملك كل أدوات الإنتاج ، أليس هذا قوة ناعمة ؟ لو استمر عرض الأفلام السينمائية المصرية فى الدول العربية وأتقن كل الأشقاء اللهجة المصرية ، أليس هذا قوة ناعمة ؟ لو استطاعت أندية رياضية مصرية تحقيق تفوق فى مسابقات إقليمية ودولية وتابعتها وشجعتها الشعوب العربية ، أليس هذا قوة ناعمة ؟. ليس من المفروض أن أحقق أهدافى باستخدام القوة الناعمة من خلال الصراخ فى الهدف وأقول له : « خد بالك أنا معايا قوة ناعمة.. أنا جاى أؤثر عليك بقوتى الناعمة « هذه أمور ساذجة يسخر منها المحترفون.

الرئيس الأمريكى
كان الأمريكان ومازالوا أساتذة القوة الناعمة والتأثير فى وعى الشعوب وهم من أوجدوا هذه الأسلحة أو العلوم وغيرها من أدوات التأثير وهناك فيلم يجسد جزءا من صناعة التأثير يكشف كيف أدارت أمريكا الحرب فى البوسنة والهرسك وصربيا وألبانيا وكيف يخدع الرئيس الأمريكى شعبه لكى يدفعه لاتخاذ قرارات معينة وهو نفس ما فعله الرئيس ويلسون لدفع الشعب لمساندة خوض أمريكا الحرب العالمية الأولى. مشهد آخر من مشاهد التأثير ، ما فعله الرئيس الحالى ترامب لكى يفوز فى انتخابات الرئاسة ، استعان بخبراء استفادوا من بيانات المواطنين فى فيس بوك ووجه إرادتهم لكى ينتخبوه فى الوقت الذى كان غالبية الناس تعتقد أن كلينتون المؤهلة للرئاسة ستكون الرئيسة. فاز ترامب من خلال التأثير على عقول ودوافع الناخبين. يستخدم الأمريكان فى تحقيق أهدافهم عناصر عديدة للوصول إلى نتائج مذهلة فى مجال السيطرة على العقول والوعى منها صناعة الثقافة ، ثقافة الصورة ، الرأى العام ، الدعاية ، الإعلام ، الغزو الثقافى الإعلامى ، الإعلان ، العلاقات العامة ، صناعة الخوف ، شيطنة العدو وأيديولوجية الرياضة وغيرها. ويستفيدون من برنامج السلوك الكامن فى كل بشرى ، فكلنا لا يمكن أن نعيش فرادى ، بل إننا كائنات اجتماعية لذلك يتم التعامل معنا ببرامج تستخدم رموزا ثقافية جماعية تتضمن المؤثرات الروحية النفسية التى لا يلحظها أحد والتى تهدف إلى التلاعب بالبنية النفسية للشخصية وتوجيه روحه بحيث يعتقد كل منا أن ما يجرى طبيعى ومحتوم فنندفع لاعتناق ما يريدونه.

طريقة كورونا
لو طبقنا هذا الأسلوب على ما نعيشه حاليا بتأثير فيروس كورونا سنجد أن الفيروس مثال للقدرة على الإخلال ببرنامج وعقل الآخر ، فالفيروس يتكيف ليستغل نمطا محددا من الخلايا الحسية ، فيحسن العثور عليها ويتشبث بقشرتها ويقوم بحقن الخلية بجزئ واحد من حمضه النووى مكتوب فيه أوامر إنتاج الفيروسات ، فتظهر فى الخلية حكومة سرية تخضع لإرادتها النشاط الحيوى لهذه المنظومة الكبيرة ـ الخلية تعتبر بلادا كبيرة جدا بالنسبة للفيروس ـ ويتم تجنيد موارد الخلية لتنفيذ الأوامر المكتوبة فى الجزئ الذى تم إقحامه ، وبهذه الطريقة ينتشر الفيروس بصورة غير عادية. هذا تشبيه مبسط للتأثير الذى يجبر فيه أحدهم على العمل لصالح الآخرين ووفقا لأهدافهم ، لكن هؤلاء الخاضعين لا يعتبرون ضحايا فهم لم يقاوموا ولا يريدون أن يقاوموا.

الأسباب
إن التأثير فى الوعى يتحقق عندما يكف الناس عن إدراك الحجج المنطقية والعقلانية ، وهم يبدون وكأنهم يرغبون فى التغرير بهم ، وغالبيتهم لا يريدون إهدار وقتهم أو قواهم الذهنية فى التشكيك فيما يتلقونه من أنباء ، وغرقهم السلبى فى تيار الأنباء والمعلومات أسهل كثيرا من قيامهم بإعادة المعالجة النقدية لكل إشارة تصلهم. إن من يقاوم هو الإنسان المسلح بأدوات للمراقبة الذهنية التى تحلل المعلومات من تلقاء نفسها كما يقود السائق الماهر سيارته بدون تعب لأن يديه وقدميه تستجيبان آليا لإشارات الطريق وسلوك الآخرين ، إنه يتصرف بدون أن يهدر لحظة فى التفكير.