[x]

حكايات| الصهاريج المصرية.. كيف تطورت تصميمات أبراج المياه عبر التاريخ؟

الصهاريج المصرية
الصهاريج المصرية

 

أبراج عالية ذات ارتفاع شاهق، على قمتها تستقر خزانات دائرية وأسطوانية مرتكزة على أعمدة تطور بناؤها عبر التاريخ ما بين الحديد والطوب والخرسانة المسلحة، حتمًا مررت على إحداها خلال جولتك بمختلف المدن المصرية، أو حتى في الحي السكني الذي تقطن فيه، تتشابه الكثير منها في تصميم البناء الخارجي؛ فيما احتفظ البعض لنفسه بلمسات وجماليات معمارية فريدة، رغم اجتماع الهدف البنائي لجميعها على تخزين المياه.

"الصهاريج".. مصطلح فارسي عرّفه المعجم المحيط بـ"حوض يجتمع فيه الماء"، ويشير هذا المصطلح إلى منشأة لتخزين المياه تقام إما في باطن الأرض أو فوق سطحها، والأول هو النمط الذي اشتهرت به العديد من المدن المصرية في العصور القديمة، ولكنه ازدهر ولاقى المزيد من العناية مع التطور العمراني وتوسع الدولة إبان العصر الإسلامي في مصر، فيما ظهر الثاني بمبانيه الشاهقة مع بداية الثورة الصناعية في أوروبا خلال القرن التاسع عشر.

في دراسته الأثرية المعمارية، بعنوان: "المنشآت المائية بمصر.. منذ الفتح الإسلامي وحتى نهاية العصر المملوكي"، يستعرض الدكتور سامي محمد نوار، تاريخ الصهاريج وخزانات المياه، وهي الطريقة التي اهتدى إليها الإنسان لضمان الحصول على المياه لتلبية احتياجاته الضرورية من الشرب وري المزروعات.

أهمية الخزانات في مصر قديمًا ترجع لضرورتها الملحة نظرًا لندرة مياه الأمطار، فاعتمد السكان على وسائل تخزين لإمدادهم بالماء في وقت معلوم من السنة وتحديدًا موسم الفيضان، وخاصة للمدن المأهولة بالسكان التي تبعد عن النيل المصدر الرئيسي للمياه كالإسكندرية، التي تشتهر بالصهاريج المائية في باطن الأرض.

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، وحتى أوائل القرن العشرين، رفعت الخزانات إلى سطح الأرض، وتم تسخير الجاذبية لتوفير ما يكفي من ضغط المياه لاستخدامات الشرب والحماية من الحرائق، عبر الأنابيب "المواسير" الاحتياطية التي كانت شائعة الاستخدام كهياكل لأبراج طويلة نحيفة لتخزين المياه، مجاورة لمحطات الضخ، وساعدت في توفير ضغط مياه كافٍ للمنازل.

فكرة عمل الصهاريج أو أبراج المياه، تقوم بالأساس على عملية الضغط التي تحدث جراء الارتفاع، فكل 10.2 سنتمتر من الارتفاع تعطي واحد (1) كيلو باسكال من الضغط، و30 متر من الارتفاع تعطي 300 كيلو باسكال من الضغط، وهو الضغط الكافي لتشغيل نظام تزويد المياه المنزلي.

ومن خلال المزج بين الفن والبناء، بدأ المهندسون في تصميم خزانات مزخرفة تندمج مع المناظر الطبيعية، وتطورت التصميمات الهندسية والمعمارية لأبراج المياه، وتغيرت أشكالها على مر السنين بين الخشبية والحديدية والخرسانية، فيما لا تزال الأنماط القديمة محتفظة برونقها في العديد من المدن المصرية.

ومن الأمثلة البارزة لأشكال الخزانات الأولى، خزان مياه قصر الزعفران بالعباسية، والذي أنشئ عام 1904، من تصميم المهندس اليوناني ديميتري فابريسيوس باشا مدير القصور الخديوية خلال الفترة من 1892 و1907، أي في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني.

 

ومع أواخر القرن التاسع عشر، بات الصلب من المواد المعدنية المفضلة لبناء خزانات المياه، بهياكلها الجذابة المزخرفة وأسقفها مخروطية الشكل، ولعل صهريج منطقة المنتزه بالزقازيق الذي بني إبان فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر، ويعد أحد أبرز معالم المدينة، أبرز مثال على ذلك.

أنماط التصاميم للصهاريج في تلك الحقبة، تبدو متشابهة إلى حد كبير، خاصة تلك التي تحتضنها مدينة المحلة الكبرى والقناطر الخيرية وشبين القناطر، ولا غرابة في ذلك إذ كانت بعض الشركات متخصصة في تلك الأعمال البنائية، وهو ما يظهره إعلان قديم يتوسطه صهريج لـ"ورش أتميدا - فيس وبرت ديجان وشركاه"، والتي كانت تعرض خدماتها للمقاولين لمدهم بكافة الأشغال المعدنية من الحديد والكباري والهياكل، فضلا عن الأعمال الميكانيكية الدقيقة، بأفضل الخامات وأقل الأسعار.

وما يدعو للأسف، هو إزالة الكثير من تلك التحف المعمارية القادمة من الماضي وطمس هويتها، خلال فترة ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وأبرزها خزان بني سويف الذي كان يقبع في ميدان المديرية، وخزان الكباس بشارع الجلاء بدمياط والذي تم هدمه في أوائل الألفية.

وخلال بدايات القرن العشرين بدأ الاتجاه نحو بناء خزانات الخرسانة المسلحة، إلا أنها كانت فترة عملها قصيرة نسبيًا مقارنة بتلك المصنوعة من الفولاذ، والتي كانت صيانتها بشكل جيد يجعلها تستمر في العمل قرابة الـ100 عام أو أكثر، وأرجعت العديد من المصادر السبب في ذلك إلى صعوبة جعل الخزانات الخرسانية في بداية بنائها مقاومة للماء، وذلك قبل أن يتم تطويرها في ثلاثينيات القرن العشرين، لتصبح أكثر شيوعًا مع التقدم التكنولوجي.

كرة، قبعة ساحر، مصباح يدوي، مركبة فضاء؛ مثبتين أعلى عامود خرساني على شكل اسطواني طويل، كلها أنماط بناء شائعة لأبراج المياه، ولكن بغض النظر عن شكلها اللافت لانتباه المارة داخل أو خارج مصر، إلا أنها جميعًا تخدم نفس الغرض وهو توصيل المياه إلى الناس، فلا يمكن على سبيل المثال أن تمر بدوران جديلة بالمنصورة دون أن تلتفت عيناك إلى ذاك البناء الضخم ذو التصميم المعماري المميز.

 

وحتمًا زرت يومَا قصر المنتزه بالإسكندرية، ولفت انتباهك البناء الخرساني المرتفع المطل على حديقة القصر، بتفاصيل معمارية شديدة الدقة، ويعود تاريخ بنائه إلى عهد الملك فاروق الأول، حيث كلف المهندس المعماري المصري البارز مصطفى باشا فهمي، بإنشاء العديد من المباني الخدمية الملحقة بالموقع ومنها برج المياه.

جميع الأمثلة والصور السابقة، حصلنا عليها من خلال صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، بعنوان "الصهاريج المصرية" أسسها الصحفي ميشيل حنا، حيث افتتحها بتدوينة حدد من خلالها أهداف الصفحة فكتب: "هناك جماليات خاصة في خزانات المياه المصرية القديمة، خاصة تلك التي بنيت قبل حقبة الستينيات.. بالرغم من الوظيفة البسيطة لهذه الخزانات إلا أن كلا منها تميز بتصميم فريد وبلمسات تجعله مختلفا عن غيره، مثلها في ذلك مثل باقي المباني التي بنيت في عصر المصممين والمهندسين العظام.. تهتم الصفحة بتصوير هذه الخزانات وتوثيقها في مختلف المدن المصرية، مع محاولة تتبع ما يتوافر من معلومات عنها على قلته".

الصدفة وحدها قادت "حنا" لتدشين صفحته الجديدة، فخلال تنقلاته المتعددة بين المحافظات والمدن المصرية، كانت "الصهاريج" وتحديدًا تلك التي تتمتع بتصميمات مميزة تلفت انتباهه، ومع ندرة المعلومات المتوفرة حول تلك البنايات أو منفذيها، سعى الدكتور الصيدلي الذي يهوى الكتابة والتصوير، لتوثيق تلك المباني تكريمًا لصناعها ولو حتى بصورة.

بين المنصورة ودمنهور وطنطا وإسماعيلية والسويس، يجوب "ميشيل" المحافظات في رحلات عمل، وخلال كل تنقل بين مدينة وأخرى تلتقط عدسة كاميرته صورة لتصميم فريد لـ"صهريج" يخطف العين: "ماكنتش بروح المحافظة مخصوص علشان أصور الصهاريج، لكن في كل مرة كان يلفت نظري تصميم مميز لبرج مياه، فجمعت مجموعة كبيرة من الصور لتلك الأبنية ومن هنا جاءت فكرة الصفحة كما قلت".

لم يتوقع "ميشيل"، التجاوب السريع من زوار الصفحة من أبناء المدن والقرى المصرية، فالبعض يتطوع لإضافة معلومة على صورة، فيما يساهم آخرون بصور لصهاريج من مواقع سكنهم، تنشر بأسمائهم: "رغم مرور نحو 10 أيام فقط على إنشاء الصفحة، لكن لقيت الناس متجاوبة معايا وبدؤوا يبعتوا من القرى والمحافظات، ولفت نظري تكرار الكثير من التصميمات في محافظات ومدن مختلفة، فكل تصميم منه 4 أو 5 صهاريج بأماكن متفرقة".

وحول سر اهتمامه بأبراج المياه تحديدًا، يقول "ميشيل": "لقيت مفيش حد مهتم بيها خالص، رغم إن كتير منها قديم وأثري ولكنها لا تجد الاهتمام المطلوب، وبعضها متميز بتصميمات مبهرة وأكيد اللي نفذها تعب في تصميمها، فحبيت أوثقهم، والفت نظر الناس واخليهم يبصوا حواليهم وهم ماشيين يشوفوا جمال تلك المباني، خاصة أن أغلبها لها شكل بصري مميز".

واختتم "ميشيل" حديثه قائلاً: "للأسف الكثير من خزانات المياه القديمة بعضها تهدم فيما تم تفكيك البعض الآخر، خاصة المبني من الهياكل الحديدية وبيعها خردة، وهو ما أكده أكثر من زائر للصفحة في محيط منطقته السكنية، ومن ضمن أهداف الصفحة محاولة إلقاء الضوء على إهمال تلك المباني التي تخطى عمر بعضها 100 عام، ولفت نظر الدولة للاهتمام بالصهاريج وخاصة القديمة منها باعتبارها مبانٍ أثرية".



ترشيحاتنا