يوميات الأخبار

رمضان واحد والناس مختلفون

د. مبروك عطية
د. مبروك عطية

 

وكان المعهود عنها رحمها الله أنها لم ترق مريضا حتى قام من فراشه كأنه ما مر بمرض.

 بئر العبد وكلنا إلى الله راجعون
الأحد:
فى رمضان شهر القرآن دعوة الله تعالى الذى أنزله فيه هدى للناس، تتساقط أبدان الأبطال فى دمائهم على رمال الطهر تزيدها طهرا، وتصعد أرواحهم إلى بارئها حيث وعد بجنات وعيون، وحكم عليهم بأنهم أحياء عنده سبحانه يرزقون، وكلنا إلى الله راجعون، لكن هناك فرقا فى تلقى النبأ، أن تتساقط الأبدان بسبب علة مرضية، أو بسبب كفاح لأهل البغى الذين صار جهادهم دينا ؛ لأن ديننا دين الحياة، فلا يكون منا غير التسليم والرضا، ودعوة واحدة تتضافر حولها الأصوات الراضية، بأن يرحمهم الرحمن الرحيم، وبين أن تتساقط بيد الغدر والخيانة، على يد جيف عفنة يقال إنهم مسلمون، فلا تخلص الدعوة بالرحمة المضمونة، وإنما تشاركها دعوة أخرى بلعنة من اغتالهم، وزعم اغتيالهم نصر لهم ولأوليائهم الجاهلين الذين خاضوا فيما لا يعلمون زاعمين بأنهم عالمون.
وكثير من الناس يقولون: حتى فى رمضان! وفى وباء الكورونا! وأقول: فى القرآن الكريم آيات أسميها آيات التعزية، أى آيات التقوية من قبل ربنا الذى لم يتركنا لفلسفة غامضة، ولا لتأويل بعيد عن الحق يجعلنا ننتحب، وننزف الدماء بديلا عن الدموع، ومن تلك الآيات قوله تعالى فى القرآن الكريم: «قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى» فالقرآن واحد، لكن المتلقين له مختلفون، فمنهم من يزيده القرآن الكريم هدى وجمالا، وهم المؤمنون، ومنهم من يزيده القرآن نفسه غيا وضلالا، وهم الذين لا يؤمنون، أى أن المصدر واحد، ولكن الناظرين إليه ليسوا على قلب واحد، يهدى به الله من اتبع رضوانه، ويضل به من عمى، واستحب العمى على الهدى، وكذلك رمضان، لا يتغير، وإنما يتغير الناس كما تغيروا فى نظرتهم للكتاب الكريم، هو شهر البر والرحمة والعتق من النار، وهو نفسه شهر الفجور والكفر والضلال، والسعى إلى جهنم التى لم تغلق أبوابها فيه بالنسبة إلى هؤلاء، إنما تغلق أبواب الجنة المفتحة فيه لأصحاب باب الريان الخاشعين الصائمين المتصدقين، فلا عجب، وإنما تلك هى الحقيقة التى تعلمنا كيف نتعامل مع هؤلاء الذين قال فى مثلهم عثمان بن عفان -رضى الله عنه -: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» أى أن الله يدفع الأشرار بالجهاد المادى فى قتالهم لا بالقرآن الكريم، إنما يدفع القرآن الكريم الناس عن غيهم بكلماته التى تتنزل على قلوبهم خشية، ويكون كما قال الله تعالى وجلة قلوبهم من عذاب الله، فالناس إما يتعظون بكلمة، وإما يتعظون بقذفة، ومن قديم سمع أحد طلاب العلم أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قرأ الفاتحة على رأس مريض فشفاه الله، وأن رجلا من معاصريه قرأ الفاتحة على رأس مريض فازداد وجعا ؛ فقص ذلك على مسامع شيخه؛ فقال له: وما العجب يا ولدى ؟ هذه هى الفاتحة فأين هو عمر؟
ونقول بقول هذا العلامة، نعم يا أيها الناس، هذا هو رمضان فأين هم عباد الرحمن، الذين يزيدهم رمضان من الله قربا، وبالناس رحمة وإحسانا، فلا تتعجبوا من حدوث شنيعة فى رمضان، أو فى ظل وباء اجتاح البشرية على وجه الأرض لم يكن وهيهات أن يكون بالظل الظليل، إنه كظل جهنم لا ظليل ولا يغنى من اللهب، والناس فى البلاء إما متعظ يقرأ آيات الله فى الذين خلوا من قبلنا : مستهم البأساء والضراء فما تضرعوا، ففتح عليهم ربنا أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذهم بغتة، وقال الله فيهم: «فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم» وإما أنه يلهو ويعبث كما يلهو الطفل غير المميز الذى يلعب فى أسلاك الكهرباء المكشوفة ولا أحد ينتبه له حتى ينقذه، فمصيره حتما إلى زوال، وصدق الله العظيم القائل: «وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها " لا رمضان ولا الوباء يحمل القلوب القاسية الكافرة على الرحمة، رحم الله شهداءنا الأبرار وألحقهم بأهل بدر شهداء رمضان، ومنح أهاليهم وكلنا أهلهم صبرا جميلا من لدنه، وحفظ تراب مصر من غدر كل غادر ولو حملت الأوراق أن جنسيته مصرى كما حملت: مسلم، وما هو بمصرى ولا بمسلم، ولكنه ولى للشيطان، وعدو للإنسان، عدو للحياة، وحرمه تلك الحياة على يد المجاهدين من قواتنا المسلحة وشرطتنا المدنية، ولا ألبسهم الله ثوب عافية بها يكدرون علينا صفاء شهرنا، ويقتلون خيرة أبنائنا، ويوم القيامة حسابهم عسير فما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، أما من تعمد قتله فقد باء بغضب الله من حيث وسوس له شيطانه أنه يعمل فى رضاه، وله أعد الله جهنم، وساءت مصيرا.
أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك
الاثنين:
تحدثنا سورة النمل عن مجلس سليمان عليه السلام حيث سأل جنوده الذين سخرهم الله له فقال: أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين، فقال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين.
وكان مقام نبى الله سليمان -عليه السلام- ساعة من الزمان، لكنه استبعد الساعة، فلم يقنع بما قال العفريت، وعندها قال الذى عنده علم من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، أى انظر فقد أتيتك به؛ فنظر فرآه قد استقر بين يديه، وعندها قال: هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر والعلماء المفسرون يقولون إن هذا الذى عنده علم من الكتاب لم يكن ساحرا ولا ذا قوة خارقة، وإنما دعا الله باسمه الأعظم الذى إذا دعى به أجاب، فاستجاب الله له، وأحضر عرش الملكة من سبأ باليمن إلى حيث كان نبى الله سليمان يقيم ببيت المقدس فى فلسطين، حيث لا زمن يعتد به، والله تعالى إذا أجاب فى الحال فلا زمن ؛ لأنه خالق الزمن.
وخلاصة ما انتهى إليه بحثهم فى هذا الاسم الأعظم أنه لفظ الجلالة (الله)، واجتمعت كلمتهم على من دعا الله بلفظ الجلالة (الله) فقد دعاه بجميع أسمائه الحسنى، فلما قال: يا ألله، أو اللهم أجاب الله دعوته، وأتاه بما سأل نبيه سليمان عليه السلام، أى بعرش بلقيس.
وفى حديث ابن عباس الذى رواه البخارى فى صحيحه يقول:"لم يزد خليل الله إبراهيم عليه السلام وهم يلقونه فى النار على قوله: «حسبى الله» فلما قالها قال الله للنار: كونى بردا وسلاما على إبراهيم، قال حسبى الله بدون ونعم الوكيل، فأبطل الله عمل النار، لأنه هو خالقها وخالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، والذين قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل من صحابة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قال الله فيهم: «فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء» وخرجوا جرحى من أثر أحد، لكى يقاتلوا أعداء الله فلم يقاتلوا أحدا حيث صرف الله أعداءهم، وخلفوا طعامهم وكان اسمه السويق، فأكله المسلمون وعادوا سالمين.
ونحن نقول: يا الله، كما قال الرجل الذى أجابه الله ؛ فأتاه بعرش الملكة، لأننا بلا شك لسنا مثله، ونقول حسبى الله ونعم الوكيل ولكن لم نأكل سويقا ولا سمكا، وزدنا الأمر خروجا عن بابه، حيث بات ملايين المسلمين يفهمون أن حسبى الله دعاء على من ظلمنا، وما هى والله بدعاء على أحد، وإنما معناها أن الله كافينا، وناصرنا، وموفقنا إلى ما فيه طاعته ورضاه.
إن لفظ الجلالة لم ولن يتغير، ومعنى حسبنا الله لم يتغير عند من فقه دينه، وقد غيرناه بسقم من مواريث غبية، وخرجت منا كلمات الإنقاذ حروفا تتحرك بها الشفاه، وقلوبنا لم تزل خالية من نورها، نحن فى حاجة إلى أن نتغير حتى تبقى الثوابت ثابتة، والآيات ناطقة، والأيادى شاهدة فيكشف الله عنا كل وباء، ويكتب لمرضانا الشفاء، باستجابته منا الدعاء.
 الشىء الغالب
الثلاثاء:
كنت فى قريتنا دبركى بالمنوفية منذ أسبوع، وجاءت سيرة فلاحة توفاها الله تعالى منذ ثلاثين سنة، وقد عرفتها حق المعرفة، وكان المعهود عنها رحمها الله أنها لم ترق مريضا حتى قام من فراشه كأنه ما مر بمرض، وكان أهل المريض إذا قصدوها ووجدوها فى دارها نشطة غير نائمة، أو غائبة عن الدار استبشروا بأن العافية سوف تأتى، وكانت لا تتأخر، ولم تكن تزيد فى رقيتها عن ذكر اسم الله، والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، وتقول رقيتك بما نزل على قلب سيدنا محمد، ولا تجلس، بل تنصرف إثر قولها له : قوم بالصلاة على النبى؛ فيقوم، وذكرها كل من سمع سيرتها بالغالب الذى كانت عليه، وهو أنها فى أحلك الظروف كانت تقول : يا نهار أبيض، عاشت عمرها لا تسب الدهر، ولا تلون الأيام والليالى بغير البياض، وهى بلا شك كانت -وأنا من الشاهدين -صوامة قوامة قليلة الكلام، تساعد الفقراء، وتعطف على المساكين، وتقرض المحتاجين، لكن هذا هو الغالب، الأمر الذى يذكرنى بما قالته السيدة نفيسة رضى الله عنها حين بلغها أن الإمام الشافعى رحمه الله قد مات ؛ فقالت: سبحان الله رحم الله الشافعى، كان رجلا يحسن الوضوء، ولاشك أن الشافعى كان يحسن كثيرا من الأشياء، فى طلبه العلم، ونشر الفقه، والصحبة لذكر الله، وقول الحق، لكنها ذكرته بالغالب، والوضوء إذا حسن حسنت الصلاة، ولمعت الوضاءة فى الوجه الذى لم يتوقد بنور الكهرباء ولا نور القمر، ولكن من نور القلب الذى إذا أبصر فقد أبصر فى حياة صاحبه كل شيء، وإذا أظلم فقد أظلم كل شيء، وصدق الله العظيم حيث قال: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور».
وقد يعنى بالذكر الأهم، وهذا منه، ألا ترى أن الكافرين لا يقيمون الصلاة، ولا يشهدون لله تعالى بالوحدانية ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ولا يصومون ركنا ولا نافلة ولا يتطوعون فى عمل بر، ولا يجتمعون على خير، ولا يتعاونون على تقوى، وألف لا، وحين ذكرهم الله تعالى نفى عنهم إيتاء الزكاة ونفى عنهم الإيمان باليوم الآخر؛ فقال فى سورة فصلت: «وويل للكافرين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون».
فخص الله تعالى هذين بالذكر كأنهما صلب هذا الإيمان لما تقوم عليه الزكاة من طهارة مال المزكى، وتزكيته، وإطعام المساكين الذى يعد من اقتحام العقبة، عقبة النفوس المجبولة على الشح والحرص، وعقبة جهنم التى لا ينجو منها إلا الأبرار المتقون، قال ربنا تعالى: «فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة».
ولم يزل كثير من الناس يعرفون أن أصحاب اليمين هم الذين يأكلون ويشربون ويلبسون باليمين ناسين الجوهر الذى يقوم عليه أصحاب اليمين من فك الرقاب وإطعام الطعام، والتواصى بالصبر والتواصى بالرحمة زمانا ومكانا ومصدرا عاما، أى ورحمة مجسدة بأعمال كل ما فيها إشعار للمحتاجين بأن حولهم قلوبا ناطقة بالعطاء، وهم مع ذلك يستعملون اليمين تبركا بخير من استعملها وهو بالمؤمنين رءوف رحيم، بل للعالمين رحمة مهداة ونعمة مسداة صلى الله عليه وسلم.