يوميات الأخبار

نحن والعالم.. فى زمن الوباء

محمد بركات
محمد بركات

 

كل الأفكار والرؤى التى تحاول استشراف آفاق المستقبل لعالم ما بعد كورونا، تؤكد جسامة المتغيرات المتوقعة، وأنه سيكون مختلفا عما كان قبله.

كلنا فى هذا العالم ودون استثناء كنا ومازلنا نعيش فى ظلال الانعكاسات والتأثيرات، الناشئة عن جائحة الوباء المستشرى والمتفشى فى مشارق الارض ومغاربها، والمنتقل فى تسارع مذهل بطول وعرض كل الاتجاهات والمحاور على كوكب الارض الذى نحيا عليه.
والكل دون استثناء كان ولايزال خاضعا لحالة الحبس الانفرادى الاجبارى والتباعد الاجتماعى القسرى، الذى استسلم له الجميع طوعا أو كرها طوال الشهور الماضية منذ نهاية العام الماضى وبداية هذا العام غير المبشرة وحتى الآن.
هذه الحالة من الخضوع والاستسلام الاجبارى كان من الطبيعى ان تولد شعورا متفاقما ومتصاعدا من الضيق والتبرم، لدى عامة الناس وعموم المجتمعات الانسانية على اختلافها وتنوعها وتعدد السنتها، خاصة بعد أن خابت ظنون جميع من تصوروا فى بداية الوباء، انه حالة مؤقتة، لن تدوم سوى عدة اسابيع معدودات، ولن تلبث أن تنقشع بعدها أو تتراجع حدتها، وتنزوى لتدخل فى اطار الإصابات أو الوبائيات أو الأمراض الفيروسية العادية والمألوفة والمسيطر عليها مثل الانفلونزا ونزلات البرد وغيرها، مما اعتدنا عليها وتعايشنا معها.
ولكنها للأسف لم تنقشع ولم تتراجع، بل ازدادت حدة وشراسة وانتشار وتفشيا وراحت «تبرطع» وتعيث فى الارض فسادا، وفى رقاب وأرواح البشر حصدا، فى كل مكان تصل إليه وكل دولة تدخلها أو تحط عليها.

اجتهادات وأفكار
وفى ظل هذه الأحوال المتغيرة وغير المسبوقة، التى فرضت نفسها غضبا وعنوة على كل الدول والشعوب،...، وجعلت العالم كله يعيش أزمة طاحنة، لم يشهد لها مثيلا من قبل طوال القرن العشرين، رغم ما مر به من أوبئة وجائحات، تنوعت وتعددت ما بين انفلونزا الخنازير، وانفلونزا الطيور، وسارس، وايبولا.. وغيرها،..، كان من الطبيعى أن تتدافع على السطح اجتهادات وفرضيات وتوقعات كثيرة ومتنوعة، جادت بها قريحة وعقول المفكرين والسياسيين وخبراء الاقتصاد وعلماء الاجتماع وعلم النفس ايضا.
وفى هذا السياق تعددت الرؤى والافكار التى تخوض فى قراءة الواقع المعاش فى العالم كله، فى كنف الوباء والجائحة التى غمرت كل الدول والشعوب فى تأثيراتها وتداعياتها وعوارضها،..، كما تعددت وتنوعت الافكار والرؤى التى تحاول استشراف افاق المستقبل، الذى سيكون عليه حال العالم والبشر بعد زوال الغمة وانقشاع الأزمة فى موعد لايعلمه الا الله، ويصعب علينا نحن البشر تحديده، فى ظل العجز البادى حتى الان من جانب الدول الكبرى والصغرى فى التوصل الى علاج ناجع يقضى على الفيروس الكورونى، أو الوصول الى «ڤاكسين» أو «لقاح» يقى من الاصابة به، ويحمينا من الوقوع ضحايا له.
وكانت أكثر السياقات ترددا فى هذا الشأن، هى شبه الاجماع من كافة اصحاب الرؤى والافكار والاجتهادات، على جسامة حجم واتساع المتغيرات التى ستطرأ على حياة البشر، وسلوك المجتمعات والشعوب فى كل انحاء العالم، نتيجة الوباء الذى اجتاح الجميع، وما نجم عنه من اثار وانعكاسات وتداعيات أسقطت مسلمات كثيرة وغيرت ثوابت عديدة، كان الظن بها أنها مستقرة وثابتة لسنوات قادمة.

أمريكا.. والصين!
ورغم تعدد وتنوع الرؤى والافكار فى هذا الاستشراف المستقبلى، إلا أن الأكثر شيوعا بين هذه الرؤى وتلك الافكار، هو الميل الى الأخذ برؤية تؤكد، أن العالم لن يعود الى ما كان عليه من أوضاع وعلاقات قوى وتوازنات وتحالفات قبل الوباء، الذى حل عليه ضيفا غير مرغوب فيه ولا مرحبا به على الاطلاق، مع بدايات العام الجديد ٢٠٢٠.
ويرجح القائلون بهذه الرؤية ان العام الحالى ٢٠٢٠ سيكون نقطة الفصل بين ما كان قبله وما جاء بعده أو ما سيكون بعده.
وقد حظيت المقارنة بين كل من الولايات المتحدة الامريكية والصين، والسباق أو التنافس القائم بينهما، على احتلال المقعد الأول والأكثر تقدما على المستويين الاقتصادى والتكنولوجى فى العالم، بالنصيب الأكبر والاوفر حظا بين هذه الرؤى، حيث يرى أصحاب هذه الرؤى، أن ما جرى ويجرى من تأثيرات شديدة وواضحة للوباء، على الساحة العالمية كلها، قد كشف  القصور الشديد لدى الولايات المتحدة الامريكية، فى القدرة على قيادة النظام الدولى بصفة عامة، فى ظل مابدا من خلل جسيم فى الكفاءة الادارية والرعاية الصحية والنظام الطبى بها، فى مواجهة الوباء،..، وهو ما لا يليق بالدولة الاقوى والاعظم فى العالم كله، بل ويشكك فى قدرتها واستحقاقها لتبوؤ مقعد قيادة العالم.
ويقولون انه فى مقابل ذلك وعلى عكسه تماما ظهرت الصين اكثر مقدرة على التعامل النشط والفاعل مع الوباء، رغم أنها كانت البؤرة الاولى التى انطلق الوباء منها للعالم، الا انها استطاعت السيطرة عليه فى فترة زمنية قصيرة نسبيا، وذلك من خلال اتخاذ سياسة واضحة وحازمة على المستويات السياسية والادارية والطبية،..، وهوما صب فى صالحها على المستوى الدولى.
وفى ذات السياق القائم وعلى أساس أن العالم لن يعود الى ما كان عليه قبل الوباء، يرى المؤيدون لهذه الرؤية، أن العلاقات والاوضاع الأوروبية ـ الأوروبية لن تعود كما كانت قبل يناير ٢٠٢٠، بعد ان أصابها عطب شديد نتيجة الوباء،..، خاصة بعد ان تقاعست الدول الاوروبية عن الوقوف مع ايطاليا واسبانيا خلال اجتياح الوباء لهما، وما تعرضتا له من أضرار وخسائرهائلة لم يكن احد  يتوقعها،..، بينما وقفت الصين معهما وكذلك روسيا ايضا،..، وهو ما دعا بعض المفكرين والمنظرين السياسيين لتوقع اتساع رقعة الخلل فى المنظومة الاوروبية، بل وأيضا فتح الباب امام اعادة النظر فى الاعمدة الرئيسية التى يقوم عليها النظام الدولى، فى ظل حالة الاضطراب وعدم اليقين التى يمر بها الآن.

عالم متغير
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بلغ التطرف فى وجهة النظر تلك الى حد قول بعض المؤيدين لها وتأكيدهم، على أن العالم سيشهد تغييرا كبيرا جدا فى التوجهات والمبادئ والافكار العامة   السائدة الآن فى العالم الغربى، قد تصل الى ان العالم سيتغير بلا رجعة بسبب الوباء الكورونى الذى يجتاح العالم الآن، وأن ما سيكون بعد الفيروس لن يكون ابدا مشابها لما كان قبله، وأننا سنشهد بالفعل بداية النهاية للنظام الدولى الذى ساد بعد الحرب العالمية الثانية.
كما اننا سنشهد انحسارا كبيرا لسيطرة النظام الليبرالى، والوجود الفاعل لدوله وقواه العظمى فى السيطرة على مقاليد العالم، وان هذا الانحسار بات ملحوظا الآن، فى تقلص الدور الامريكى وايضا خفوت الدور الاوروبى وغيبة الفاعلية والحضور عنه.
وفى نفس السياق يرون ويؤكدون، ان عالم ما بعد كورونا أو «كو  فيد ١٩» سيشهد، بداية صعود الدور والوجود الصينى الفاعل على الساحة الدولية، وانتقال القيادة الدولية فى العالم من الغرب الى الشرق، على أن تتولى المقدمة الصين بدلا من الولايات المتحدة خاصة فى المجال الاقتصادى.
لكن هذه ليست كل الآراء وكل الرؤى التى يقول بها أو يجتهد فى طرحها مجموعات المفكرين والسياسيين وخبراء الاقتصاد وعلماء الاجتماع وعلم النفس، بل هناك العديد من الرؤى المخالفة لذلك، حيث يرى بعض هؤلاء صحة التوقعات بوجود متغير ولكنهم يؤكدون أنه لن يكون على هذه الدرجة من الحدة والقوة،..، ويرون ان ما سيلى «كورونا المستجد» أو «المستبد» كما يحلو للبعض ان يطلق عليه، لن يكون مخالفا بالكلية لما كان قائما قبلها، ولكنه سيكون امتدادا اكثر عمقا للظواهر والمتغيرات التى كانت تجرى، ولكن بتسارع اكثر،..، حيث سنشهد مزيدا من التقدم الصينى لاحتلال مقعد متقدم فى المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، ولكن مع استمرار الولايات المتحدة فى المقدمة لسنوات عديدة قادمة،..، كما سنرى مزيدا من التفكك فى المجموعة الاوروبية قد تتسارع وتيرته عما كان يحدث بالفعل، وما اسفر عنه الخروج البريطانى من الاتحاد الاوروبى.
ولكن ما يلفت الانتباه، هو الاجماع الشامل من كل اصحاب الرؤى والافكار، على خطورة الاوضاع الاقتصادية العالمية نتيجة الوباء وما سينجم عنه من تدهور حاد وكبير فى اقتصاديات كل دول العالم دون استثناء.

ركود اقتصادى
وفى هذا نستطيع القول بأنه على الرغم من اختلاف وتعدد الاجتهادات والرؤى بخصوص الاستشراف للمستقبل ما بعد الوباء،..، إلا أن هناك اجماعا على ان القادم سيكون متغيرا عما كان قائما، وذلك نظرا لضخامة الآثار والتداعيات التى احدثها الوباء فى كل الدول وعلى كل الشعوب بامتداد العالم واتساعه، سواء فى ذلك الدول الاكثر تقدما أو الاقل تقدما ،..، وان اكثر هذه التداعيات والآثار ستكون فى المجال الاقتصادى.
ويتفق كل الخبراء على ان المعاناة الاقتصادية ستكون شاملة على مستوى العالم، ومتفشية بين كل الدول والشعوب، حيث سيشهد العالم.. بل بدأ بالفعل فى شهود حالة متفاقمة من الركود الاقتصادى، نتيجة توقف شبه كامل لكل أدوات ومصادر الانتاج، وتباطؤ أو توقف المصانع وكافة الانشطة الخدمية والانتاجية فى كل الدول، مثل السياحة والطيران والتجارة والاستثمار وغيرها وغيرها، وكذلك توقف المؤسسات والشركات عن العمل فى كافة الدول، بسبب الاجراءات الاحترازية وحظر التجمعات، وكافة الاجراءات الاضطرارية الأخرى التى اضطرت بل اجبرت الدول الى اتخاذها لحماية مواطنيها،..، ولكنها رغم اهميتها وضرورتها للحماية من الفيروس المرعب والقاتل، إلا أنها أدت الى تدهور حاد وشديد فى الوضع الاقتصادى فى كل الدول،..، وأصبحت كل الدول والشعوب على شفا كارثة اقتصادية شاملة، بل انهيار اقتصادى عام وشامل،..، واصبحت دول العالم مهددة بالفعل ليس بأزمة اقتصادية أو كارثة اقتصادية طاحنة فقط.. بل اصبحت مهددة بأن لاتجد قوت مواطنيها.. اذا ما استمرت الحال على ما هى عليه من توقف لعجلة الانتاج.
من أجل ذلك أصبحت كل الدول الآن تسعى جاهدة للسير على طريقين متوازيين يحققان بدء اعادة تشغيل عجلة الانتاج، واستئناف سبل الحياة وآليات العمل، مع الحفاظ على سلامة وصحة المواطنين، باتخاذ كافة الاجراءات الاحترازية اللازمة والضرورية،..، يتساوى فى ذلك كافة الدول والشعوب، كبيرها وصغيرها على امتداد خريطة العالم كله،..، والمتوقع الوحيد هو استمرار ذلك السعى من كل دول العالم، الى ان يحدث الله أمرا كان مقدورا،..، ولله الأمر من قبل ومن بعد.