[x]

يوميات الأخبار

التعايش مع الخطر!!

محمد بركات
محمد بركات

 

العالم كله الآن أصبح مضطرا للسير فى طريق استمرار النشاط الإنتاجى والاقتصادى.. مع توفير أقصى حماية للبشر.

فى يقينى.. أن الضرورة والواجب يفرضان علينا أن نتحدث معا بأكبر قدر من الصراحة والشفافية، فى كل ما يخص الشأن العام من موضوعات وقضايا وأمور تهمنا جميعا وتؤثر فينا جميعا سلبا أو ايجابا،..، وهو ما يتطلب أكبر قدر من الإفصاح والوضوح، وقدرا أكثر من الرحابة والمرونة فى الاستعداد للتفهم والادراك.
وفى تقديرى اننا اذا ما بحثنا عن الشاغل الأكبر والهم الأعظم لنا جميعا فى مصر الآن، بل ولكل البشر فى كل المجتمعات والشعوب بطول العالم وعرضه، وفى كل دوله الغنية والفقيرة والأكثر فقرا، وكياناته القوية والضعيفة وحتى المهمشة، فلن نجد غير الوباء الذى يجتاح الدنيا كلها، محتلا المرتبة الأولى من الاهتمام والانشغال، لقلوب ونفوس وعقول كل البشر فى كل مكان من كرتنا الأرضية، التى أصبحت بين ليلة وضحاها تعيش واقعا مختلفا، بعد أن هبط عليها ذلك الفيروس الشرس من حيث لم تحتسب ولم تتوقع.
تقدير خاطئ
والصراحة هنا واجبة والشفافية أيضا لازمة، حتى ولو كانت الأولى مؤلمة والثانية لا تسر البال ولاتبعث على قدر ولو كان ضئيلاً من البهجة،..، وفى ذلك لابد أن نعلم جميعا أن العالم كله، ونحن جزء منه بالقطع، قد وجد نفسه أمام معطيات كثيرة ومتعددة خلال الشهور الثلاثة الماضية، حتمت عليه الاضطرار إلى البحث عن وسائل للتعايش مع جائحة الوباء الذى تفشى فى العالم كله، بعد أن ظهر جليا وبأكبر قدر من الوضوح، لكل من يملك عيناً تنظر وترى وعقلا يعى ويقدر على الفهم والاستيعاب، إنه لا نهاية قريبة أو معلومة لهذا الڤيروس الشرس «كورونا المستجد» وما يحمله من تهديدات واخطار للبشر جميعا.
والحقيقة القائمة على أرض الواقع تقول إن العالم قد وقع فى مصيدة التقدير الخاطئ لقوة وخطورة، بل وشراسة هذا الڤيروس فى بداية ظهوره أو معرفة وسماع العالم به فى نهاية العام الماضى ومع بدايات العام الجديد «٢٠٢٠»، حيث استخفت كل الدول التى سمعت به، وظنت أنه مجرد نوع جديد من الانفلونزا لن يلبث ان ينطفئ بريقه ويزول خطره بمجرد تعاطى العلاج المناسب والذى تعودنا عليه فى مثل هذه الحالات،..، ولكن للأسف لم يحدث ذلك.
بل على العكس لم تمض سوى أيام معدودات حتى فوجئ العالم بانتشار سريع للفيروس فى مدن وأقاليم عدة فى الصين، بدأت بمدينة «ووهان» ثم تفشى فى غيرها،..، ومع نهاية يناير وبداية فبراير كان الڤيروس قد أصاب مئات الآلاف  وتسبب فى وفاة عشرات الآلاف فى الصين،..، ثم خرج منها الى بقية العالم ناشرا اخطاره على الجميع،  وحاملا شبح الموت للكل.
ورأيناه يحصد الأرواح فى كل أوروبا، وخاصة الدول والشعوب التى لم تقدره حق قدره ولم تنتبه لقوته وخطره، واستهانت به فى البداية مثل ايطاليا وفرنسا واسبانيا وانجلترا وغيرها وغيرها،..، ثم رأيناه يستفحل ويتغول فى امريكا الشمالية.. الولايات المتحدة.. وايضا امريكا الجنوبية حيث البرازيل، بعد ان طاف بأسيا وافريقيا ومصر والخليج ثم روسيا وبقية دول العالم، التى «يبرطع» فيها الآن وطوال الأسابيع والشهور الماضية، وإلى أجل لا يعلمه سوى الله سبحانه وتعالى.
انهيار الاقتصاد
ومع انتشار وتفشى كارثة «كوفيد ١٩» وتحولها إلى وباء. يجتاح العالم كله، أجمع الخبراء والعلماء والعارفون بشئون الكوارث والأوبئة الصحية، الناجمة عن هجمات غير متوقعة لفيروسات متحورة مثل «كورونا المستجد» على صعوبة التوصل إلى علاج ناجع يقضى على المرض، أو لقاح «فاكسين» يقى منه ويمنع الإصابة به، واتفقوا على ان ذلك لا يمكن التوصل إليه بالسرعة الواجبة، وان الأمر يحتاج إلى شهور بل وربما سنوات.
واتفق الجميع على أن العالم مضطر إلى تحمل وطأة وأخطار هذا الڤيروس لشهور قادمة وربما أكثر من ذلك.
وفى ظل ذلك.. اكد الكل على أن الأثر الأكبر والأكثر فداحة ودمارا للعالم، لن يقتصر على مصاحبة شبح الموت للڤيروس المنفلت والشرس اينما حل، بل هناك شبح آخر سيكون مصاحبا بصفة دائمة للڤيروس المستجد، فى أى مكان يتواجد فيه أو يمر عليه،..، وهو انهيار النظام الاقتصادى المحلى والاقليمى والدولى، كنتيجة مباشرة لإبطاء أو انخفاض أو توقف النشاط الإنسانى بصفة عامة فى كل الدول والشعوب التى يهاجمها هذا الڤيروس الشرس.
وفى هذا السياق لعلنا تابعنا مع كل البشر ما أصاب اسواق العالم كلها ودون استثناء، من اضطراب وكساد بل وانهيار ايضا، فى ظل ما طرأ عليها من اختلالات واضحة فى معدلات الانتاج، فى كافة المجالات الصناعية والزراعية والخدمية فى كل البلاد،..، واحسب اننا ندرك وتدرك معنا كل الشعوب فى كل الدول ان تلك هى النتيجة المباشرة لتوقف النشاط البشرى الذى تم اضطرارا فى ظل الخطوات الاحترازية التى اضطرت إلى اتخاذها، لحماية مواطنيها من اخطار الوباء الذى يتربص بالكل ويهاجم الجميع، وكانت سببا فى انهيار الاقتصاد وتوقف الانتاج.
ومن هنا أصبح العالم كله يواجه تحدى البحث عن طريق آخر ووسيلة عملية وواقعية يحافظ فيها على استمرار النشاط الانتاجى وانقاذ الاقتصاد، مع توفير الحماية الواجبة للبشر، والحفاظ على صحة المواطنين وسلامتهم،..، وذلك بعد أن ثبت للكل فى جميع الدول على اتساع العالم كله، عدم قدرة الاقتصاد فى أى دولة مهما كانت غنية أو قوية على تحمل التكاليف أو الخسائر المتواصلة، جراء توقف الانتاج فى ظل هذا الوباء، خاصة فى غياب وضوح رؤية مؤكدة للوصول إلى علاج أو مصل يقضى على المرض «كوفيد ١٩» أو يقى من الاصابة به فى القريب العاجل أو حتى الافق الزمنى المتوسط والمعلوم،..، من هنا كان من الضرورى أن يحاول العالم كله شرقه، وغربه، ونحن معه، التعايش مضطرا مع الڤيروس الشرس، وهو ما يفعله الجميع الآن.
السد الإثيوبى
وإذا كان الشاغل الأكبر والهم الأعظم لنا فى مصر الآن، بل ولكل العالم فى ذات الوقت، هو الوباء وتهديداته وأخطاره، واضطرار الجميع للسير على طريق التعايش معه، والتعامل بشأنه على اساس أنه قد يستمر معنا لفترة قادمة ليست قصيرة ولا معلومة بصفة مؤكدة،..، فإن هناك شأنا آخر يتصل بنا ويهم كل المصريين ويحتل أولوية مطلقة وبالغة الأهمية بالنسبة لنا جميعا شعبا ودولة، وهو ما يتصل بمياه النيل والخلاف الذى مازال قائما حول السد الاثيوبى، واسلوب وطريقة ملء خزان السد والمدة الزمنية التى يستغرقها ذلك،..، فى ظل الموقف الاثيوبى المتعنت خلال المفاوضات التى كانت جارية، بين الوفود الثلاثة.. مصر والسودان واثيوبيا، والتى أصيبت بانتكاسة كبيرة نتيجة المراوغات الاثيوبية المستمرة والمتواصلة، ثم تهربها فى اللحظات الأخيرة من التوقيع على مسودة الاتفاق النهائى المنظم لملء وتشغيل خزان السد.
وفى هذا أحسب اننى لا أتجاوز الواقع على الاطلاق أو أخالفه فى قليل أو كثير، إذا ما قلت واكدت ان مصرالدولة والشعب تنظر إلى قضية مياه النيل نظرة تقديس بالغ واهتمام عظيم وغير محدود لا يقاربه أو يدانيه أى اهتمام بقضية أخرى على الاطلاق،..، وذلك بوصفها قضية حياة وقضية وجود لايمكن ولايوجد على الاطلاق من يقبل المساس بها، أو التقليل من شأنها، وهذا طبيعى ومنطقى، حيث انه ليس هناك بعد الوجود والحياة ما هو أكثر أهمية أو أولى بالرعاية على الاطلاق.
ولعلى لا آتى بجديد اذا ما قلت ان هذا الموقف المصرى ليس خافيا أو غير معلوم من الجانب الاثيوبى، بل من كل العالم، حيث اكدت مصر عليه وأعلنته أكثر من مرة خلال المفاوضات التى دارت طوال السنوات الماضية، ومن تحصيل الحاصل ونافلة القول التأكيد على ان الجانب الاثيوبى- وبالطبع الأخوة السودانيون- يعلمون هذا الموقف تماما.. خاصة أن الرئيس السيسى اعلنه وأكد عليه بصورة لاتقبل الشك أو الجدل.
مبادرة سودانية
أقول ذلك الآن.. ونحن على أبواب العودة إلى المفاوضات الثلاثية بين الأطراف.. مصر والسودان واثيوبيا بعد توقف استمر من نهاية فبراير الماضى وحتى الآن، كنتيجة مباشرة للغياب الاثيوبى المفاجئ عن الجلسة الختامية، التى كانت مقررة للاجتماعات الثلاثية فى العاصمة الامريكية واشنطن، والتى كان مقررا التوقيع خلالها على صيغة الاتفاق النهائى، وهو ما لم يحدث نتيجة هذا الغياب.
والمفاوضات العائدة.. تتم بمبادرة سودانية، تتيح الفرصة لاستئناف المفاوضات الثلاثية من جديد، بعد وضع تصور للقضايا العالقة المتبقية دون اتفاق، وذلك ضمن الجهود التى يقوم بها رئيس الوزراء السودانى د. حمدوك مع نظيريه المصرى والاثيوبى، للخروج من حالة الجمود الحالية ومحاولة الوصول إلى اتفاق شامل.
وفى هذا أقول إن المصارحة الواجبة فى كل المسائل القومية، والقضايا المتعلقة بالشأن المصرى العام، تقتضى ان اشير بوضوح إلى قلة، ان لم تكن غيبة، التوقعات المتفائلة لدىَّ بخصوص ما يمكن أن تسفر عنه المفاوضات، إذا ما ظل النهج والاسلوب الاثيوبى على ما كان عليه من تعنت «وملاوعة» ومراوغة خلال المفاوضات التى جرت طوال السنوات الماضية.
وازيد على ذلك بالقول، إن هذا الاسلوب والنهج الاثيوبى المراوغ والمتعنت كان دافعا لإثارة الشك فى النوايا الاثيوبية منذ بداية الأمر وحتى الآن،..،  ولكن دعونا نأمل ان تقلع اثيوبيا عن المراوغة والتعنت هذه المرة حتى يمكننا التوصل إلى اتفاق شامل يحقق مصلحة الدول الثلاث ويحافظ على حقوق مصر المشروعة والتاريخية فى مياه النيل، التى هى وبحق قضية حياة ومسألة وجود لايمكننا التفريط فيها.