يوميات الأخبار

الواقعية من إبسن لنجيب محفوظ «٣-٣»

يسرى الجندى
يسرى الجندى

 

ولكن هذا بإيجاز يؤكد ذاك الخضوع لحركة الواقع خضوعاً كاملاً وانتفاء إمكان التحقيق للتجربة التراچيدية.

رد الإسلام على إخفاقين فى الواقع.
 قبل أن نفتح ملف الواقعية فى أعمال نجيب محفوظ حيث الواقعية تجلت فى الرواية قبل المسرح، نتعرف على ملف أوسع لتجربة نجيب محفوظ...
كما أن التجربة اليونانية أتاحت حالة من الاتساق النسبى فى التنظيم الموضوعى للحياة ما بين التجربة الجمعية وبين الإبداع فى التجربة الفردية نتيجة لحرب البيولينيز، انهار المبدأ الذى يعبر عن الترويج للديمقراطية فى أثينا وظهرت طبقة متوسطة أطاحت بالكثير من القيم القائمة..
نحن نجد فى فترة يوربيدس هذا بداية مذهب الشك وسيطرة السوفسطائيين على عقول الشباب واختلال الصلة الباقية للأثينيين بالأساطير الدينية وما تمثله حين بدأ النظر إليها من زاوية خاطئة بإخضاعها للتفكير العلمى وذلك تحت ضغط عوامل التمزق الاجتماعى والتاريخى للفترة وما يمثله عموما من تأكيد مثل النجاح الاجتماعى، واختلت بالتالى صلتهم بحقيقة التجربة التراچيدية بل أخضعوا كل ما يعنيه ذلك للتساؤل، تساءلوا عن صلة ذلك بالحياة اليومية وما تبدو عليه من وطأة، وما نشير إليه من خضوعهم لصراع مُلِح واضح أصبح يبتعد فى ازدياد عن كل ما له صلة بعالمهم السابق...
وقد يبدو من الغريب أن الذى أعلن جزعه على أفول التراچيديا وهاجم يوربيدس فيما تخلى عنه من التجربة التراچيدية هو نفسه من ازدهرت الملهاة على يديه لكى تحل أزاء أفول التراچيديا ونعنى به أرسطوفانيس، ولكن الأمر كان يبدو سقوطا لا شيء يحول دونه حيث استحالت التجربة الداخلية كما خلفتها التراچيديا إلى وهم ولم يعد يبدو فى الحقيقة سوى وطأة الواقع الاجتماعى اليونانى أو ما يحيط به من واقع تاريخى بدأ يتصدر حركته الرومان. لقد كانت ملاهى أرسطوفانيس رغم ما ينطوى عليه ازدهارها من تأبين للتراچيديا، تحمل الشيء الكثير من روح أثينا الطليقة ولكن حتى هذه الروح يجرى فيها تدريجيا الامتداد فى حركة الضرورة. فإلى أن تظهر ملاهى ميناندر، حتى تكون تلك الروح العظيمة قد تلاشت تماماً. ويرى ذلك واضحاً فى ملاهى هذا الكاتب حيث تنبئ ملاهيه بأن كل ما كان لأثينا من قوة باطنية غريبة علينا قد اندثر.
>>>
 وإذ تأتى ملاهى ميناندر ثم بلوتس وتيرنس - ولا شيء غير الملاهى - فنحن حيال عالم الطبقة المتوسطة، فهى - الملاهى - تتناول تفاصيل الحياة اليومية لهذه الطبقة مؤكدة ما يعنيه عالمها، بكل ما يحكمه من علاقات.
ويلمح ألارديس نيكول إلى وجود تشابه بين المسرح فى هذه الفترة ومسرح البرجوازية الحديثة كما يسميه.
فيجد أن عند ميناندر عناصر المسرح الحديث فى ارتباطه بالواقع البورجوازى وكما يحدد - «من عناية بالنماذج البشرية واختلاط البسمات بالدموع ونمو الشخصية فى أفراد الممثلين، ووحدة القانون الأخلاقى بين الرجال والنساء على السواء.. بل يمكننا القول إنه متوافر فيه بناء المسرحية كلها حول فكرة، ولأن ملهاة ميناندر هى فى جوهرها مسرحية مشكلات اجتماعية» وألارديس نيكول يجد أيضاً فى ملاهى تيرنس بوادر ما يسميه بالمسرحية العاطفية الحديثة. وهذا كلام صحيح مبدئياً من حيث التأكيد على ربط المسرح بعجلة النظام الاجتماعى فى حركتها، ولكن الأمر يحتاج إلى نظرة كلية لا نود أن نعرض لها الآن ونرجئها حين التعرض للمسرح الحديث.
ولكن هذا بإيجاز يؤكد ذاك الخضوع لحركة الواقع خضوعاً كاملاً وانتفاء إمكان التحقيق للتجربة التراچيدية.
>>>
وفى نهاية هذا الشوط يتمخض المسرح الرومانى عن محاولة سنيكا، والبعض يعتبر أن مسرحيات سنيكا باعتبارها مآسى تبدو لغزاً إزاء الواقع الرومانى، والحقيقة أنها ليست لغزاً لأنها ليست مآسى.. فليس لها صلة حقة بالأسس والجوهر التراچيدي، ولا يمكننا أن نعتبرها إلا ميلودرامات، بذل سنيكا فيها كل جهد يمكن أن يواجهه جمهور معين، نعرف عنه نحن الآن، أنه كان لأجل أن تعرض عليه ميلودراما عن كليتمنسترا - لرجل يدعى أكيوس - كان من الضرورى عندها وحتى عن مشاهدتها، أن يمر أمامه خمسمائة بغل وثلاثة آلاف عربة إلى جانب الفيَلة والزرافات بغير عدد - وذلك تعبير عن مشهد يمثل موكب الأسلاب التى حُملت من طروادة بعد تدميرها، ولقد اعتمد سنيكا على مشاهد الدم والتعذيب وخلافه من مقومات الميلودراما، وذلك لتأثيرها فى ذاتها وليس ارتباطاً بتحقيق وحدة ما. وأيضاً لم تخلُ لغته من هذه الاستثارة والافتعال، لقد كان امتداداً لمحاولات سبقته وكانت فى نطاق ضيق تماماً، وتخضع للاستثارة والتظاهر إلى أقصى حد، وذلك كى تضمن هذه المحاولات استمرارها ولكى تمثل أمام فئة محدودة.
 ثم يتأكد إفلاس التجربة الرومانية وما يحيط بالوضع الإنسانى معها من سكون وتجميد لفاعلية الإنسان واندحاره فى حركة المجتمع والتاريخ..
وهنا تقوم حركة مضادة ومن الطرف الآخر تماماً للحركة الرومانية، قامت المسيحية وذلك لكى تسلم المبادرة كاملة إلى الداخل وأيضاً لتحقق بدورها إخفاقاً على نحو آخر، يؤكد استمرار مد حركة الضرورة...
المسيحية قامت تبعاً لإخفاق التجربة الرومانية وإشرافها على إفلاس واضح. قامت كرد فعل متطرف لارتباط هذه بالضرورة والتاريخ.
فالمسيحية تصدر عن موقف داخلى تماماً، على نحو تتنكر فيه لكل الارتباطات الموضوعية للإنسان بالعالم كما أصبح يمثلها المجتمع والتاريخ، ردا على نفس التطرف الرومانى فى تأكيد الارتباط الخاضع للإنسان بالضرورة، الرؤيا المسيحية رؤيا تراچيدية أصلاً، وفى هذا النطاق يظهر المسرح ثانية بعد اختفاء كامل أو يكاد، يظهر بدءا من الطقوس الدينية. ولكن بأى معنى؟ إنه يظهر بالمعنى الذى أعادت به المسيحية الفن إلى الدين، بمعنى يؤكد نفس السكونية.
فعودة الفن إلى الدين من تصوير ومعمار وموسيقى وتنظيم جمالى بعدة كيفيات تتم معها ممارسة الطقوس الدينية، هذه العودة ليست بالمعنى القديم - ذاك الامتزاج التام والمحقق لتجربة جمعية مرادفة لتجربة الوعى الكاملة - إنها عودة تكشف عن الأزمة، فليس ثمة امتزاج بين المفهومين، ثم إن هذه الممارسة فى ظل واقع العصور الوسطى لا تحقق تجربة داخلية، وإنما هى تحقق تأكيداً مستمراً للغيبوبة الداخلية والخارجية وما يعنيه ذلك من سكون الوضع الإنسانى فى تلك الفترة.
وأمام هذا الوضع يأتى رد فعل آخر، ولكنه هذه المرة يأتى من الجزيرة العربية وذلك ما تمثله الحركة الإسلامية.
>>>
فما حدث أن الحركة الإسلامية بعدما أخذت شكل الحضارة العربية وزحفت على أوروبا. عملت على تنمية التناقض الساكن كما بدا فى القرون الوسطى ليحل بديلا عنه تناقض حى فالخروج من العصور الوسطى قام على جانبين قدمتهما الحضارة العربية لها. يتمثل أولها فى تلك الدفعة الأساسية لحركة الأحياء التى اعتمدت على ما نقلته الحضارة العربية من الفكر اليونانى المهيئ للامتزاج بمضمون الحركة الإسلامية وكان ذلك إيحاء باتجاه للداخل واسترداد لفاعلية الإنسان الداخلية التى تجمدت، ولذا نرى أن هذا الارتباط الذى بدأ بالتراث الإغريقى والأثينى بدا مشحوناً بتحدٍ خفى تجاه اللاهوت بوجه خاص بوصفه مصدراً لتجميد الداخل. ثم تجاه الشكل الجمعى للسبات العميق الذى غرقت فيه أوروبا، ولذا فكان يقف بالدرجة الأولى وراء الارتباط بفكر اليونان الطليق - مبدأ إطلاق وعى الفرد فى العالم كله، والارتداد إلى الذات والإحساس الحقيقى بها من خلال إعادة فهم العالم والإنسان، بهذا المعنى كانت الحضارة العربية هى الدفعة الأساسية فى الإتجاه نحو فك الحصار عن الحركة الداخلية المجمدة.
والجانب الثانى الذى خلق ما ندعوه بالتناقض المتحرك يتمثل فيما بدت عليه الحركة الإسلامية من ارتباط بحركة تاريخية تعدت مضمونها الأساسى فكانت بذلك أيضاً دفعة أساسية نحو حركة خارجية جامحة ترتبط بالضرورة فى مستواها الاجتماعى والتاريخى بالنسبة لليقظة الأوروبية..
فالسيادة الإسلامية على العالم بلغت فى هذه الفترة مبلغاً كبيراً، وخلقت بمظاهر القوة استفزازاً أخذ يتزايد لأوروبا. ويمكن أن نلمس بشكل مبكر مظاهر صراع سياسى يكاد يكون من جانب واحد، فيلاحظ أن الفتوحات العربية قطعت الصلة نهائياً بين أوروبا وبين الصين والهند والملايو وقارة أفريقيا، وأصبحت كلها مفتوحة أمام التجارة العربية فقط. وبالمثل أصبح البحر الأبيض المتوسط يمثل منطقة نفوذ خاصة للعرب وكما يقول ابن خلدون «بات الفرنجة عاجزين عن دفع سفينة واحدة فى عرض البحر» وانقلبت مظاهر الحياة فى أوروبا واختفت من أسواقهم جميع السلع التى كانت تستورد من الشرق، وكانت هذه بوادر استفزاز حقيقى لاستعادة الحس الرومانى بالتاريخ وغلبة الضرورة واتجاه هذا الإحساس بوجه خاص نحو التحدى الإسلامى..
>>>
ويؤكد هذا تفسير ما تعنيه الحملات الصليبية تفسيراً سليماً حيث لم تكن إلا امتداداً لهذا الإحساس ورغبة فى تأكيد انتقال المبادرة فى حركة التاريخ إليهم، ولكنهم إذ أدركوا أن مواجهة العالم الإسلامى عسكرياً لم تتيسّر لهم بعد، حيث بدت الروح العسكرية للإسلام مازالت على قدر كبير من الوضوح، تراجعوا وظلوا متحفزين بشكل واضح يؤكد ذلك أنهم عندما داهمهم التتار لم يكن همهم بالدرجة الأولى أن يصدّوا التتار بقدر أن يجعلوا هذه المحاولة فى خدمة مواجهتهم للتحدى الإسلامى، ولذا فقد نفّذوا فكرة غبت للبابا وملك فرنسا حينها وهى تحويل التتار إلى المسيحية واستعداؤهم على الدولة العربية مؤازرة لهم فى مواجهتها. وبنفس الإحساس كانت الحماسة الشديدة للنقل عن الحضارة العربية فى كل ما يؤدى إلى مظاهر السيطرة لتبدأ بشكل فعال محاولة تجميع قواهم مادياً. فكما يرى جيمس طومسون أن الريادة والكشف الأوروبيين فى القرنين الرابع عشر والخامس عشر كانت حركة واسعة صدرت فى اعتماد كامل على أعمال الريادة والكشف والملاحة العربية، وبالمثل كانت الحماسة فى الأخذ بالتقدم فى الرياضيات وباقى العلوم التى تتمشى وهذا الجانب، ثم إذ ننظر إلى حركة البناء الاجتماعى الجديدة فنجد أنها جعلت لمفهوم (الحركة الإنسانية) تأكيداً على الفردية بمعنى اجتماعى بحت، يمثل امتداداً للجانب السابق على المستوى الاجتماعى حيث نشأ معه ما يسميه فرديناند سكيفل «عصر الرجال الأقوياء» على رأسهم الرأسماليون الأول (التجار المغامرون).
وكان ذلك بداية لدفعة واسعة فى حركة الواقع الاجتماعى يتجسد معها نفس المعنى السابق.. وبنفس المعنى السابق أيضاً نمت السياسة وأصبح العصر تدريجياً عصر السياسة والمؤامرات والأطماع.
ووصل الأمر بذلك إلى أن بدا هذا التناقض المتحرك الذى دفعت إليه الحركة الإسلامية، بدا ونداء الخارج أكثر قوة من نداء الداخل وتبعاً لهذه الملابسات التى لا تنفى فى النهاية أننا إزاء واقع مفتوح ومع محاولة شكسبير نجد تحقيقاً متكاملاً للتجربة التراچيدية بوجه خاص تجعل منها نافذة على فترة عصيبة تنبئ باندحارٍ ما، ليست فترته هو فقط وإنما فترتنا نحن وموقفنا الراهن بتنبؤ قاسٍ وهى أيضاً تمثل أهمية خاصة بالنسبة لواقعنا العربى فى ارتباطه بالموقف الحضارى الراهن..