حديث الأسبوع

قراءة أولية فى لحظة ضعف غامض

 عبدالله البقالى
عبدالله البقالى

 

 عبدالله البقالى

إلى أمد قريب جدًا لم يكن يخالجنا أدنى شك فى قدرة القوى العظمى فى العالم، فى شرقه كما فى غربه، على خوض أشرس الحروب وأكثرها فتكًا، ويكون الرابح فيها أكبر الخاسرين منها، ولم نكن نشك، ولو بالنزر القليل، فى جاهزية هذه القوى على مواجهة أخطر التحديات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. كانت الصورة النمطية التى رسمها الرأى العام العالمى وكرستها طبيعة العلاقات الدولية السائدة ورسختها وسائل إعلام خدومة لأجندة المصالح الاقتصادية لهذه القوي، تحاصر جميع القناعات الفردية والجماعية، والتى صنفت هذه القوى العالمية من الكيانات التى لا يمكن أن تقهر أو يطالها الضعف.
إلى أمد قريب جدا كان الرأى العام العالمى منشغلا بجدول أعمال فرضته هذه القوى العظمي، إذ كان التسابق نحو الأخبار المتعلقة بحجم الدمار الذى يطال العديد من المناطق بسبب الحروب الملتهبة فيها، والتى تمثل بدورها لحظات اصطدام عنيف بين المصالح الاقتصادية والجيواستراتيجية وتضارب فى تدبير تعدد القيم الثقافية والدينية والسياسية، وكان اللهاث وراء ما استجد فى مسار الخلافات الحادة بين القوى العظمى حول قضايا تتعلق بالمناخ، وكان أن شدنا إليه آخر تقرير صادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية صدر تحت عنوان (بيان المنظمة العالمية للأرصاد الجوية عن حالة المناخ العالمى فى سنة 2019) بأن نبهنا إلى أن «العالم سيشهد فى السنوات الخمس المقبلة رقما قياسيا جديدا يتعلق بارتفاع سنوى فى درجات الحرارة العالمية» ولفت انتباهنا المسئول الأممى الأول السيد أنطونيو جوتيريس فى مؤتمر صحافى بالقول «إن 2020 سنةً محورية لمعالجة حالة الطوارئ المناخية»، مشيرا إلى أن الاحترار العالمى يتسارع، وأن 2019 سجلت أعلى درجة حرارة بعد عام 2016.
ولم تبخل علينا مختلف وسائل الإعلام بكميات هائلة من الأخبار المتعلقة بالمصير القاتم للمناخ، وبخطورة انسحاب الإدارة الأمريكية من اتفاقية المناخ العالمية.
إلى أمد قريب كانت الحرب الاقتصادية الملتهبة بين الصين والولايات المتحدة تقبض بأنفاس العالم، الذى كان يتوقع بأن تنقل إلى مرحلة المواجهة المسلحة فى كل لحظة وحين، بالنظر إلى قوة تسارع احتدامها، وهى فى حقيقتها حرب حول تدبير المصالح الاقتصادية التى تواترت لحظات اصطدامها المتكررة، وحرب ضروس حول حقوق الملكية الصناعية وعلاقتها بالاستنساخ، إذ هناك من يبدع فى الاختراع والاكتشاف، وهناك من يحسن تدبير مرحلة ما بعد الاختراع، وهى مساحة فارغة فى مجال تنظيم وتقنين التجارة العالمية. ولن نجد أدق مما قاله بولتون، رجل البيت الأبيض القوى الذى تخلص منه الرئيس ترامب، حينما صرح أمام حشد من المتخصصين فى مؤسسة «هريتدج» للأبحاث قائلا «إن الأولوية لدى واشنطن تتمثل فى تطوير علاقات اقتصادية، فالمنافسون على القوى العظمي، وتحديدًا الصين وروسيا يوسعون نفوذهم المالى والسياسى على نحو سريع فى أنحاء إفريقيا، إنهم يوجهون استثماراتهم فى المنطقة عن عمد وعلى نحو عدائي، أى لنيل أفضلية تنافسية على الولايات المتحدة الأمريكية».
هذه كانت دائرة انشغال الرأى العام العالمى مرسومة بدقة متناهية، تجعل قضايا القوى العظمى الأكثر حضورًا فى اهتمامات العالم بأسره، لكن فجأة اهتزت هذه المنظومة التى تجذرت لحقب طويلة من السنين، وبدون أية مقدمات اتضح أن القوى العظمى التى لا تقهرها أكثر الحروب فتكًا، انهزمت أمام عدو صغير الحجم لا يرى إلا بواسطة الآلات المجهرية الأكثر تطورًا، لكنه عدو فتاك أزهق أرواح مئات الآلاف من الأشخاص، وأدخل الملايين غيرهم المستشفيات بعد إصابتهم، وخلف انهيارا اقتصاديا عالميا خطيرا غير مسبوق، يصعب توقع حجمه الحقيقى وتداعياته ومدة تعافيه. وفى لحظة زمنية غير مسبوقة فى أمدها لم تعد ما كانت وسائل الإعلام تروج له من أخبار الحروب بمختلف أشكالها العسكرية والاقتصادية، والخلافات الحادة على المناخ، والسباق نحو التسلح، تحظى باهتمام الرأى العام العالمي، وتوارت من مواقع الأولوية فى الانشغالات، بعدما ألقت بها إلى الخلف الأخبار المتعلقة بدخول عدو جديد حلبة التجاذب، وتقدمت إلى المقدمة قضايا لم تكن تحظى بما يتلاءم مع حجمها من أهمية وعناية، من قبيل متانة وقوة المنظومات الصحية فى العالم، التى تعيش موازاة مع استمرار الوباء فى الانتشار امتحانًا حقيقيًا قاست خلاله قدرتها على تلبية الاحتياجات الطارئة، خصوصًا فى لحظة الأزمات الطارئة، ولم يكن خافيًا على أحد، أن كثيرًا من المنظومات الصحية القطرية فى دول متقدمة لم تكن فى مستوى مواجهة الطارئ، ومن قبيل استعداد وجاهزية البحث العلمى لتخليص العالم من هذا العدو الفتاك، وأدرك العالم الحاجة الملحة للبحث العلمى فى حماية أمن وسلامة واستقرار الأفراد والجماعات، وتأكد للبعيد من مراكز القرار قبل القريب منها مدى تفاهة الأوليات التى كانت سائدة ولاتزال، حيث تساوى قيمة لاعب كرة قدم واحد قيمة آلاف من العلماء فى أكثر التخصصات تعقيدًا وصعوبة، ومن قبيل قدرة الدولة الوطنية على مواجهة التحدى الجديد، والمتمثل فى احتضان الاحتياجات الاجتماعية للمواطنين، فالدولة الوطنية بمفهومها القطرى الجغرافى يجب أن تكون الحاضنة المستجيبة لاحتياجات المواطنين فى الصحة والتعليم والشغل والتغطية الاجتماعية، عكس الدولة بمفهومها العالمى التى تسلم رقبات الأفراد والجماعات إلى اللوبيات الاقتصادية التى تأخذ شكل عصابات اقتصادية عالمية.
وقبل هذا وذاك، أجبرنا هذا العدو الوافد الجديد على تغيير كثير من العادات السلوكية الفردية والجماعية، فى أنماط الاستهلاك، والنظافة، والتسويق، كما أجبرنا على إعادة النظر فى أشكال التواصل والروابط من تباعد اجتماعى وطريقة التحية والتخاطب، كما فرض علينا مراجعة كثير من القيم المتعلقة بالتضامن. هى كلها أنماط تغيير ومراجعة وإعادة النظر، لم تنجح كل محاولات وجهود الباحثين والعلماء والمختصين ووسائل الإعلام فى إقناعنا يوما بالإقدام عليها، إلى أن اقتحم هذا العدو الذى نجهل عنه كل شيء فى حياتنا وامتثلنا لشروطه بخنوع كامل وعن طواعية.