يوميات الأخبار

فبركة المقاهى.. وأمن المجتمع

د. محمد حسن البنا
د. محمد حسن البنا

 

لقد تعلمنا أنه لابد من مصادر للمعلومات دوما ، وعلى المصادر أن تقدم المعلومات للصحفيين لنشرها. لكن للأسف الشديد ، الكثير من الأخبار بلا مصادر حقيقية، والكثير من الأخبار مجهولة ومجهلة عمدا.

لا عجب.. فقد اشتهر عن بعض الزملاء فبركة الأخبار ونشرها على أنها حقيقة.! لابد أن أقول إنهم قلة ، مازالت تعيث ضلالا فى مهنتنا الصحفية والإعلامية الشريفة. والأخبار المفبركة أو المزيفة من عائلة الشائعات ، وللأسف نتيجتها نشر الضلال وهدم ثقة الناس فى قياداتهم وتدمير المجتمع وضرب الامن القومى. لهذا اهتمت جماعة الإخوان الإرهابية بإنشاء كتائب إليكترونية مدربة على أعلى مستوى ، تنفق عليها ببذخ لتنفيذ مخططها الذى يستهدف تدمير المجتمع المصرى.
لقد رأيت بارقة أمل فى نتائج الندوة العلمية التى نظمتها كلية الإعلام بجامعة القاهرة برئاسة العميدة القديرة الدكتورة هويدا مصطفى ، عن الأخبار الزائفة وأمن المجتمع. وأتمنى أن يتلوها مؤتمرات وندوات أو حتى قاعات بحث فى مختلف الأزمات الحقيقية التى تواجه المؤسسات الإعلامية والصحفية، تمزج فيها بين الخبرة والعلم للخروج من تلك الأزمات.
أعود إلى ما بدأت به وهو جلوس بعض الاعلاميين والصحفيين على المقاهى لتأليف أخبارهم وتقديمها للنشر على أنها حقائق ، لقد تعلمنا أنه لابد من مصادر للمعلومات ، ولابد أن ننسب المعلومة لقائلها ، ولابد أن نلتقى المصادر دوما ، وعلى المصادر أن تحترم ذلك وتهتم وتقدم المعلومات للصحفيين لنشرها. لكن للأسف الشديد ، الكثير من الأخبار بلا بمصادر حقيقية ، والكثير من الأخبار مجهولة ومجهلة عمدا ، والصحف تنشر دون تدقيق ، وأصحاب الشأن لا ينفون ، عملا بمقولة اللى ييجى منه الريح سده واستريح ! ، أو اللى ييجى من وراه دوشة لا تهتم به ، واعمل نفسك من بنها. وياللعجب هذه النوعية منتشرة بشكل بشع فى الأخبار الرياضية والفنية ، رغم أنها تتميز بالمصادر السهلة. فهى ليست بصعوبة مصادر السياسة والاقتصاد والقضاء مثلا ، والتى تضع محاذير مقيدة للنشر. أمام هذه الظاهرة لابد من معاقبة كل من ينشر معلومات دون مصادر ، وأن يشمل العقاب المحرر والناشر.كما يجب أن يعاقب المصدر الذى يمتنع عن تقديم المعلومات للصحفيين. وهذا دور الهيئات الوطنية للصحافة والإعلام والمجلس الأعلى ، ونقابتى الصحفيين والإعلاميين.
تزييف الفيديوهات
فى ندوة كلية الإعلام حكى نائب رئيس جامعة القاهرة للدراسات العليا الدكتور عبد الرحمن ذكرى واقعة طريفة حدثت معه شخصيا ، بينما كان يجلس فى بيته أمام شاشة التليفزيون وجد إحدى القنوات تذيع خبرا عن اشتعال حريق بمنزله !!. لهذا أكدت الدكتورة هويدا مصطفى أن قضية فبركة الأخبار وتزييفها وترويج الأخبار الكاذبة والشائعات تؤثر على أمن المجتمع ، وتدخل فى إطار التضليل الإعلامى ، وخطورتها مع الإعلام الرقمى أنها سريعة الانتشار والتداول والنقل من خلال المواقع والصفحات الإليكترونية وشبكات التواصل الاجتماعى. ولفتت عميدة الإعلام إلى ظاهرة تزييف الفيديوهات والصور باستخدام الذكاء الاصطناعى ومهارات الفوتوشوب. وتنصح باتباع آليات التدقيق والتحقق من المعلومات والصور والفيديوهات من مصادرها ، وتعزيز قيم الشفافية ، وعلى الإعلاميين التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها. كما يمكن للمؤسسات تشكيل فريق عمل مهمته التحقق من صدق الأخبار ، مع الاهتمام بتدريب الإعلاميين والصحفيين على الثقافة الإعلامية لمواجهة الفبركة.
أما عميدة العمداء الصديقة والزميلة العزيزة الدكتورة ليلى عبد المجيد فتذكرنا بأستاذ الصحافة المثالية أستاذنا الراحل جلال الدين الحمامصى ، الذى علم الأجيال على أخلاقيات مهنية صارمة ، أهمها الصدق والدقة والصحة والموضوعية والنزاهة وتوثيق المصادر. وفى نفس الوقت يحذرنا من اختلاق الأخبار أو فبركتها أو تغطيتها بأسلوب متحيز. لقد تحدث فى الندوة العديد من أساتذة وخبراء الإعلام ومن الصعب حصرهم فى هذه المساحة الضيقة ، وقد أصدرت الكلية كتابا يحوى تلك المناقشات وأوراق البحث والتوصيات، منها أهمية التربية الإعلامية ، وتعزيز تقنيات الذكاء الاصطناعى ، ودعم الابتكار والاستفادة من السوشيال ميديا فى مكافحة الفساد والتزييف ، وبناء مرصد إعلامى يحارب الشائعات والمعلومات المغلوطة.
ما أسعدنى حقا ، وإن جاء متأخرا ، بقرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام استدعاء الممثل القانونى لجريدة النبأ لجلسة تحقيق لنشرعدد من الأخبار الكاذبة حول فيروس كورونا. وكان المجلس حجب موقعا إلكترونيا يدعى opra news «أوبرا نيوز» لمدة 3 شهور لنشره أخبارا كاذبة حول كورونا فى مستشفيات جامعة عين شمس وإثارة الذعر بين المرضى والعاملين والأطقم الطبية، وتبين من تحقيقات المجلس عدم صحة ما نشر، وهناك تحقيقات أخرى بناء على شكوى من جامعة القاهرة ضد موقع القاهرة 24 بتهمة نشر أخبار غير دقيقة حول كورونا فى مستشفيات جامعة القاهرة.
إذن المسألة تحتاج جدية وسرعة وحسما فى التعامل مع الفبركة والشائعات.
ساعات فى المدينة
علاقتى بالرسم لا تتعدى التذوق والإعجاب ، صحيح أننى من عشاق الفن التشكيلى ، أحببته من خلال محاضرات الفنان الراحل صلاح طاهر بكلية الإعلام ، وأحببته من خلال صداقتى بفنان الكاريكاتير المبدع مصطفى حسين رحمه الله ، ومن خلال كتابات ومعارض أخى وصديقى الفنان الكبير دكتور أحمد نوار ، وأيضا صديقى الفنان المبدع الدكتور طارق عبد العزيز. وكنت أقلب فى بريدى الإليكترونى إذ اكتشفت بالصدفة رسالة من الفنان المصرى العالمى أمير وهيب ، وهو فنان تشكيلى من مواليد القاهرة منتصف يونيو ١٩٦٩، تخرج فى كلية الفنون الجميلة قسم العمارة الداخلية يعتبر نفسه « فنان تشكيلى حر « ، يعمل كمصصم للديكور والموبيليا ومصور زيتى «رسام لوحات «، له عديد من المعارض الفردية والجماعية فى مصر ولبنان وإيطاليا وأمريكا بجانب مشاريع الديكور. حقق شهرة عالمية واسعة بدأها بمعرض نيويورك « فن من القلب « ومعرض « رؤية معمارية « فى مكتبة نيويورك العامة لمدة ٤ شهور. وتوج مشواره من خلال معرض « ساعات فى المدينة « ، وفكرته رسم « الساعات « فلا أحد فعل ذلك من قبل ، فكان عليه أن يسير بشوارع نيويورك كل يوم 8 ساعات لمدة ١٠ أسابيع، يبحث عن الساعات والمبانى التى تحمل الساعات ، يأخذ صورا ويعمل سكتشات ، حتى جمع أكثر من ١٠٠ ساعة ، اختار من بينها ٢١ ساعة ليرسمها بريشته فى لوحات بنفس الأبعاد ١٠٠ × ٧٥ سم.كل لوحة تستغرق عملا من ٥٠ إلى ٩٠ ساعة على مدى ٦ أشهر.
أهمية هذا العمل أنه يتسم بالبحث ، وهنا تأتى عبقرية الفنان مع تحريف المنظور ورسم المبنى كامل مع الاحتفاظ بنفس نسبه الهندسية ونقاط التلاشى فى منظوره الحقيقى لرؤية المبنى من جميع الزوايا ، صعودا ونزولا، بما فى ذلك الساعة ، بدون أشخاص ، بدون سيارات، مع اختيار ألوان المبنى والشوارع على حسب انطباع الفنان. المعرض غير مسبوق ، مما دفع جريدة النيويورك تايمز للكتابة عنه وبعض المجلات الأخرى كتبت عنه ووضعت لوحاته على غلافها.
 من مفكرتى
يبدو أن حديث الذكريات ، يجذب الكثير من القراء ، ويثير فى نفوسهم شجون الماضى بحلوه ومره. وقد تحدثت فى اليوميات السابقة عن بعض ذكريات الطفولة والشباب. واليوم تنعش ذاكرتى أيام قاسية مرت بى ومررت بها. عائلتنا مكافحة كأغلب العائلات المصرية ، والكفاح هو ما يمنحك صك حلاوة الحياة ، الأرزاق قسمها الخالق لعباده ، ونرضى بما قسمه الله لنا. والدى - رحمه الله - كان يكدح ليل نهار من أجل إطعام أولاده الستة « 3 ذكور و3 بنات» ووالدتى رحمها الله تساعده وتدبر له المنزل الصغير ، أخى الأكبر رحمه الله ، اختار أن يعمل مهنة أبيه. وأنا اخترت التعليم ، كنت أذهب إلى كتاب القرية عند الشيخ محمد ابوشلبى ، والذى كان فى تحفيظه لنا أصعب من الشيخ أحمد البيومى رحمهما الله. وأذهب إلى المدرسة الابتدائية الوحيدة بقريتى الكفر الجديد مرتديا المريلة المصنوعة من تيل نادية الشهير وفى قدمى القبقاب الخشبى ، الذى تطور بعد ذلك إلى «شنكل جلد» ، أشبه بالصندل ، لكنه مصنوع من جلد كاوتش السيارات «الداخلى والخارجى» على يد عمنا الماهر حسن أبو عزيزة رحمة الله عليه. وفى فترة الصيف كنا نعمل لنساعد والدى فى مصروفات المعيشة. وكان العمل لكل الأطفال الفقراء فى تنقية أوراق شجر القطن من الدود ، بيومية 6 قروش ، تتسلمها أمى - رحمها الله - مباشرة ، لتساعد فى مصروف البيت ، وأحيانا تقول لنا «أحوشهالكم « ، وأحيانا تقول أربيلكم بيها بطة أو فرخة من خزانة الفراخ فوق سطوح بيتنا ، وتشاور لكل واحد على ما تختاره منها ليحفظ شكلها !!.
ذات مرة وأنا أعمل أنا وشقيقى عبده ضمن أنفار وعمال التراحيل ، رحنا نعمل فى عزبة «الدوميه « والتى كانت إقطاعية قبل ثورة يوليو 1952. تم اختيارى لقيادة نورج تقوده جاموسة يلف دائريا فوق القمح ليفصل القش عن الحبوب لتتم بعد ذلك عملية الدراية والتى فيها استخلاص حبوب القمح. تعبت من حرارة الشمس ، وأصبت بالدوار ، ولم أقدر على مواصلة العمل فصممت أن أهرب ، وأعود إلى قريتى التى تبعد عن الدومية أكثر من 5 كيلومترات مابين صحراء وزراعة. وعندما حانت لحظة غابت فيها عين الملاحظ أسرعت تاركا النورج ، ولحظات اقتربت أكثر من قريتى ، وفى الطريق شاهدت السمك الصغير « الشِّرّ « بكسر الشين ، بكثرة فى قناية بين أراضٍ مزروعة بالأرز ، فخلعت جلبابى ، وعقدت الأكمام مع فتحة الرأس وكأنها جوبة صيد ، ونزلت القناية لتمتلئ الجلابية بالسمك ، وبينما انا احكم قبضة الجلابية بيدى إذا بفلاح يصيح ويجرى ورائى السمك.. السمك. لأترك له الجلابية بما فيها وأهرول إلى بيتنا فى انتظار علقة ساخنة من والدى !.
ومن ذكرياتى التى لا تمحوها الذاكرة مرافقة جدى لأمى «على ربيع» - رحمه الله - تاجر فاكهة وخضراوات ، كثيرا ما يترك محله لجدتى ويعد عربة كارو بحمار يجوب بها القرى والعزب المجاورة ليبيعها ، كانت هوايتى أن أذهب معه ، رغم مشقة ذلك. وكان جدى كبيرا فى السن ، ينام على العربة وأنوب عنه فى قيادتها والنداء على الفاكهة والخضراوات وبيعها. كل هذا فى وقت الإجازة الصيفية. ورغم هذه المعاناة الا انها صنعت منا رجالا نستطيع ان نواجه أزمات الحياة.
ويبقى السؤال : لماذا أحكى الآن هذه الذكريات ؟! أحكيها ليتأكد كل انسان ، خاصة الشباب ، أن النجاح والتفوق فى الحياة يأتى من رحم المعاناة ، وأن وراء كل انسان ناجح قصة كفاح مليئة بالمآسى والافراح ، وأن الصفر لا يستمر صفرا بل يعلو إلى أرقام ، فلا تستصغرن شيئا عشته ، فقد كان لبنة فى صرح حياتك.! وإلى لقاء آخر مع مفكرتى.