صدى الصوت

المخطوطات المزعومة!

عمرو الديب
عمرو الديب

 

فيما يشبه طفح المياه الملوثة صفعتنا موجة كريهة من الاختلاقات الصفيقة، والادعاءات الوضيعة، التى اجترأت على الحقيقة، وملأت صفحات التواصل الاجتماعى، أو قل - غير متجاوز التباعد الاجتماعى، بمحاولات سخيفة للفت الأنظار، وتزييف الوعى، بادعاء أن هناك مخطوطات قديمة تنبأت بظهور فيروس «كورونا»، والعديد من الأحداث البارزة، وذلك فى تقليد ممسوخ لفكرة كتاب «القرون» لنوستراداموس.. ذلك المنجم الفرنسى الأشهر، الذى ألف كتابه المعنون أيضا بالنبوءات، ليكشف عن أحداث المستقبل عبر صياغات غامضة لمجموعة من الرباعيات التى تضمنت نبوءات لأحداث قادمة منذ عصر المؤلف وحتى نهاية العالم فى عام 3797 ميلادية، كما ادعى المنجم الفرنسى الذى عمل صيدلانيا أيضا، وحقق شهرة واسعة بكتابة «التنبوءات» هذا، وطبعا دعاة الإثارة ومغيبو الوعى دائما ما يحتفون بالكتاب وصاحبه منذ صدرت طبعته الأولى عام 1555 ميلادية، وكم من شارح آفاق رأى فى النبوءات هذه استشرافا لأحداث جسام شهدها العالم بعد وفاة المنجم الفرنسى مثل ظهور الزعيم النازى «هتلر»، واندلاع الحربين العالميتين، وهزيمة «نابليون بونابرت»، وطبعا صدرت من الكتاب مئات الطبعات حول العام، وأضحى محور تجارة رائجة، وترجم إلى معظم اللغات الحية، وعلى هذا الدرب ومع زحف خطر «كورونا» على عالمنا العربى، مزج الأفاقون الأفاكون فكرة كتاب نوستراداموس، بالصورة الذهنية للمخطوطات القديمة التى تضم أسرارا مخفية، ومفاجآت مخبوءة، فظهرت عدة ادعاءات صفيقة حقا، وعلى صفحات التواصل الاجتماعى أو صفحات القطيعة الأسرية، والفرقة العائلية، تنسب نبوءات بظهور الفيروس إلى مخطوطات لمؤلفين لم يعرفهم التراث العربى قط، ولم يشر إليهم أى مصدر معتبر فى مكتبتنا العربية، وقد حاول المزيفون إتقان أدوارهم البغيضة، بصياغة عناوين لهذه الكتب المدعاة، أو المخطوطات المزعومة، على غرار عناوين الآثار التراثية الحقيقية، وتارة ينسبون التنبوء بظهور «كورونا» إلى مؤلف يهودى من القرون الوسطى، وأخرى إلى منجم عربى، والحقيقة أن الحكاية كلها محض اختلاق، وكذبة فاضحة بالغة الوضاعة، اجترأ على افترائها مجرمون أرادوا لفت الأنظار، وبلبلة الأذهان، وطبعا لا نستبعد دافع تزييف الوعى وتسطيحه، وغرض بث الخرافات، ونشر التخلف، وعلينا أن نعى من هذا الدرس أن العالم الافتراضى يمثل بالنسبة إلى هؤلاء المستغلين الأفاكين مرتعا خصبا، وبيئة مشجعة لبث أفكارهم الهدامة، وأكاذيبهم المدمرة.