حكايات| بعد انقراض الإنسان.. آخر ضوء من صُنع البشر

بعد انقراض الإنسان.. آخر ضوء من صُنع البشر
بعد انقراض الإنسان.. آخر ضوء من صُنع البشر

ماذا لو اختفى جميع البشر بطريقة ما من على وجه الأرض؟.. كم من الوقت سيمر قبل أن يُطفأ آخر مصدر اصطناعي للضوء؟.. بين صدمة السؤال الأول والشغف لإجابة الثاني مئات من السنين.

 

مع تحول فيروس كورونا لوباء يهدد وجود مواطني دول بأكملها، ربما تخوض البشرية معارك من أجل البقاء قبل أن تتحول إلى منافسة شرسة على لقب «آخر ضوء».

 

قبل 13 عاماً، وتحديداً في 2007، حاول العالم ألان وايزمان في كتاب له استكشاف ما قد يحدث لمنازل وطرقات وناطحات سحاب ومزارع وحيوانات الأرض إذا اختفى البشر فجأة، ثم ظهر للنور المسلسل العالمي «ما بعد الناس» عام 2008 حاملا بين حلقاته القضية نفسها لكن أيًا منهما لم يجب على السؤال الأصعب الخاص بالضوء.

 


حتى لا تكون مفاجأة فإن معظم الأنوار لن تدوم طويلا لأن معظم شبكات الكهرباء ستتوقف عن العمل بسرعة، ومعظم المحطات العاملة بالفحم الحجري وتوفر القدر الأكبر من كهرباء لعالم تتطلب إمدادات مستمرة بالوقود، وكل ما يرتبط بتشغيلها يقف وراؤه البشر.

 

اقرأ للمحرر أيضًا| للفرعون مثل حظ الأُنثَيَيْنِ.. أسرار ترميم «المومياوات»


بدون بشر سينخفض الطلب على الكهرباء، لكن في البداية ستظل منظمات الحرارة قيد التشغيل إلى أن ينفذ الفحم والنفط وهنا ستبدأ سلسلة سريعة من الانهيارات المتعاقبة تؤدي إلى انقطاع تام في التيار الكهربائي بجميع الشبكات الكبرى حول العالم.


بجولة حول العالم فإن هناك كهرباء تأتي من مصادر لا ترتبط بشبكات الكهرباء الكبرى على كوكب الأرض، وجميعها سيتوقف أيضاً عن العمل:


مولدات الديزل 


إذا كنت من سكان الجزر المعزولة أو النائية فإن الكهرباء الخاصة بك يتم إنتاجها من مولدات الديزل، وبطبيعة الحال ستستمر في العمل إلى أن ينفد الوقود، وغالبًا يحدث ذلك ما بين أيام إلى أشهر.


الطاقة الحرارية الأرضية


لا تحتاج محطات الطاقة الحرارية الأرضية إلى إمداد بوقود يوفره البشر إذ تستمد طاقتها من باطن الأرض، فصيانة محطة جزيرة سفارتسينجي الحرارية الأرضية في آيسلندا تشير إلى ضرورة تغيير عمالها زيت علبة التروس وإعادة تشحيم جميع الموتورات الكهربائية والوصلات كل 6 أشهر.

 


 

عند غياب بشر للقيام بهذا النوع من إجراءات الصيانة فإن بعض المحطات يمكن أن تعمل لبضع سنوات ولكنها في نهاية المطاف ستتعطل بفعل التآكل.


توربينات الرياح


يبدو الوضع أفضل مع توربينات الرياح المصممة حتى لا تحتاج لصيانة مستمرة لأن هناك الكثير منها ويعتبر تسلقها أمرًا مجهدَا، كما أن بعض طواحين الهواء يمكن أن تعمل بدون تدخل بشري لفترة طويلة من الزمن.

 

اقرأ للمحرر أيضًا| يخلق من الشبه أربعين.. لماذا يتشابه التوائم والأقزام وبعض البشر؟


ففي أواخر خمسينيات القرن الماضي، تم تركيب توربينة رياح جيدسر في الدنمارك، وولدت كهرباء لمدة 11 عامًا بدون صيانة، إذ يقدر أن التوربينات الحديثة 30 ألف ساعة (3 سنوات) بدون أن تحتاج إلى صيانة.

 

 

ليس هناك شك في أن بعض هذه التوربينات سيستمر في العمل لعقود، ومن المؤكد أن يكون في واحد منها على الأقل مصباح بصمام ثنائي باعث للضوء من نوع ستاتس في مكان ما لكن في النهاية أيضًا ستتوقف جميع توربينات الرياح للسبب ذاته الذي سيدمر محطات الطاقة الحرارية الأرضية وهو علبة تروسها ستتوقف عن العمل.


السدود الكهرومائية


هنا تعمل المولدات لتحول طاقة المياه إلى كهرباء لفترة طويلة، ونقلت قناة هيستوري تشانيل عن أحد مشغلي سد هوفر قوله إنه لو خرج الجميع فإن المرفق سيعمل تلقائيًا لسنوات.


 

لكن كالعادة في النهاية سيتعطل إما لانسداد المداخل أو للعطل الميكانيكي ذاته الذي يصيب توربينات الرياح ومحطات الطاقة الحرارية الأرضية.


البطاريات 


يكفي عقد واحد أو عقدان كي تتوقف جميع الأنوار التي تستمد طاقتها من البطاريات، إذ تفقد شحنتها ذاتيًا بصورة تدريجية حتى بدون أي شيء يستهلك طاقتها، وبعض الأنواع تدوم لفترة أطول من غيرها لكنها لديها فترة صلاحية تحتفظ بشحنتها ولا تزيد على 20 عاماً فقط.

 

اقرأ للمحرر أيضًا| خريطة البراكين في مصر.. أسرار من الفيوم وأبو زعبل

 

أما الاستثناء الوحيد فتحتضنه مكتبة كلاريندون بجامعة أكسفورد؛ حيث يوجد جرس يستمد طاقته من بطارية ويرن منذ العام 1840، يرن الجرس بهدوء شديد لدرجة أنه غير مسموع تقريبا مستهلكا كمية ضئيلة جدا من الشحنة مع كل حركة للسان الجرس.


 

المفاعلات النووية


تبدو وكأنها مصدرا مراوغا للطاقة، فإذا ضبطت على وضع الطاقة المنخفض يمكنها أن تستمر بالعمل إلى أجل غير مسمى، فكثافة الطاقة في وقودها مرتفع إلى تلك الدرجة، لكن كل الحذر عند توقف قلب المفاعل بطريقة تلقائية.


ومع إمكانية حدوث هذا التوقف لعدة أسباب يظل أرجحها هو فقدان الكهرباء الخارجية، فمحطة الطاقة النووية تتطلب طاقة خارجية لتشغيلها فكل جزء من نظام التحكم في المفاعل النووي مصمم بحيث أن أي انقطاع سيؤدي لإيقاف أو إطفاء سريع للمفاعل.

 

وعندما بنى إنريكو فيرمي أول مفاعل نووي في مدينة شيكاغو قام بتعليق قضبان التحكم بواسطة حبل مربوط بدرابزين شرفة، وفي حال حدوث أي شيء خاطئ كان يتمركز بجانبه فيزيائي قدير يحمل بلطة ليقطعه.

 


وفي النهاية فإنه في حال انقطاع الكهرباء الخارجية عن المفاعل أو نفاد وقود مولدات الكهرباء الاحتياطية فإن المفاعل النووي سيتعرض لإطفاء مفاجئ.


المسابر الفضائية


من بين جميع المصنوعات البشرية ربما تكون المركبة الفضائية الأكثر ديمومة فبعض مداراتها ستدوم لملاين السنين على الرغم من أن طاقتها الكهربائية فلن تدوم أيضًا.

 

اقرأ للمحرر أيضًا| بأي لغة كلم الله نبيه موسى؟.. ليست «العربية»


ففي غضون قرون ستكون مركبات المريخ الجوال (Mars rovers) الخاصة بناسا ستكون مدفونة بالغبار، كما أن الكثير من الأقمار الصناعية ستسقط عائدة إلى الأرض؛ حيث ستكون مداراتها قد اضمحلت.

 


المفاجأة أن أقمار نظام التموضع الفضائي (GPS) ستدوم بالفعل لفترة أطول لكن مع مرور الزمن حتى أكثر المدارات استقرارا ستضطرب بفعل القمر والشمس.


كثير من المركبات الفضائية تستمد طاقتها من ألواح شمسية وأخرى من التحلل الإشعاعي، فمركبة المريخ الجوالة (كيوريوزيتي) تستمد طاقتها من الحرارة المبعثة من كتلة بلوتونيوم تحملها في وعاء على طرف عصا تسمى (صندوق الموت السحري)، لكن سينخفض (الفولتيه) الخاص بها وربما تتلف أجزاء أخرى.

 


الطاقة الشمسية


في أماكن نائية تعمل أكشاك مكالمات الطوارئ بالطاقة الشمسية غالباً وعادة ما تحمل أضواء للإنارة الليلية، ومع صعوبة صيانتها فيتم تصنيعها لتدوم لفترات طويلة، وطالما يتم الحفاظ عليها خالية من الغبار والحطام فإن الألواح الشمسية ستدوم بشكل عام بقدر ما تدوم الإلكترونيات الموصولة بها.

 

اقرأ للمحرر أيضًا| ليس كمثلها شيء.. 20 معلومة تاريخية عن «منارة الإسكندرية»


لكن لا شك في أن أسلاك ودارات الألواح الشمسية ستتعطل أيضًا بفعل التآكل، وإن ظل النوع المخصص منها للمناطق الجافة والمزود بإلكترونيات جيدة الصنع فيمكنها بسهولة أن توفر الكهرباء لقرن إذا بقيت خالية من الغبار لكن في النهاية ستنتهي.


إشعاعات تشيرنكوف


ومن الممكن أن الأضواء الموجودة في أماكن نائية والتي تستمد طاقتها من الشمس ستكون آخر مصادر الضوء الباقية من صنع الإنسان، لكن هناك منافس آخر لها وهو إشعاعات تشيرنكوف.


صحيح أن الإشعاعات ليست دائمًا مرئية، فعندما تمر جسيمات مشعة عبر مواد مثل الماء أو الزجاج يمكنها أن تبعث ضوءًا بواسطة نوع من دوي اختراق حاجز الصوت الضوئي ويسمى أشعة تشيرنكوف ويشاهد في التوهج الأزرق المميز لقلوب المفاعلات النووية.

 


بعض منتجات النفايات المشعة مثل سيزوم -137 يتم صهرها ومزجها مع الزجاج بعدها تبرد لتتحول إلى لبنة صلبة يكون من الممكن تغليفها بمزيد من التدريع بحيث يمكن نقلها وتخزينها بأمان، والتي تتوهج بدورها في الظلام باللون الأرزق، ويبلغ نصف عمر السيزوم 30 عاماً أي بعد قرنين من الزمان سيكون لا يزال يتوهج بنسبة 1% من الإشعاع الأصلي.


وفي النهاية فإنه بعد قرون من الآن سيكون الضوء المصنوع من أكثر النفايات البشرية سمية لا يزال متألقًا في سراديب أسمنتية، وهو التصور الذي تحدث عنه راندال مونرو أحد أعضاء ناسا سابقًا في كتابه «ماذا لو» مقدمًا إجابات علمية جدية لأسئلة افتراضية.

 



 
 
 

 

ترشيحاتنا